نبيه بري.. خاطف شيعة العرب لاعب سياسة بدهاء مؤقت

السبت 2014/01/11
تحالف نبيه بري مع الأسد ورطه في المحور الإيراني

في الستينات وفي أحد مقاهي بيروت كان الشاب نبيه بري منهمكاً مع مجموعة من رفاقه الناشطين، من بينهم المحامي أحمد قبيسي المقرّب جدا من موسى الصدر، وكان قبيسي يدافع بعصبية وحدّة عن الإمام فسأله نبيه بري: “لماذا أتى الإمام الصدر إلى لبنان؟ هل جاء ليفرّق بين الشيعة والسنّة؟”، فرد عليه قبيسي بعصبية – حسب رواية بري – قائلاً: “إن الإمام الصدر هو لبناني قبل أن يكون إيرانياً، وهو من بلدة شحور الجنوبية ولم يأتِ ليفرق إنما ليجمع”.

بعد أربعة عقود على تلك الحادثة، صنّف السفير الأميركي جيفري فيلتمان وثيقة من وثائق السفارة الأميركية في بيروت على أنها “سرية للغاية” وفيها يتحدث عن وضع الشيعة اللبنانيين، متنقلاً ما بين وصف حزب الله ونبيه بري رئيس حركة أمل ورئيس مجلس النواب اللبناني، الوثيقة (06BEIRUT2072) االتي نشرها موقع ويكيليكس والتي صدرت عن السفارة الأميركية تتحدث عن لقاء جرى يوم 21 حزيران من العام 2006 لمسؤولي السفارة الأميركية مع أحد السياسيين المنشقين الشيعة في بيروت ويقول النص: “السياسي الشيعي المستقل محمد عبيد حاول القيام بإصلاحات من الداخل مستفيدا من السخط المتنامي على الرئيس بري والذي بات يُنظر إليه على أنه يقوم ببيع الحركة إلى حزب الله وايران. ووفقاً لعبيد، فقد جعل بري من حركة أمل ملحقة بحزب الله في مقابل الإبقاء على رئاسته لمجلس النواب والحصول على مخصصات مالية من إيران”.

وقد تحدثت مصادر عن شراكة مالية كبيرة ما بين الإيرانيين ونبيه بري وحزب الله، فلم تتردد الوثيقة في اعتبار حزب الله “ثاني أكبر رب عمل في لبنان”، فـ “حركة أمل لم تعد بمثابة حركة قائمة بذاتها، .. لأنه شهد كيف ينضم شباب حركة أمل إلى صفوف حزب الله بأعداد كبيرة، وتدهور أمل يعود إلى الاتفاق الذي عقده بري مع حزب الله للحصول على دعمه في رئاسة مجلس النواب، كما يوجد دافع آخر لبري، فضلاً عن رئاسة المجلس، هو الحصول على المال، حيث علمت أنه في رحلة بري الأخيرة إلى إيران حصل على مبلغ قدره 4 ملايين دولار، بالإضافة إلى 200000 دولار كمخصص شهري من إيران.

كما سهّلت الحكومة الإيرانية استثمارا بقيمة 175 مليون دولار في مصنع للأسمنت في إيران لصالح بري وشريكه التجاري عباس فواز، وهو شيعي لبناني حصل على ثروته في غرب أفريقيا”، وأضاف عبيد في الوثيقة أنه شخصياً مع “شيعة مستقلين آخرين يتواصلون مع أعضاء في الحركة من أجل إصلاحها وإعادتها حزباً علمانياً، منفتحاً، نحن نريد العودة إلى جذور الحركة أي تعاليم الإمام موسى الصدر حيث أن معظم أعضاء حركة أمل لا يريدون أن يكونوا جزءاً من السياسة الخارجية الإيرانية”.

اليوم نبيه بري يتنقل بطائرته الخاصة في أنحاء العالم، وكانت زيارته الشهيرة لروما لتهنئة البابا الجديد، أول الأخبار التي تشير إلى امتلاكه طائرة خاصة، وتعطي الانطباع بانهيار حاجز الدهاء الذي حافظ عليه طويلاً في تعاملاته السياسية وإظهار صورته أمام الرأي العام.


نبيه بري الزعيم الشيعي


كان هذا نبيه بري ما بعد تغوّل حزب الله في لبنان، أما نبيه بري الذي عرفته الساحة اللبنانية والعربية، فقد ولد في العام 1938، وأحياناً يقول إنه من مواليد العام 1943 في مدينة فريتاون في سيراليون، وانتسب إلى كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية ونال إجازة في الحقوق في العام 1963، وكان في سنوات الجامعة رئيسا للاتحاد الوطني للطلبة اللبنانيين، وعمل في المحاماة قبل انتقاله إلى الحقل السياسي، بعد لقائه مع موسى الصدر، الشيخ الشيعي العائد إلى لبنان من إيران، وصار واحداً من مساعديه السياسيين، حتى تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، بعدها انتسب نبيه بري إلى”حركة المحرومين“ التي أسسها الصدر.

كشف موقع ويكليكس صراعاً خفيا بين حسن نصرالله وبري وتفككا داخل شيعة لبنان

وبعد استقالة حسين الحسيني من قيادة حركة أمل انتخب نبيه بري رئيساً للحركة في أبريل ـ نيسان من العام 1980، فأدى ذلك إلى استقالة معظم الأعضاء السابقين بالحركة، وقاد بري حركة أمل خلال القتال العنيف في الحرب الأهلية اللبنانية، وبدءاً من العام 1984 تولى منصب وزير العدل ثم أصبح وزيراً للموارد المائية والكهربائية ووزيراً لشؤون الجنوب وإعادة الإعمار ووزيراً للإسكان، وترأس لائحة “كتلة التحرير” في الانتخابات النيابية التي جرت في محافظة الجنوب في السادس من سبتمبر ـ أيلول 1992، ولائحة “التحرير والتنمية” في الانتخابات النيابية في الثامن من سبتمبرـ أيلول 1996، ويترأس حاليا لائحة “المقاومة والتنمية” في الانتخابات النيابية التي جرت في محافظة الجنوب في الثالث من سبتمبر/ أيلول 2000، كما يرأس كتلة التحرير منذ العام 1992، وبعد اتفاق الطائف، انتخب بري خلفاً لحسين الحسيني في عهد إلياس الهراوي، رئيساً لمجلس النواب اللبناني، ، في 20 أكتوبر ـ تشرين الأول 1992، ثم أعيد انتخابه في 22 أكتوبر ـ تشرين الأول 1996، وهو مستمر في منصبه حتى الآن.


مفتي حركة أمل.. موقع بري الصعب


يقارن كثيرون بين نبيه بري وإياد علاوي رئيس الوزراء العراقي السابق، في الموقف من الهيمنة الإيرانية، ولكن بري يجد صعوبة في لعب الدور المتوقع منه، فهو الذي يعوّل عليه العرب في حفظ شيعة لبنان، كان قد قرّر تقنين دوره هذا في التحالف مع النظام السوري ومع حافظ الأسد وبشار الأسد من بعده، تلك البوابة سرعان ما قادته إلى التورّط أكثر في المحور الإيراني، ولكنه تمكّن من حماية موقعه ذاك، وموقع حركة أمل في تركيبة لبنانية معقدة وحساسة، وكثيراً ما استعمل المناورة واللعب على الأطراف كلّها، لضمان بقائه ضمن الدائرة الكبرى للقرار اللبناني.

في أثناء الاجتياح الإسرائيلي للعاصمة اللبنانية بيروت، حاصر الإسرائيليون الضاحية الجنوبية في العام 1982، فطلب نبيه بري من القادة العسكريين في حركة “أمل” التصدي بالقوة ومنع الاحتلال من دخول الضاحية وقال امنعوهم “ولو كان على جثثنا”، ولكن أحد القادة تردد بحجة أن الأمر يحتاج إلى فتوى دينية تسمح بذلك، بادره بري قائلا: “أنا المفتي، وأنا أفتي الآن بأن إسرائيل لن تدخل إلى الضاحية إلا على أجسادنا وعلى جثثنا” ولطالما لعب بري دور المفتي العلماني لحزب مذهبي، حفظ له وجهه المدني، وأبقى فيه روحه التي زرعها موسى الصدر، كتب كلمات أغنية “يا طير الجنوب.. يا حب الجنوب.. يا عريس الجنوب” التي أداها الفنان مارسيل خليفة، وأصدر مجموعة قصصية حصل عليها على عدد من الجوائز الأدبية، ولكنه يقول إن النيران التهمتها تحت درج مكتبه في بناية “الصحناوي” خلال الحرب الأهلية، وحين زار رئيس مجلس النواب الأسبق عادل عسيران ببلدة تبنين كان بري يومها في الرابعة عشرة من عمره، فوقف على المنبر وألقى كلمة ترحيبية بعسيران، منتقدا طريقة إحياء المجالس الحسينية في عاشوراء، وقال: “إن الحسين لو عرف أن عاشوراء سيعاد إحياؤها بهذا الشكل لأقلع عن الاستشهاد”.. فأنزلوه عن المنبر.


خلافات بري مع نصر الله والأسد


عانى نبيه بري كثيراً في السنوات الأخيرة من تسريبات تصريحاته في الجلسات والاجتماعات السرية، فقد أورد موقع ويكليكس أن “رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري بدا مسروراً لقيام الجيش الإسرائيلي بقصف مواقع “حزب الله” في العام 2006” وأيضاً “وصف نبيه بري خطاب الرئيس السوري بشار الأسد بأنه أحمق” وكذكل “نبيه بري قايض تجميد المحكمة الدولية بفتح المجلس النيابي وقال إن نصرالله مصاب بهاجس (بارانويا)”.

وكشفت إحدى الوثائق التي حصل عليها موقع ويكيليكس ونشرتها جريدة الأخبار اللبنانية ( المقربة من حزب الله وإيران وفي هذا مؤشر على تدهور العلاقات ما بين المحور الإيراني ونبيه بري) أن ثمة خلافات طرأت بين زعيمي الشيعة اللبنانيين نبيه بري وحسن نصر الله بعد حرب تموز العام 2006، ووصلت إلى حد قطع الاتصالات المباشرة بين الرجلين، وحسب الوثيقة فإن الرجلين تبادلا الغضب من مواقف كليهما، فنبيه بري غضب على نصر الله بعد إلقائه “خطاب النصر” في 14 آب والذي “تصرف نصر الله، خلاله، ظاناً أنه أكبر من صلاح الدين، وأكبر منّا كلّنا” حسب ما ورد في الوثيقة على لسان الوزير محمد خليفة، أما نصر الله فقد غضب على نبيه بري بعد قيام الأخير “بخداع الوزراء الشيعة وموافقته على قرار نشر الجيش اللبناني في الجنوب. أما تلك الوثيقة فهي برقم البرقية: (06BEIRUT2699)، التاريخ: 19 آب 2006، الساعة 8:23. الموضوع: وزير شيعي يدّعي أنّ برّي خدع حزب الله وأنه على خلاف الآن مع نصر الله، مصنّف من: السفير جيفري فيلتمان.

موقع نبيه بري الذي يلزمه بإظهار الجانب المدني لشيعة لبنان، جعله رقما صعبا، ولكنه قاوم الانجراف في المحور الإيراني حتى انهار بضغط من نصرالله والأسد

ونقلت البرقية، وفقا لوكالة الصحافة الفرنسية، عن السفير الأميركي السابق في لبنان، جيفري فيلتمان، أن “بري أقر بأن نجاح العملية العسكرية الإسرائيلية سيشكل فرصة جيدة لتدمير تطلعات حزب الله العسكرية والسياسية”، وقال فيلتمان، نقلا عن بري: “إن الضربات الإسرائيلية على حزب الله (مثل العسل، قليله مفيد، لكن الإكثار منه ضار)، ثم انفجر بري ضاحكاً، حسب البرقية، وأضاف فيلتمان أن بري كان يتمتع بمعنويات “مرتفعة جدا” خلال الجلسة التي جمعتهما بعد اندلاع الحرب في يوليو ـ تموز 2008، مؤكداً أن بري كان يشعر بأن الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، خدعه بعدما وعد بصيف هادئ قبيل قيام عناصر حزبه بعملية خطف الجنديين الإسرائيليين، ونقلت برقية أخرى، نشرها موقع ويكيليكس، أن بري انتقد الخطاب الذي ألقاه بشار الأسد في 15 آب ـ أغسطس العام 2006 بعد انتهاء الحرب، والذي ساند فيه حزب الله وهاجم عددا من الدول العربية واصفاً إياها بأنها “منتج إسرائيلي”، وقال بري، حسب ويكيليكس: “لقد ارتكب بشار (الأسد) خطأ، إنه (خطاب) أحمق”، إلا أن المكتب الإعلامي لنبيه بري سارع إلى نفي هذه المعلومات وأعلن في بيان أنه “منذ النشر الأول لمثل هذه المزاعم طلبنا رسميا من الخارجية الأميركية، عبر سفارتها في بيروت، أن تزودنا بأصل البرقيات التي ينشرها ويكيليكس كي نعلم من الكاذب، أهو ويكيليكس أم السفير فيلتمان”.

واستمرّ بري ضحية لوكيليكس، الذي كشف أكثر فأكثر عن صراع خفي داخل حركة أمل من جهة وما بين أمل وحزب الله من جهة أخرى، وفي اتصال مع أحد دبلوماسيي السفارة في آذار عام 2006 في الوثيقة رقم (06BEIRUT634 ) عبّر النائب والوزير السابق محمد بيضون عن استياء يصل إلى حدّ الاستسلام من “هيمنة حزب الله وحركة أمل على تمثيل المجتمع الشيعي”. وقال “إن المقاتلين الشيعة خطفوا السياسة الشيعية منذ زمن، والنخبة الشيعية من مصرفيين ورجال أعمال ومثقفين تخلّت عن انتقاد القيادة”.

12