نبيل نعيم رمح خشبي في مواجهة أفكار شرسة

الثلاثاء 2017/12/05
أيقونة المعالجة المصرية الرخوة لظاهرة التطرف

القاهرة - هذا الرجل الذي يوهم المصريين بأن هناك حربا حقيقية في مصر على الإرهاب، لا على الإرهاببين وحسب، لم يكن أكثر من عضو عادي مشهور بالحماسة والتهور، تسند إليه مهام خاصة في التنظيم، مثل تجنيد أعضاء جدد والترويج للأفكار الجهادية، لكنه لم يكن مؤسسه كما هو شائع في الإعلام.

“كان نشاط نبيل نعيم عبدالفتاح وثروت صلاح شحاتة من أهم الأسباب التي ساعدت على تكريس سيطرة أيمن الظواهري على كل عناصر عبود الزمر بل ضم آخرين عبر الترويج لفكر الظواهري ومؤلفاته التي بدأت تنتــشر شيئا فشيئا”. تلك كانت من الإشارات الموثقة النادرة لطبيعة نشاط وموقع القيادي السابق بجماعة الجهاد نبيل نعيم في التنظيم، ضمن ما كتبه المحامي منتصر الزيات كسردية لتنظيم فشل في مصر ثم خرج إلى أفغانستان لتجنيد العناصر واكتساب القوة التي تؤهله للعودة بغرض الانتقام.

تاجر قطع غيار يهدد المستقبل

حياته بدأت كتاجر لقطع الغيار في وكالة البلح، وهي سوق شهير بحي بولاق أبوالعلا في وسط القاهرة، وانضم إلى تنظيم الجهاد المصري في إحدى نوباته الانفعالية.

لكن الأمر تطور لاحقا كما كشف الزيات، حين تبدت طبيعة مهام نعيم كعضو بالتنظيم، إذ يقول “كانت الرسائل الصفراء، في إشارة إلى لون الغلاف الذي تميزت به، قد ملأت التجمعات الشبابية والجهادية، ورغم كونها نشرات سرية إلا أنها كانت تطبع وتوزع بسرعة فائقة وبجهد متنام لنعيم وشحاتة (ثروت صلاح شحاتة) قبل أن تتوصل أجهزة الأمن إلى خطورتهما ودورهما في إعادة بث التعاليم الجهادية، فألقت القبض على نبيل نعيم عام 1991”.

مكث نبيل نعيم سبع سنوات في السجن في قضية اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، قبل أن يعتقل إداريا لما يزيد عن عشرين عاما في عهد نظام حسني مبارك.

استمر الوضع هكذا إلى أن وقع الخلاف حول جدوى استمرار تنظيم الجهاد بعد الحرب الأفغانية التي شارك فيها التيار الجهادي المصري في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وطرح البعض ومنهم نعيم فكرة حله.

الهدف من الجهاد

أسس نعيم مواقفه خلال تلك المرحلة على فكرة رئيسية، هي أن الجهاد في أفغانستان كان غاية بحد ذاته ومصدرا لاعتزازه، زاعما أنه مختلف عما تورط فيه الجهاديون لاحقا من صراعات وقتال ضد الحكومات العربية.

وهذا يتناقض مع حقيقة مثبتة في الأدبيات الجهادية، ومؤداها أن “الهجرة” إلى أفغانستان لم تكن منذ البداية سوى محطة متفق عليها ومن ثم العودة والاستيلاء على الحكم في مصر بعد تكوين جيش قوي من الإسلاميين، بحسب ما ذكر أيمن الظواهري في كتابه الذي يعد بمثابة سيرته الذاتية “فرسان تحت راية النبي”.

نعيم لا يملك شخصية المفكر المنهجي والمنظر صاحب العدة الفقهية والتاريخية الصلبة لمواجهة المنظرين الجهاديين العتاة، أمثال يحيى هاشم وأبومصعب السوري وأيمن الظواهري، لذلك سعى لتعويض النقص باعتماد الأسلوب الفكاهي الذي يقدمه بلغة شعبية دارجة

منتقدو نبيل نعيم يرصدون جملة من التناقضات، منها اعتزازه بالجهاد الأفغاني ضد السوفييت على الرغم من أنه يؤرخ للبداية الفعلية لعولمة الفصائل الجهادية المصرية، وهو لا يختلف عن الحرب بالوكالة التي خاضتها لحساب قوى خارجية وأجهزة استخبارات غربية في الداخل العربي لاحقا، وهي الظاهرة التي يشن عليها نعيم هجومه الدائم الآن.

ويرون أن عدم وصوله إلى المستوى التنظيمي الذي كان يؤمله هو ما دفعه لينسج قصصا حول أدوار وقدرات مبالغ فيها تتجاوز قدرات قادة التنظيم الفعليين. ومنهم من رأى أن فترة وجوده في أفغانستان بصحبة أيمن الظواهري لم توثق بشهادات آخرين، وكذلك فترة سجنه التي امتدت لثماني عشرة سنة.

هدر ساعات البث

يجد الخبراء أن ما يجري في المشهد الإعلامي هو هدر لساعات طوال من البث الإعلامي في حديث عن بطولات وهمية وروايات غير موثقة مطعمة بمقولات جاهزة ومتداولة في تحليلات الصحف.

وأدى استسهال التعاطي مع الظاهرة إلى إهمال التحليل المنهجي للأطروحات المتشددة بزعم تجاوب شريحة من الجمهور مع بعض القفشات والنكات التي يطلقها الشيخ نبيل نعيم.

لا يملك نعيم شخصية المفكر المنهجي والمنظر صاحب العدة الفقهية والتاريخية الصلبة لمواجهة المنظرين الجهاديين العتاة، أمثال يحيى هاشم وأبومصعب السوري وأيمن الظواهري، وسعى لتعويض ذلك باعتماد الأسلوب الفكاهي الذي يقدمه بلغة شعبية دارجة.

الفارق كبير بين مستويات قادة الفعل ومن يقدمهم الإعلام لمعالجة مناهجهم فكريا، خاصة إذا اتضح أن من قاموا ببلورة الإطار الفكري لتنظيم القاعدة هم المصريون من كوادر الجهاد كالظواهري وسيد إمام.

كما ظلت لهم اليد الطولى في الجوانب العسكرية، بداية من عبود الزمر وعصام القمري، وانتهاء بعلي أمين الرشيدي “أبوعبيدة البنشيري” ومحمد عاطف “أبو حفص المصري” وأحمد سلامة مبروك وهشام العشماوي.

توظف الأوساط الجهادية احتفاء الإعلام بنعيم لصالحها، ويصاب المجال الشعبي العام بملل التكرار وتطرح مقترحات لتقييم هذه المعالجة عبر نفس الأطروحات والشخصيات، خاصة مع تنامي التطرف والإرهاب المستند إلى نفس الأدبيات القديمة.

يوصف نبيل نعيم بالشخصية المثيرة للجدل، وهو إحدى الظواهر الإعلامية التي عكست التعاطي الاستسهالي مع قضايا العنف والتطرف.

الأوساط الجهادية توظف احتفاء الإعلام المصري بنعيم لصالحها، ويصاب المجال الشعبي العام بملل التكرار وتطرح مقترحات لتقييم هذه المعالجة عبر نفس الأطروحات والشخصيات، خاصة مع تنامي التطرف والإرهاب المستندين إلى نفس اللغة القديمة

لم يقدم ما يعتد به لمواجهة فكرية وطرح تفكيكي لمقولات الجهاديين والتكفيريين على مدى عدد ساعات ضخم من الظهور في الإعلام، بالنظر إلى أن ما طرحه لم يخرج عن مساحة ما يكتبه المحللون والمراقبون بشأن ارتباطات تلك التنظيمات بجهات خارجية وطبيعة العلاقات بين الإخوان والغرب وتحالفات القاعدة مع الإخوان.

ألمح البعض من خبراء الإعلام إلى أن نعيم وظف الإعلام لصالحه أكثر من استفادة الإعلام منه، وعبر إكليشيهات مكررة في المئات من البرامج على فضائيات مصرية وعربية لم يكّون الدارسون ملمحا لمنهج متماسك ومضاد للأفكار الجهادية، وهو ما كان منتظرا من رجل يزعم أنه المؤسس الفعلي لهذا التيار، وبأن الظواهري هو من كان يرجع إليه في قراراته المصيرية.

نجم الحوادث الإرهابية

جهود الظواهري وخططه ومناهجه متواصلة وتثمر عبر نفس المناهج والرموز مثل هشام العشماوي ضابط الصاعقة السابق ورفاقه الأربعة المفصولين من الجيش ومنهم عمادالدين عبدالحميد الذي قتل في معركة الواحات الأخيرة.

أما الطليعة المجاهدة التي تحدث عنها سيد قطب فلا تزال تعمل بنفس الحماس والقناعة الكاملة حيال أفكاره التي تنبأ بأنها ستكون أقوى بعد إعدامه.

استلم الظواهري المؤسس الفعلي لتنظيم الجهاد مشروع قطب، وفي العام الذي أعدم فيه قطب ساعد الظواهري في تشكيل أول خلية سرية للإطاحة بالحكومة وتأسيس دولة إسلامية وهو لا يزال في الخامسة عشرة من عمره.

العدة المنهجية العتيدة لتنظيم القاعدة والجهاد المصري الموصولة بالعرض البليغ الحاد لقطب يتم التعاطي معها عبر الإعلام بشخصيات أدمنت الظهور التلفزيوني، دون محصلة معتبرة في سياق التفكيك والبناء المنهجي.

وعقب كل هجوم إرهابي، تسارع الفضائيات لاستضافة نعيم، ليصدر جمله المعهودة، عبر تعاط دعائي شخصي بترديد كونه هو الأفقه والأشجع من جميع قادة التنظيم الذي أسسه بنفسه، والإلحاح على أنه كان المقرب من الظواهري الذي رافقه في السجن وفي الحرب الأفغانية.

والحقيقة أن نعيم انضوى تحت راية تنظيم الجهاد على خلفية جرأة زائدة عن الحد، بالنظر إلى طبيعة نفسية حادة كلفته قضاء عشر سنوات كاملة في الحبس الانفرادي.

ويتساءل العديد من المتابعين عن مؤهلات رجل يقدم بشكل دائم في الإعلام العربي بوصفه مناهضا للفكر التكفيري والجهادي؟ وهل يمنحه ماضيه التنظيمي الغامض صك امتلاك صفة “الخبير” التي صنعت في الأخير ظاهرة إعلامية خاوية من المضمون وموظفة لأغراض بدت بعيدة عن الهدف الرئيسي وهو طرح الردود العميقة والرصينة على أطروحات الجهاديين؟

لقد استهلكت ظاهرة “الخبراء” إعلاميا في مساحات وأغراض لا تخدم الهدف الرئيسي منها، وصار الخبير يتحدث في كل القضايا ويوظف في صراعات على الساحة، دون معالجة جوهر القضية الرئيسية وهي عرض المنهج الإسلامي الأصيل، الذي يستبدله الجهاديون بمنهجهم الانقلابي المسلح عبر استدلالات من التاريخ والتراث.

نبيل نعيم يحسب له موقفه المبكر المناهض للإخوان في السلطة، لكن فكره لا يرتقي إلى مستوى المفكر التفكيكي المعادل لمكانة أمراء الدم وفلاسفة العنف الذين يستغلون ظهوره في الإعلام

أسطورة التحقيقات

يكرر نعيم عبر ظهوره الإعلامي وصف نفسه بأنه “أسطورة التحقيقات” فلم تستطع أجهزة الأمن بشتى طرق التعذيب أن تحصل منه على معلومة تدين رفاقه أو توصل إلى القبض على أحدهم، والسر في ذلك أنه يلامس النقطة الأضعف في مسيرة الظواهري قائد تنظيم الجهاد المصري وزعيم القاعدة الحالي، بعد أن تعاون مع الأمن نتيجة التعذيب الشديد ليوقع برفيقه المقرب الذي كان المطلوب الأول وهو الضابط السابق عصام القمري.

ورتب فؤاد علام رئيس وحدة مكافحة الإرهاب بوزارة الداخلية في ذلك الوقت، مكيدة مستفادة من عدم معرفة القمري بنبأ القبض على الظواهري، ليتلقى الأخير مكالمة هاتفية من القيادي الهارب في حضور الأمن، ويرتب معه موعدا لمقابلته في مسجد الزاوية بإمبابة بمحافظ الجيزة، ليدل قوات الأمن على صديقه.

كما أنه دل الأمن على أسماء الخلية السرية التي أنشأها وأعضائها داخل الجيش وأسماء المنشقين عنها وتفصيلات نشاطات التنظيم وكيفية حصوله على الأسلحة والذخائر وطبيعة أهدافه وخطط تنفيذها.

وهو ما ألمح إليه الظواهري في سيرته الذاتية بشكل غير مباشر عندما قال “وأشد ما في الأسر هو إرغام المجاهد تحت وطأة التعذيب على الاعتراف على إخوانه وإكراهه على تدمير حركته بيده وأن يقدم بنفسه أسراره وأسرار إخوانه إلى أعدائه”.

تنظيم الجهاد ليس هرميا كالجماعة الإسلامية برأس قيادة معروفة للجميع، إنما مجموعات من خلايا مستقلة عن بعضها البعض وكل مجموعة لها قائدها، ولا تعلم خلية عن الأخرى شيئا، بالنظر إلى الطبيعة السرية المغلقة للتنظيم.

تفرق التنظيم منذ العام 2010 لعدة مستويات منها ما هو خارجي بالانضمام إلى القاعدة والانضواء في مشروع بن لادن والظواهري، وتحديدا في شمال أفريقيا والشام، والذي يحمل البعدين العالمي والمحلي والمراوحة بينهما بحسب طبيعة المراحل.

في المقابل، أقدم البعض منهم على عمل مراجعات، والتقط نعيم خيط الأفكار التي طرحها المرجع الفكري للجهاد والقاعدة سيد إمام تحت عنوان “وثيقة ترشيد الفكر الجهادي” داعيا إلى حل التنظيم مطالبا أعضاءه بالتخلي عن الأفكار القديمة. أما الأثر الذي يتوخاه الإعلام من وقع تقديم واحد من القيادات التائبة، فهو ما يختلف على مدى تأثيره عن التعاطي مع عضو عادي.

انتهازية الإخوان

مجمل طرح نعيم الإعلامي يتركز على توصيف الحالة السلفية والجهادية كونها تحارب حكوماتها بالوكالة لصالح قوى خارجية، وكونها لا تؤمن بالتداول السلمي على السلطة، حيث تعتبر الأحزاب في الساحة علمانية كافرة.

مجمل طرح نعيم الإعلامي يتركز على توصيف الحالة السلفية والجهادية كونها تحارب حكوماتها بالوكالة لصالح قوى خارجي

وطرح نعيم فكرة توظيف الجهاديين وجماعة الإخوان في صراعات السياسة العربية، مكرسا حقيقة نشاط تلك الجماعات عبر التوظيف الغربي والعربي، وطرح حقائق متداولة مثل انتهازية الإخوان وتعاملهم مع السفارات وأجهزة الاستخبارات الغربية، وكشف ضلوع الإخوان وقطر والجماعات الإرهابية في تنفيذ مشروع “الجيل الرابع للحروب، لتفتيت الدول العربية وتحقيق حلم دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات”. وأوضح أن إزاحة الإخوان هي أكبر نعمة لحقت بالمصريين، ووصف أعضاءها وقادتها بأنهم مغيبون عن الواقع ولا يفقهون التعاطي مع متغيرات الواقع السياسي المتسارعة، وأنهم يرون حكم مصر حقا مكتسبا لهم وحدهم دون الآخرين.

ولدى الحديث عن تنظيم داعش يكرر أن التنظيم يستنسخ أسلوب جنكيز خان في ما أطلق عليه إدارة التوحش، لتحقيق هدفين وهما “تشويه الإسلام وتهجير مسيحيي الشرق الأوسط”، علاوة على تكرار أوصاف محفوظة بشأن كونهم “سفهاء الأحلام وحدثاء الأسنان”.

لكن يبقـي أن من أهم ما ذكره نعيم أن بداية دوران تنظيم القاعدة في الفلك الغربي جاءت مع توقيت تحالف جماعة الإخوان مع تنظيم القاعدة، عن طريق تجنيد الإخوان للقاعدة في مشروعها للصعود إلى السلطة بمصر وبقية الدول العربية.

13