نبيه بري الأستاذ الذي يصر على "الميثاقية" وسط الفوضى

الأحد 2018/01/28
معركة "البقاء على العرش"

لقب “الأستاذ” ناله نبيه بري بعد أن تربع على عرش رئاسة المجلس النيابي طيلة 26 عاماً، استحق معها دخول موسوعة غينيس للأرقام القياسية كصاحب أطول فترة لرئيس لمجلس نيابي منتخب أو “مجدّد” له في العالم.

لكن الأمانة تقتضي القول إن هذا “الشاعر” الفطري وصاحب النكتة “بمحلها” كما يقال عنه، نجح بالإمساك بمفاصل اللعبة السياسية في لبنان ببراعة “الناظر” الذي لا تفوته لا شاردة ولا واردة في المدرسة التي يشرف عليها، فأحسن إدارتها وجعل من منصبه رديفاً لاسمه لا يمكن أن يتخيّل اللبناني كيف يمكن أن يكون عليه عمل المجلس من دونه.

في لبنان أمثال شائعة كثيرة يرددها الناس، غير أن المثل الوحيد الذي ينطبق فعلاً على “أبي مصطفى” هو الذي يقول “قلبي على ابني وقلب ابني على الحجر”. فقلب بري هو الدستور، ونبضاته هي مواده التي يرفض بأي شكل من الأشكال المسّ بها وهو طبّق مقولة إنه حارس الدستور عن حق. ولعله بذلك يخالف القاعدة الدستورية التي تنصّ على أن رئيس الجمهورية هو الوحيد الذي أقسم على الدستور اللبناني وحلف على احترامه والعمل بموجبه.

عون وبري وثارات لا تنتهي

يكمل بري في الثامن والعشرين من الشهر الجاري عامه الثمانين. وهو بسبب تنقله الكثير بين المغترب في سيراليون، وبلدته الجنوبية تبنين، ومحلّ إقامته في العاصمة بيروت، اجتاز المرحلة الابتدائية والثانوية من علومه بـ”طلبات حرة” نظراً لعدم تمكّنه من الانتظام الدراسي في مدرسة واحدة، غير أنه اختار دراسة القانون وحاز على الشهادة من الجامعة اللبنانية بتفوّق حيث حلّ في المرتبة الأولى بين رفاقه المتخرجين في العام 1963.

معروف عنه أنه ناضل في صفوف حركات الطلاب وترأس الاتحاد الوطني للطلبة اللبنانيين، ثم ناضل إلى جانب الإمام موسى الصدر، وتولى مسؤوليات إعلامية في حركة أفواج المقاومة اللبنانية “أمل” قبل أن يأتمنه الصدر ويكلّفه بمهام رئيسية مثيرة برع في إنجازها.

أما في هذه اللحظة، فيمكن للمراقب أن يلاحظ أن بري لم يكن متحمّساً لانتخاب عون ولم يكن موافقاً أيضاً على انتخاب جعجع، لكنه انتهج مبدأ صديقه “اللدود” جنبلاط من حيث الإتيان برئيس وسطي كي “لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم” كما يقول المثل، وللمحافظة على كيان الدولة ومؤسساتها. لكنه بالمقابل سعى بكل ما لديه من نفوذ للمحافظة على حكومة الرئيس تمام سلام التي كانت قد تولّت مقاليد السلطة الإجرائية، وعدم تعريضها للانقسام أو دفع رئيسها للاستقالة، فكان عاملاً قوياً للمحافظة عليها، داعماً لبقائها وعملها.

"ثورة الأرز" التي أفضت إلى خروج الجيش السوري من لبنان، أدت إلى شطر البلد عمودياً بين فريقي 8 و14 آذار. فكان بري من صلب فريق 8 آذار. وشكّل مع نصر الله ما يعرف باسم "الثنائية الشيعية"

ووقعت المفاجأة حين تقدّم الرئيس سعد الحريري بمبادرة “إنقاذية” بترشيح النائب سليمان فرنجية للرئاسة، فقامت الدنيا ولم تقعد بالنسبة لجعجع العدو التاريخي لفرنجية، فأعلن تراجعه عن ترشيح نفسه، ودعم عون للرئاسة، ما وضع الجميع أمام هول المفاجأة باستثناء بري الذي لم يوافق على عون، وكان إلى جانب كتلته ممن لم يصوتوا لصالحه في الانتخابات التي جرت في 31 أكتوبر 2016 وانتخب عون خلالها رئيساً للبلاد.

العلاقة بين بري وعون لم تكن في حال جيدة يوماً ما، ولكن ومع ذلك فإن عهد “الرئيس المسيحي القوي” كما أطلق عون على نفسه، بدأ بزخم ولم يكن لذلك أن يكون لولا تعاون السلطتين التنفيذية والتشريعية في هذا المجال. فقامت حكومة الحريري التي شكلها من ضمن “الصفقة” التي أوصلت عون إلى بعبدا، بإرسال مشروع قانون الانتخابات الجديد الذي سارع بري إلى عقد جلسة نيابية لإقراره، كما وضعت مشروع قانون الموازنة التي غابت عن لبنان أكثر من 12 عاماً، فصادق عليها المجلس برئاسة بري رغم الخلاف الذي كان سبب عدم إقرارها طيلة السنوات الماضية وهي مسألة قطع الحساب.

لكن الأزمة التي عصفت بالبلاد إثر استقالة الحريري التي أعلنها من السعودية، حتمت على برّي التقارب مع عون، وكان المشهد السياسي الجامع سبباً رئيسياً في سحب فتيل أزمة كادت تودي بالبلاد إلى المجهول، لكن شهر العسل بين الرئيسين لم يدم طويلاً.

لقد وقّع عون والحريري مرسوماً يعطي أقدمية استثنائية لضباط من السلك العسكري كانوا قد انضووا تحت لواء الجيش في العام 1994 في دورة عرفت باسم “دورة عون”، من دون أن يحمل المرسوم توقيع وزير المالية علي حسن خليل، الذي هو في الوقت نفسه المعاون السياسي لبري، فانفجر الخلاف الذي يبدو لغاية كتابة هذه السطور مستفحلاً واستخدم فيه الرئيسان جميع أنواع “الأسلحة الكلامية”.

توقيع عون والحريري على مرسوم يعطي أقدمية استثنائية لضباط من السلك العسكري كانوا قد انضووا تحت لواء الجيش في العام 1994 في دورة عرفت باسم "دورة عون"، من دون أن يحمل المرسوم توقيع وزير المالية علي حسن خليل، الذي هو في الوقت نفسه المعاون السياسي لبري، يفجر الخلاف الذي يبدو لغاية كتابة هذه السطور مستفحلا بعد أن استخدم فيه الرئيسان جميع أنواع "الأسلحة الكلامية"

ميثاقية أمراء الحرب

يتذرع عون بضرورة “إنصاف” الضباط الذين حرموا من حقوقهم لفترة عامين خلال فترة “الغزو” السوري للبنان في العام 1990. في ما يتذّرع بري بضرورة أن يحمل المرسوم توقيع وزير المالية لأنه يترتب على المرسوم تبعات مالية.

غير أن ما وراء الأكمة غير ما أمامها. فبري يصرّ على الميثاقية في المراسيم، أي أن تحمل تواقيع الرئيس الماروني ورئيس الحكومة السني ووزير المالية الشيعي، ويرفض عون هذا الأمر لأنه “لا يضمن بقاء وزارة المالية مع الشيعة” وطلب الاحتكام إلى القضاء. بينما رد بري بأن الأمر مقبول عندما يكون “الوليّ” على القضاء غير تابع حزبياً، وإلى ما هنالك من حجج وتبريرات لا تقنع أيا من الفريقين.

وزن بري الحالي ليس قادماً من شيعيته فقط، بل من دوره الذي لعبه في تاريخه السياسي، فمنذ العام 1980 وبعد سنتين على تغييب الصدر، ترأس بري حركة أمل التي لا يزال على رأسها لغاية اليوم. وهو يفاخر في هذا الإطار أنه كان إلى جانب رئيس “الحزب التقدمي الاشتراكي” النائب وليد جنبلاط رأس حربة إسقاط اتفاق السابع عشر من أيار الذي تم التفاوض عليه خلال ولاية الرئيس السابق أمين الجميل، كما يفاخر بالقافلة الكبيرة من شهداء الحركة الذين سقطوا على طريق مقاومة الاحتلال الإسرائيلي للبنان.

وهو لا يختلف عن أقرانه من أمراء الحرب اللبنانية من حيث انغماسه في وحولها. فكثيرة هي البصمات التي تركتها المعارك الجانبية التي انخرطت فيها حركة أمل وخلّفت في ذاكرة اللبنانيين آثاراً لا تمحى مثل حصارها للمخيمات الفلسطينية أو اشتباكاتها مع “الرفاق” في الحزب التقدمي الاشتراكي في معركة “العلم” الشهيرة. غير أن تلك المرحلة محتها مواقف بري “البرلمانية” التي تمحورت في معظمها على كلمة قلّ استخدامها من قبل بقية السياسيين وهي “الميثاقية”.

ترويكا التوازن المستحيل

غير أن العلاقة التي تحكم مراكز القوى في الدولة اللبنانية اليوم بدأت مع تسلّم رفيق الحريري رئاسة الحكومة في مطلع عهد الرئيس الراحل إلياس الهراوي. حينها تداولت الأوساط السياسية اللبنانية تسمية “الترويكا” وهو تعبير يصف التوافق التام الذي كان قائماً بين أركان السلطة “الهراوي ـ بري ـ الحريري” في إدارة الشأن العام السياسي.

ومع قرب انتهاء ولايته، قيل إن الهراوي صارح الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد عام 1995 بأنه يرغب بالتجديد له لولاية من ست سنوات جديدة، لأنه لم يتمكن من تسلم الحكم عقب انتخابه في العام 1989 إلا بعد سنتين بسبب سيطرة ميشال عون على القصر الجمهوري في بعبدا، ثم انتظر ترميم القصر الجمهوري الذي تضرر كثيراً بالقصف فوافق الأسد على تمديد ولاية الهراوي لثلاث سنوات، كان بري المهندس الرئيس لإخراج التمديد.

غير أن ولاية الرئيس أميل لحود شهدت مداً وجزراً في العلاقة مع بري، خصوصاً وأن لحود لم يخف خصومته للرئيس الحريري ومعارضة كل مشاريعه الاقتصادية والإنمائية، ما أثار امتعاض بري الذي كان على علاقة وطيدة بالحريري.

كان موقف بري رافضا للتمديد، لكنه في نهاية الأمر رضخ لمشيئة الإرادة السورية فعقدت جلسة التمديد التي شهدت وقوف 29 نائباً عارضوا التمديد وشكّلوا “لائحة الشرف” وكان أبرزهم وليد جنبلاط.

وما يحدث الآن من صراع حاد بين الرئيسين عون وبري، هو نتاج تناقضات نسجت خيوطها قبل أعوام قليلة فقط، عقب خروج قوات جيش الوصاية السوري من لبنان، حين انقسم البلد عمودياً بين فريقي 8 و14 آذار فكان بري من صلب فريق 8 آذار.

شكّل بري مع الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، حينها، ما يعرف باسم “الثنائية الشيعية” التي خاضت الانتخابات في العام 2005 ضمن ما سمي “التحالف الرباعي” مع “الحزب التقدمي الاشتراكي” وحزب “القوات اللبنانية”.

انتخاب العماد ميشال عون مسألة لم يكن نبيه بري متحمّساً لها، ولم يكن موافقاً أيضاً على انتخاب جعجع، لكنه انتهج مبدأ صديقه "اللدود" جنبلاط من حيث الإتيان برئيس وسطي كي "لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم"

تم اختبار تلك الثنائية الشيعية حين شنّت إسرائيل في يوليو 2006 حرباً استمرت 33 يوماً ضد حزب الله، برز بري فيها، كأحد الشركاء الرئيسيين في المفاوضات التي أدت إلى صدور قرار مجلس الأمن الدولي 1701 الذي أوقف كل الأعمال العسكرية بين إسرائيل والحزب.

ليحمل العام التالي نهاية ولاية لحود الممدة، ودخول البلد في فراغ رئاسي لعدم توافق النواب على اختيار رئيس جديد للجمهورية. كانت سلطات الرئاسة قد انتقلت إلى حكومة الرئيس السنيورة، لكن تحت نظر بري الذي كان يقف لها بالمرصاد.

كان بري يمتنع عن الدعوة إلى جلسة عامة لانتخاب رئيس جديد لعدم وجود توافق حول الشخصية التي ستتولى رئاسة البلاد، فاتهمه السنيورة وفريق 14 آذار بأنه “أقفل مجلس النواب”.

واستمر هذا الوضع حتى مايو 2008 حين شن “حزب الله” غزوته الشهيرة على بيروت وبعض مناطق الجبل، وانتشرت “القمصان السود” في الشوارع. اقتربت البلاد أكثر من أي وقت مضى من “شبح الحرب الأهلية” مجدداً، غير أن الوساطات العربية والدولية نجحت إقناع القيادات اللبنانية بالاتفاق على انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية.

سيد الفراغ ولعبة العروش

طيلة ولايته، بقيت أزمة سلاح “حزب الله” تقض مضجع الرئيس سليمان، وكان دور بري في هذه المسألة حيويا، حيث انعقدت طاولة للحوار الوطني بين أروقة قصر بعبدا استناداً إلى الاقتراح الذي تقدم به. وعقدت جلسات ماراثونية لم تفلح في ثني فريق 14 آذار عن مطالبة “حزب الله” بتسليم سلاحه والانضمام إلى الشرعية اللبنانية لكنها نجحت في جمع فرقاء النزاع حول طاولة واحدة للمرة الأولى.

وبعد شبه اتفاق بين الفرقاء السياسيين على عدم جدوى الدخول في نقاشات لا تقدّم ولا تؤخر حول “سلاح حزب الله”، تم سحب هذا الملف من التداول ما أشاع نوعا من الاستقرار الداخلي، لكن سرعان ما بدأ الاحتدام يلوح مجدّداً مع انتهاء ولاية الرئيس سليمان في العام 2014 وعدم التئام المجلس النيابي لانتخاب رئيس جديد ودخول البلاد في فراغ رئاسي سوف يدوم أكثر من الفراغ السابق.

أين كان بري من هذا الفراغ؟ لقد مارس دوره الاشتراعي كرئيس للمجلس النيابي، فكان يدعو إلى عقد جلسات كل أسبوعين ثم جلسات شهرية لانتخاب رئيس جديد. لكن حليفه الاستراتيجي “حزب الله” كان بالاتفاق مع “شريكه في التفاهم” في “التيار الوطني الحر” يعطّل النصاب القانوني لانتخاب رئيس، وذلك بسبب إصراره على انتخاب ميشال عون رئيساً في حين أن فريق “14 آذار” كان متمسكّاً بترشيح سمير جعجع للرئاسة.

ورغم أن بري أثبت أنه فعلاً لا قولاً من أشد المحافظين على “انضباطية” العمل التشريعي والحياة السياسة العامة في البلاد، إلا أنه في الأزمة الأخيرة يأمل أن تكون المواقف مبنية على قاعدة “اشتدي أزمة تنفرجي”، لكي يعبر هذه المرحلة التحضيرية إلى الانتخابات النيابية المقبلة بأمان وسلام، ولكي ينغمس بعدها في معركة “بقائه على العرش”.

8