نتائج الانتخابات تكرس القطبية السياسية في المغرب

أسدل الستار على الانتخابات التشريعية في المغرب، بفوز حزب العدالة والتنمية بـ125 مقعدا، ورغم أهمية ما حققه الحزب الإسلامي إلا أن أمامه تحديات كبيرة لعل في مقدمتها مسألة تشكيل تحالف حكومي، خاصة وأن الأصالة والمعاصرة الفائز الثاني ليس بوارد الدخول في هكذا تحالف معه.
الأحد 2016/10/09
الناخب المغربي قال كلمته الأخيرة

الرباط - بعد النتائج النهائية الخاصة بالانتخابات التشريعية التي جرت في السابع من أكتوبر 2016 والتي فاز بها حزب العدالة والتنمية للمرة الثانية على التوالي، يكون المغرب قد دشّن محطة مفصلية في تأصيل مبدأ المشاركة في العملية السياسية المغربية.

ويقول مراقبون إن الأهم في هذا الاستحقاق هو مروره في أجواء هادئة حيث لم تسجل أيّ انزلاقات عنيفة سواء بين الأحزاب المشاركة أو في الشارع وبمكاتب الاقتراع.

وأكد محمد فقيهي الأستاذ بكلية الحقوق بفاس، في تصريح لـ”العرب”، أن المحطة الانتخابية الحالية مفصلية في طريق التحول الديمقراطي للمجتمع المغربي وتكريس للمسار الذي يسير فيه المغرب وذلك لاستمرار الخارطة السياسية الحالية.

وأعلنت وزارة الداخلية أنه بعد فرز وإحصاء الأصوات في انتخابات 7 أكتوبر 2016، تبوأ حزب العدالة والتنمية المرتبة الأولى باحتساب الدوائر المحلية والدائرة الوطنيّة بحصوله على 125 مقعدا بالغرفة التشريعية الأولى، بينما جاء ثانيا حزب الأصالة والمعاصرة بـ102 من المقاعد وتموقع ثالثا حزب الاستقلال بحصوله على 46 مقعدا.

واستقرت نسبة المشاركة في حدود 43 بالمئة كما أكدتها وزارة الداخلية المغربية، وقالت الأخيرة إن حزب التجمع الوطني للأحرار نال 37 مقعدا وحزب الحركة الشعبية تحصل على 27 مقعدا، مقابل 19 من المقاعد لحزب الاتحاد الدستوري، و20 مقعدا لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ثمّ 12 مقعدا لحزب التقدم والاشتراكية.

وفي قراءة لنتائج الانتخابات أكد رضا الهمادي، رئيس المرصد المغربي للسياسات العمومية، لـ”العرب”، أن النتائج المعلنة لم تشكل مفاجأة للعديد من المراقبين، الذين رجّحوا منذ البداية تفوق حزبي الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية وإن كان عدد المقاعد التي تحصل عليها الحزبان يتجاوز بقليل سقف التوقعات.

ويعزز هذا الاستحقاق الانتخابي الاختيار الديمقراطي بالمغرب وتثمين قيمة ما يفرزه الصندوق الانتخابي وتحصين مشروعيته. وفي هذا الصدد قال عبد الإله بن كيران أمين عام الحزب الإسلامي إن نتائج حزبه “جد إيجابية”، معتبرا أن “الشعب المغربي كسب كسبا عظيما ويستحق أن يكون في مصاف الدول الصاعدة، مؤكدا أن الديمقراطية انتصرت وظهرت فيه الأمور على حقيقتها”.

وتشجيعا على مبدأ المشاركة في الانتخابات بادرت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بتعميم خطبة جمعة موحدة حث من خلالها كل خطباء مساجد المملكة على أهمية التصويت وتذكيرهم بمسؤولية المواطن في اختياره الأصلح من بين المرشحين.

واعتبر رضا الهمادي، في حديثه لـ”العرب”، أن التراجع الكبير لحزب الاستقلال يبدو مفهوما نظرا لتخبطه في المواقف وضبابية الرؤية لقياداته، كما كانت النتائج التي حققها التجمع الوطني للأحرار منتظرة نظرا لنزوح عدد كبير من منخرطيه نحو حزب الأصالة والمعاصرة فضلا عن تراجع الأداء السياسي لقيادته.

وما كان لافتا للنظر هو السقوط المدوي لحزب الاتحاد الاشتراكي على جميع المستويات، فعدم استطاعته للوصول إلى عتبة تكوين فريق برلماني سيجعل مجموعته النيابية المقبلة تختلف بشكل كبير عن آخر فريق برلماني كوّنه هذا الحزب، حسب رضا الهمادي.

وعلى ضوء النتائج الرسمية التي حسمت الفوز لصالح العدالة والتنمية أقر عدد من المراقبين أن المشهد السياسي المغربي يتجه نحو قطبية سياسية بين الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية، ومن وجهة نظر عبدالرحمن علال، الباحث في العلوم السياسية بكلية الحقوق في مدينة وجدة، أن التعددية الحزبية في المغرب كانت اختياراً سياسياً مغربيا لا محيد عنه بعدما تم تقنينه في نهاية خمسينات القرن الماضي، ودسترته مع التجربة الدستورية الأولى سنة 1962، وبالتالي فالخيط الرابط بين البلقنة والعقلنة حاد ودقيق جداً.

وأضاف أنه رغم تصدر كل من حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة للمشهد السياسي إلا أن وجود فسيفساء حزبية، سيكبح من القطبية الحزبية.

ومع الفارق العددي بين حزبي العدالة والتنمية والاستقلال سيجعل هذا الأخير يعيد حساباته إذا أراد العودة للحكومة بعد أن خرج منها في العام 2013، وكانت هناك بوادر تقارب بين بن كيران وحميد شباط رئيسي الحزبين رغم المناوشات بينهما في ذروة الحملة الانتخابية الأخيرة. ومع الأرقام المعلن عنها سيجد العدالة والتنمية صعوبة في تدبير التحالف الذي سيؤهله لتشكيل الحكومة خصوصا وأن حزب الأصالة والمعاصرة أنه غير معني بوضع يده في يد العدالة والتنمية.

لكن سعيد الصديقي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة العين بأبوظبي يشدد في تصريح لـ”العرب”، على أن الحزب يستطيع تشكيل الحكومة القادمة من خلال إقناع الأحزاب المشكّلة للحكومة المنتهية ولايتها بالاستمرار في الحكومة، وضم حزب الاستقلال إلى التحالف لا سيما بعد التقارب الذي حصل بين الحزبين بعد الانتخابات الجامعية.

أما الهاجس الذي سيتحكم في استراتيجية حزب العدالة والتنمية هو إيجاد بعض شروط ضمان استمرار الحكومة لولاية كاملة وعدم رهن مصيرها بحزب واحد، لذلك يتوقع سعيد الصديقي أن يوسّع حزب العدالة والتنمية تحالفه ليضم 5 أحزاب هي الاستقلال والحركة الشعبية والأحرار والتقدم والاشتراكية.

ويعتبر سعيد الصديقي أن العدالة والتنمية سيواجه تحديا آخرا لا يقل أهمية، وهو كيفية التوفيق بين رغبته في تسيير عدد مهم من الوزارات الكبيرة حتى يتمكن من إجراءات الإصلاحات التي وعد بها، وبين ما يقتضيه التحالف المرتقب من تنازلات عن حقائب وزارية لصالح باقي الحلفاء.

2