نتائج التشريعية التونسية أعادت الشباب إلى دائرة الفعل السياسي

الجمعة 2014/11/14
الانتخابات الرئاسية المقبلة تستأثر باهتمام المجتمع التونسي

تونس- على الرغم من عزوف القسم الأكبر من الشباب التونسي عن الإدلاء بأصواتهم خلال الانتخابات التشريعية الماضية لعدة عوامل ارتبط أهمها بالفشل الذي اتسمت به فترة حكم الإسلاميين للبلاد، إلاّ أن عددا من الباحثين والخبراء في علم الاجتماع وناشطين سياسيين يتوقعون أن تشهد الانتخابات الرئاسية المقبلة، مشاركة مرتفعة نسبيا لفئة الشباب (من 18 إلى 40) مقارنة بالاستحقاق البرلماني الذي يبدو أنّ نتائجه الأخيرة أعادت هذه الفئة إلى دائرة الفعل السياسي.

لقد كان واضحا للمتابعين، يوم الـ26 من الشهر الماضي، الذي شهد انتخاب أول برلمان لتونس منذ انتفاضة 2011 التي أسقطت نظام الرئيس زين العابدين بن علي، أنّ هناك غيابا نسبيا للشباب منذ صبيحة يوم الانتخاب، إذ كانت طوابير مراكز الاقتراع تعُجّ في مجملها بمن تجاوزت أعمارهم الـ40 سنة، وكان الجميع يظنّ أن أعداد الشباب ستتوافد وتتدفق على تلك المراكز شيئا فشيئا بعد الظهيرة، لكنّ العزوف تواصل إلى حين إغلاق آخر مكتب اقتراع، فلم يقم بعملية التصويت سوى نذر قليل منهم، علما وأن نسبة الشباب (من 18 إلى 40 سنة) من مجموع الناخبين تمثل 63 بالمئة، وفق إحصاءات الهيئة العليا المستقلة للانتخابات.


هل ستشهد الرئاسية إقبالا شبابيا؟


في هذا السياق، توقّع خبراء وناشطون أن تشهد الانتخابات الرئاسية التي ستُجرى في الثالث والعشرين من نوفمبر الجاري، مشاركة مرتفعة نسبيا لفئة الشباب (من 18 إلى 40) مقارنة بالانتخابات البرلمانية الماضية، لأنّ تجربة الانتخاب لديهم بدأت تترسّخ شيئا فشيئا، شأن عموم التونسيين الذين أصبحوا معنيين ومهتمين بالشأن العام أكثر من أيّ وقت مضى.

كما أكدوا أن ظاهرة العزوف في صفوف الشباب على الاقتراع منتشرة في عديد الدول، وهو أمر يعود بالأساس إلى اعتبارها ممارسة تخص الكهول (باعتبار العامل النفسي) أكثر من الشباب الذي له مشاغل أخرى تتماشى مع سنّه ولا يهتم كثيرا بأمور السياسة، وفق رأيهم.

هذا وقد ثارت تساؤلات عدّة على الساحة السياسية التونسية، عقب الانتخابات الأخيرة، حول مدى بقاء الشباب التونسي متفرّجا على العملية السياسية المصيرية التي تشهدها البلاد، لكن أغلب إجابات الخبراء والمحلّلين ذهبت في اتجاه واحد مفاده أن حالة العزوف تسببت فيها بالدور الأول سنوات الحكم الثلاث الماضية (فترة حكم الإسلاميين ممثلين في حركة النهضة وحليفيها المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل من أجل العمل والحريات)، التي تعطّلت خلالها دواليب البلاد وأصبحت شبه جامدة نتيجة الفشل الذي اتسمت به تلك الفترة والذي خلق بدوره حالة من الإحباط، وفق رأيهم، مشيرين إلى أنّ انتهاء تلك الحقبة وما أسفرت عنه نتائج التشريعية، أعاد شيئا من الأمل وسيظهر معه تغيّر في ممارسات الشباب وسلوكياتهم السياسية ستبرز أولى تجلياته من خلال إقبالهم الكبير المتوقع على المشاركة في الرئاسية القادمة.


ما هي العوامل التي أسهمت في العزوف؟

استطلاعات الرأي تدعم حظوظ السبسي مجددا في الفوز بالرئاسية
تونس- قبل 11 يوما من الانتخابات الرئاسية التونسية، تكاد تجمع استطلاعات للرأي (غير معلنة) قامت بها جهات متخصصة أو حزبية داخلية، على أنّ السباق الرئاسي سيحسم لفائدة مرشح حزب نداء تونس، الباجي قائد السبسي، ربما منذ الدور الأول.

وقد أفاد أحدث استطلاع للرأي، وفق موقع “تونيزي تيليغراف”، أنه بعد ملاحقة شديدة من قبل سليم الرياحي، رئيس حزب الاتحاد الوطني الحر للرئيس المتخلي المنصف المرزوقي، تخلص هذا الأخير من منافسه ليبتعد عنه بشكل واضح وجلي، إذ بعد أن كان الفارق بينهما ثلاث نقاط أصبح اليوم 18 نقطة مئوية.

مقابل ذلك مازالت حظوظ الباجي قائد السبسي هي الأوفر في الفوز بكرسي قرطاج، حيث أنه مازال يتصدّر نوايا التصويت لدى التونسيين بفارق 11 نقطة مئوية عن المنصف المرزوقي.

من جهة أخرى، تزايدت حظوظ حمة الهمامي، الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية، الذي أصبح يتصدر المرتبة الرابعة بعد سليم الرياحي، ليصبح الفارق بينهما ثلاث نقاط فقط قبل عشرة أيام من موعد 23 نوفمبر، ممّا يجعل المنافسة مفتوحة بينهما على كل الاحتمالات.

ولكن يبدو أنه من الصعب، حسب خبراء استطلاعات الرأي، على الاثنين الرياحي والهمامي اللحاق بالسبسي، صاحب الحظوظ الأوفر ورئيس حزب نداء تونس الفائز بأغلبية المقاعد البرلمانية في الانتخابات التشريعية الأخيرة، والمنصف المرزوقي الذي تدور أخبار متواترة ومتنوعة المصادر عن دعمه من طرف حركة النهضة الإسلامية “سرّا”، بعد أن أعلنت الحركة التي منيت بهزيمة في التشريعية الماضية وسحب منها التونسيون ثقتهم، رسميا أنها لن تدعم مرشحا بعينه، لكن يبدو أنها كانت تناور معتمدة “خطابا مزدوجا” الذي طالما عرفت به شأن باقي فروع الإخوان المسلمين في العالم.

من جهة أخرى لم تتجاوز نسب كل من مصطفى كمال النابلي وكمال مرجان ومنذر الزنايدي مجتمعة الـ12 بالمئة، مما يجعل حظوظهم جميعا بعيدة عن بلوغ جولة انتخابية ثانية، لكن مقابل ذلك إذا ما قرر هؤلاء جميعا منح أصوات ناخبيهم إلى الباجي قايد السبسي، فإن هذا الأخير سوف لن يضطر حتما إلى جولة إعادة ثانية، قد تكون مفتوحة على كل المفاجآت. ومن بين مؤسسات الاستطلاع التي قامت بعمليات سبر الآراء منذ انطلاق الحملة الانتخابية (C3 – سيه3).


من جهته، رأى أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية، المولدي الأحمر، أنّ “حضور الشباب في الانتخابات الرئاسية لن يكون إجمالا بعيدا عمّا عرفته الانتخابات البرلمانية من عزوف حتى وإن زاد بدرجة طفيفة”.

وأرجع الأحمر عدم إقبال الشباب على العملية الانتخابية إلى “مسألة الإرث التاريخي لمشاركة الشباب في السياسة التونسية وفي الثقافة السياسية العربية عموما التي تترك مجال السياسة للكبار، بالإضافة إلى عامل آخر متمثل في أن الأحزاب السياسية وعلى تعددها وكثرتها فهي لا تفسح المجال للشباب للمشاركة الفعلية في اتخاذ القرار، فضلا عن السلوك الإعلامي الذي يقصي الشباب من النقاشات السياسية والحزبية، ما يجعل الحضور دائما من الفئة العمرية نفسها”.

كلّ هذه العوامل، حسب الأحمر، ساهمت بشكل كبير في حالة العزوف التي يتسم بها الشباب، الذي أصبح في قطاع واسع منه غير معني بالانتخابات، على الرغم من أنّ مشاركته في ثورة 2011 (التي أطاحت بالرئيس السابق زين العابدين بن علي)، كانت ريادية وبارزة”.

وفي ذات الإطار، تابع أستاذ علم الاجتماع مفسّرا: “هذه الظاهرة تُعتبر عالمية، ففي جميع أنحاء العالم لا تكون للشباب مشاركة مستديمة في الانتخابات، وإنّما هي ضعيفة في أغلب الأوقات، مقابل أن يكون لهم حضور أكثر في الأحداث الكبرى وهو أمر متعلق بسنهم واهتماماتهم”.

ويرجّح الأحمر أن “يتجه الشباب في حال أقبل على الانتخابات الرئاسية نحو انتخاب المترشح الذي سيكون الأقرب إلى ميولاتهم الأيديولوجية إن وجدت، أو إلى الذي يرون أنه سيحقق لهم مستقبلا مفتوحا على الحرية والديمقراطية والحريات العامة والشخصية وضمان المشاركة السياسية، وجعل تونس تدخل مرحلة جديدة من هذا العصر الحديث”.

من جانبه، يعتبر رئيس المرصد التونسي للشباب (حكومي) محمد الجويلي أن “عملية الانتخاب ممارسة كهولية، بمعنى أنّ الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة هم أقل التزاما بالانتخاب ممّن تتراوح أعمارهم بين 25 و30 سنة، لأنّ مثل هذه الاهتمامات تبدو بعيدة عن ميولاته وتتطلب نضجا واختيارا، فكلّما اقترب من عمر الكهولة كلّما كان الشاب معنيا وكان أكثر التزاما”.

في المقابل، يتوقّع الجويلي، رغم كلامه السابق، “مشاركة أكبر للشباب في الاستحقاق الرئاسي المقبل”، موضّحا أنّه “وفق سبر للآراء قام به المرصد قبيل الانتخابات التشريعية، استوجب خلاله عيّنة متكونة من 1500 شاب تتراوح أعمارهم بين 18 و33 سنة، توصل إلى أنّ 58 بالمئة منهم لديهم اهتمام أكبر بالانتخابات الرئاسية، وهم يرجعون ذلك إلى وضوح الرؤية وأهمية مؤسّسة الرئاسة لهم خلافا للانتخابات البرلمانية التي تتميز بتعقيدات قائماتها وبرامجها”.


أي رأي للشباب؟


من جهته، رأى شفيق السعداني (27 سنة)، أحد قدماء الاتحاد العام لطلبة تونس، أنّ “الشباب لا يرى نفسه بمعزل عن العملية السياسية، بل هو يؤمن بضرورة المساهمة في الشأن العام من أجل مزيد الدربة على قواعد اللعبة الديمقراطية”، مشيرا إلى “أنّ الشباب الذي تاق إلى الحرية والكرامة وكان في الصفوف الأولى في احتجاجات 2011، أصيب بحالة من الإحباط بعد النتائج التي أسفرت عنها انتخابات أكتوبر في السنة ذاتها، حيث أنّ الإسلاميين الذين مكنتهم نسبة من الناخبين من حكم البلاد حينها، عملوا على إجهاض تلك الأحلام من خلال محاولات التضييق على الحريات العامة والفردية والعمل على أخونة الدولة، هذا بالإضافة إلى فشلهم في معالجة القضايا الحارقة، خاصّة معضلة البطالة التي تعني الكثير لفئة الشباب”.

وفي سياق متّصل أضاف السعداني، “أنّ النتائج الأخيرة التي أسفرت عنها الانتخابات التشريعية، أعادت بعض الأمل إلى الكثير من الفئات الشبابية التي كانت تميل نحو العزوف عن المشاركة في الشأن العام، وهو ما ستتم ترجمته عمليا في الرئاسية القادمة، التي أتوقع أن تشهد هبّة شبابية ستعمل على ترسيخ الخيار الشعبي الذي وضعت لبناته الأولى نتائج التشريعية الماضية التي حظي فيها العلمانيون بثقة الناخبين، من أجل اختيار رئيس للجمهورية يدعم هذا الخيار ويدفعه نحو الأمام، لا رئيسا يرفضه ويحرض ضدّ أصحابه ويسعى إلى عرقلته وفق حساباته الضيّقة”، في إشارة منه إلى المنصف المرزوقي، الرئيس المتخلي، الذي يرى مراقبون أنه أصبح “منحازا إلى فئة قليلة بعينها من الشعب (الإسلاميون) على حساب الأغلبية التي قالت كلمتها بوضوح في الانتخابات الأخيرة”، على حد تعبيرهم.

تجدر الإشارة إلى أنّ عدد سكان تونس يبلغ، وفقا لآخر إحصائيات أجريت سنة 2014، حوالي 11 مليون نسمة، بمن فيهم الأجانب المقيمين في تونس، وبينهم 5.2 مليون ناخب يحق لهم التصويت كونهم مسجلين بالدوائر الانتخابية. وتمثل نسبة الشباب (من 18 إلى 40 سنة) 63 بالمئة من الناخبين المسجلين، وفقا لإحصائيات رسمية ودراسات متخصصة تونسية.

6