نتائج الانتخابات الإيطالية: الشعبوية في أوروبا ليست حالة عابرة

القوى المعادية لهيئات النظام والمشككة في الاتحاد الأوروبي واليمينية المتطرفة حققت اختراقا تاريخيا في الانتخابات التشريعية الإيطالية بفوزها بالغالبية من حيث عدد الأصوات وعدد المقاعد.
الثلاثاء 2018/03/06
مراهنة خاسرة

روما- بعد بضع ساعات فقط من موافقة أعضاء الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني على تشكيل ائتلاف حكومي جديد مع المحافظين بزعامة أنجيلا ميركل وترحيب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بهذا “الخبر السار لأوروبا”، جاءت نتيجة الانتخابات في إيطاليا “غير سارة”.

حققت القوى المعادية لهيئات النظام والمشككة في الاتحاد الأوروبي واليمينية المتطرفة اختراقا تاريخيا في الانتخابات التشريعية الإيطالية بفوزها بالغالبية من حيث عدد الأصوات وعدد المقاعد، ما يبدل تماما المشهد السياسي في البلد ويضعه أمام مستقبل غامض، وما يدل على أن صعود الشعبوية والتيارات اليمينية المتشددة في الاتحاد الأوروبي أزمة ضاربة في عمق المجتمعات الأوروبية، وليست حالة سياسية وأقلوية عابرة.

نهاية حقبة

معادون للمهاجرين ومعادون للنخبة، بهذه الكلمات وصفت المعركة الانتخابية وفوز الرابطة وحركة خمس نجوم. فبينما استطاع سالفيني استغلال أزمة المهاجرين بمهارة وتحدث دائما عن “غزو” من قبل الأجانب فإن خمس نجوم كانت تراهن أكثر على حالة “المؤسسة الحاكمة” المكروهة من الشعب.

وبحسب النتائج الجزئية بعد فرز الأصوات، حصل التحالف المؤلف من حزب فورزا إيطاليا برئاسة سيلفيو برلوسكوني (يسار) وحزب الرابطة بزعامة ماتيو سالفيني (يمين متطرف) وحزب فراتيلي ديتاليا (أشقاء إيطاليا) الصغير، على حوالي 37 بالمئة من الأصوات.

لكن مع التدقيق في توزيع الأصوات داخل هذا التحالف، يتبين أن حزب سالفيني، النسخة الإيطالية من حزب الجبهة الوطنية الفرنسي، هو الذي يتصدر النتائج، حيث حل أولا بنسبة 17.9 في المئة من الأصوات، بما سيغير من ميزان القوى في التحالف وبما قد يرغم رئيس الحكومة السابق، الذي كان رهان بروكسل، على الانضواء تحت راية حليفه الشاب في حال تسنى للائتلاف تشكيل حكومة.

الاختراق الشعبوي في إيطاليا يهدد مشروع إصلاح الاتحاد الأوروبي

يهدد الاختراق الكبير الذي حققه الشعبويون في إيطاليا واحتمال عودة المعادين للهجرة إلى السلطة في هذا البلد بعرقلة المشروع الفرنسي الألماني لإصلاح الاتحاد الأوروبي بعدما اكتسب زخما مع التوصل إلى اتفاق لتشكيل حكومة في برلين، وفق ما رأى محللون.

وأوضح يانيس ايمانوليديس، مدير الدراسات في مركز السياسة الأوروبية، أن “بعض المعارضين لإصلاح أوروبا بناء على رغبة باريس سيؤكدون أن الوقت ليس مؤاتيا الآن للمجازفة انطلاقا من البلبلة التي تسود إيطاليا”. وأضاف “في المقابل، سيقول آخرون إنه لا بد من تغيير الأمور لأن الناخبين ضاقوا ذرعا بالوضع الاقتصادي وكيفية التعامل مع أزمة المهاجرين”.

وذكر بأن “قضايا المهاجرين هي أحد الأسباب التي جعلت اليمين المتطرف يحقق هذه النتيجة، ولا بد من أخذ هذا الأمر في الاعتبار”. كذلك، اعتبر ايمانوليديس أن المواجهة داخل الاتحاد الأوروبي بين أنصار أوروبا ومناهضيها ستصب في النهاية لصالح الإصلاحيين على غرار إيمانويل ماكرون. ويرى المحللون أن الخطر الأكبر على الصعيد الاقتصادي يتجلى في زيادة روما لنفقاتها على حساب الأنظمة الأوروبية ما إن يبدأ القادة الإيطاليون الجدد بالوفاء بوعودهم الانتخابية.

ورأى فيديريكو سانتي، الباحث في مركز يوراجيا غروب، أن هذا الأمر قد يتسبب في “خلافات بين روما والمفوضية الأوروبية”، ولاحظ أن “إيطاليا تواجه أصلا خطر عدم احترام الأهداف المالية التي حددها الاتحاد الأوروبي وأي خطوة إضافية خارج هذا الإطار قد تؤدي إلى عجز مفرط”. وأعرب سانتي عن اعتقاده أن حركة خمس نجوم وحركة الرابطة ستكونان “أكثر اعتدالا مما أوحى به خطابهما الانتخابي ما إن يصبحا في الحكم” لأنهما يريدان “إثبات أنهما حزبان حكوميان يمكن الوثوق بهما”.

واستبعد في هذا السياق “الخروج من منطقة اليورو وطبعا الخروج من الاتحاد الأوروبي”. لكن جاك آلن، المحلل في “كابيتال ايكونوميكس” اعتبر أن “إحراز تقدم إضافي على طريق الاندماج الأوروبي قد يكون أمرا صعبا”، موضحا أن الحكومة الإيطالية الجديدة قد تدشن عملها بـ”التصدي للجهود الهادفة إلى زيادة مساهمات إيطاليا في موازنة الاتحاد الأوروبي” بعد خروج المملكة المتحدة. وأبدى خشيته من أن تطلب حركة خمس نجوم مجددا إجراء “استفتاء حول موقع إيطاليا في منطقة اليورو”، الأمر الذي كان أحد أبرز بنود برنامجها الانتخابي.

وعكست النتائج احتجاجا أخذ شكلا قوميا في شمال إيطاليا لصالح حزب الرابطة، وتوجها نحو الشعبوية في الجنوب من خلال التصويت لحزب خمس نجوم. ويتبنى سالفيني، الذي نجح في تحويل رابطة الشمال القديمة الانفصالية إلى تنظيم ينادي بالسيادة، خطابا معاديا للإسلام وللهجرة ولبروكسل. وكان لافتا فحوى الشعارات التي كتبت على اللافتات الانتخابية المعلقة في مقر الرابطة في ميلانو (شمال) مثل “الإيطاليون أولا” و”أوقفوا الاجتياح”، ما يعكس المواضيع الكبرى التي هيمنت على حملة شهدت صعود حركات من الفاشيين الجدد وتخللها توتر وصل أحيانا إلى أعمال عنف مع ناشطين من اليسار المتطرف.

أما حركة خمس نجوم، التي أسسها الكوميدي بيبي غريلو في 2009، فشكلت المفاجأة، على غرار ما فعلته في الانتخابات التشريعية للعام 2013 حين فازت بـ25 في المئة من الأصوات. وقالت الجمعة لدى اختتام حملتها إنها واثقة هذه المرة في الفوز، وهو ما حدث فعلا، وضمنت الحركة لنفسها موقعا محوريا في البرلمان وهي تهدف إلى تحقيق أكثر من ذلك.

وتعد هذه النتيجة ضربة موجعة للحزب الديمقراطي الحاكم (يسار الوسط) الذي كافح لإيصال رسالته حول الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، والذي حل ثالثا، أيضا وفق استطلاعات، بما يعد انقلابا جذريا في مزاج الكتلة الناخبة الإيطالية مقارنة بالانتخابات السابقة. واستقال رئيس وزراء إيطاليا السابق ماتيو رينزي، الاثنين، من رئاسة الحزب الديمقراطي وذلك على خلفية الهزيمة الكبيرة للحزب في الانتخابات.

ويجمع المحللون السياسيون في إيطاليا على أن ثلثي عدد الناخبين شاركوا بالاقتراع ليس من أجل تداول تقليدي على السلطة، بل من أجل إحداث انقلاب جذري يطيح بالطبقة التي تناوبت على السلطة خلال السنوات الأخيرة.

ويعتبر برلمانيون أوروبيون أن الأعمدة الرئيسية للنظام السياسي داخل الاتحاد الأوروبي اهتزت بقوة جراء موجات الهجرة التي شهدتها بلدان أوروبا خلال السنين الماضية، وأن تلك الأزمة ما زالت تهدد وحدة الاتحاد الأوروبي واستمراره منذ تصويت بريطانيا على الخروج من الاتحاد في يونيو 2016.

وترى أوساط اليمين المتطرف في أوروبا أن الانتخابات الإيطالية أعادت تخصيب مشروعية جديدة لخطابها المعادي للهجرة والعولمة والاتحاد الأوروبي، وأن نتائج تلك الانتخابات ستنتشل كافة التيارات الشعبوية الأوروبية من إحباطها. وقالت مارين لوبان في تغريدة بعد انتهاء الاقتراع “ليلة سيئة للاتحاد الأوروبي” وهنأت سالفيني على “تقدمه المدهش” ووصفت فوزه بـ“مرحلة جديدة من يقظة الشعوب”. كما هنأ نايجل فاراج الزعيم السابق لحزب يوكيب البريطاني المؤيد لبريكست “زملاءه” من حركة خمس نجوم على تويتر.

وأشاد سياسي بحزب البديل لأجل ألمانيا بنجاح اليمينيين وحزب حركة خمس نجوم، وقال بيتر بيشترون، خبير السياسة الخارجية بحزب البديل، “مثلما ظهر في دول أوروبية أخرى، نعايش الآن هزيمة الديمقراطية الاشتراكية في إيطاليا أيضا”.

وأرجع بيشترون التقدم القوي نسبيا لحزب حركة خمس نجوم وأحزاب تحالف اليمين-الوسط، إلى سياسة إنقاذ اليورو وارتفاع البطالة بين الشباب. وأضاف أن سبب ذلك هو أيضا أزمة الهجرة التي تعد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مشاركة في المسؤولية عنها؛ “لأنها وفرت محفزات لها”. وقال “الانتخابات الإيطالية أظهرت أن حكومة ميركل بسياستها المقبلة على هذا النحو في أوروبا سيتكون منعزلة”، مشددا على ضرورة إصلاح الاتحاد الأوروبي وإيقاف عملية التوسع.

في المقابل، عقّب وزير خارجية لوكسمبورغ جان أسيلبورن على نتيجة الانتخابات العامة الإيطالية مشيرا إلى أنها ترجع إلى إخفاق الاتحاد الأوروبي في إصلاح نظام الهجرة، مما أدى إلى تحمل روما العبء الأكبر من المهاجرين.

وحمّل أسيلبورن سياسات رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان وزعيم حزب القانون والعدالة الحاكم في بولندا ياروسلاف كاتشينسكي، اللذين رفضا مبدأ توزيع حصص اللاجئين، مسؤولية صعود الأحزاب اليمينية والمناهضة للاتحاد الأوروبي في إيطاليا. وأضاف “ربما يريدان أيضا أن يحكم الشعبويون أوروبا”.

صعود الفاشية

من الممكن أن تفضي هذه النتائج الغريبة للانتخابات في إيطاليا إلى كل شيء ولا شيء حيث لم يحصل أي حزب على أغلبية تمكنه من الحكم “فنحن نبحر في عرض البحر، نحن مثل كريستوف كولومبوس ولا نعرف ما الذي يوجد على الجانب الآخر” حسبما قال لويجي دي مايو، أستاذ العلوم السياسية بجامعة لويس في روما. ووصفت صحيفة لا ريبوبليكا الإيطالية العملية الانتخابية بالقول “البلد لم يقل ‘لا’ للسياسة الإيطالية القديمة المعروفة بصداقتها للاتحاد الأوروبي، بل قال لا لبرلوسكوني صاحب الواحد والثمانين عاما الذي ظن أنه لا يزول، ولا لرينزي الذي توهم أن البلد يحتاجه هو بعينه”.

ومع ترجيح عدم تحقيق غالبية سواء للائتلاف اليميني أو لحركة خمس نجوم، فإن القادة السياسيين سيضطرون إلى تغيير حساباتهم وخوض مساومات ومفاوضات يتوقع أن تكون طويلة. وإذا لم يتمكن أي تحالف من نيل الغالبية فإن أحد السيناريوهات المطروحة سيكون تحالفا كبيرا يضم الحزب الديمقراطي وحزب فورزا إيطاليا.

ولا يمكن لبرلوسكوني، الذي تولى رئاسة الوزراء في إيطاليا ثلاث مرات، أن يعود إلى هذا المنصب بسبب إدانته سابقا بقضية فساد، إلا أنه رشح رئيس البرلمان الأوروبي أنطونيو تاجاني لهذا المنصب. لكن سالفيني قال إنه هو من يجب أن يحظى بالترشيح لأن حزبه حل أولا.

وكتبت صحيفة ديلي تلغراف مشيرة إلى أن “أي حكومة إيطالية ستتشكل على ضوء نتيجة الانتخابات ستكون ضعيفة جدا بحيث لن تستطيع أن تقوم بالإصلاحات التي طال انتظارها في الاقتصاد”، فيما قالت واشنطن بوست إن “نتائج الانتخابات الإيطالية تكشف عن قوة الشعبويين”.

ويعود للرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا أن يبلور قراءة لهذه النتائج خلال الأسابيع المقبلة ويمنح “تفويضا استقصائيا” لمن يعتبره قادرا على تحقيق غالبية في البرلمان، غير أن هذه المشاورات السياسية الرسمية لن تبدأ قبل نهاية الشهر على أقرب تقدير، بعد انتخاب رئيسي مجلسي البرلمان، ما سيشكل بداية مرحلة جديدة من انعدام الاستقرار السياسي في إيطاليا قد تفضي إلى انتخابات جديدة.

وفيما يعكف الإيطاليون على تأمل ما قد يطرأ على قيادة البلاد، لا سيما الدخول في بازار تأليف حكومة قابلة للعيش، يعبر المراقبون الأوروبيون عن قلق من تنامي قوة القوى “المعادية للسامية” في إيطاليا وتداعيات ذلك على كامل دول الاتحاد.

ويلفت هؤلاء إلى أن الحاضر الأوروبي لا يمكن أن يكون متساهلا مع عودة الأفكار النازية والفاشية التي سببت كارثة للعالم في النصف الأول من القرن العشرين. ويضيفون أن أوروبا تدفع ثمن شللها وتقادم آلياتها أمام استحقاقات كبرى تجري في الشرق الأوسط بما يحمل الهجرة والإرهاب إلى قلب أوروبا، كما تلك الاقتصادية التي تحوّل العمال والموظفين في بلدان القارة من مواطنين مستقرين إلى أفراد ينتجون من خلال قلقهم ميولا نحو الانزواء والانعزال واللجوء إلى قيم قومية عنصرية أنانية تتناقض مع مفهوم الدولة-الأمة كما مفهوم أوروبا الجامعة.

6