نتائج الرئاسية تضيّق خيارات الناخب التونسي في التشريعية

التصويت العقابي يدفع الأحزاب التقليدية إلى فتح قنوات تواصل مع قيس سعيّد ونبيل القروي.
الخميس 2019/09/19
بناء مواقف وفق نتائج الرئاسية

دخلت الحملات الانتخابية التشريعية في تونس والمقرّر إجراؤها في 6 أكتوبر القادم يومها الخامس، لكن دون أن يكون لأيّ من القوائم الانتخابية الحزبية أو المستقلة أيّ تأثير أو زخم في علاقة بالناخبين، وذلك بفضل عامل أساسي يكمُن في تركيز الغالبية العظمى من التونسيين على ما أفرزته صناديق الاقتراع في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية التي مرّ عبرها كل من قيس سعيّد أستاذ في القانون الدستوري وكذلك نبيل القروي، صاحب قناة تلفزيونية إلى الدور الثاني. كل هذا دفع بجلّ المراقبين إلى الحديث عن إمكانية حصول تداعيات كبرى ستصبغها نتائج الرئاسية على الاستحقاق الانتخابي التشريعي.

تونس – دخل قرابة 15 ألف مرشح للانتخابات التشريعية في تونس لعبة المنافسة على الفوز بمقاعد في البرلمان، وذلك بعدما تمّ افتتاح الحملات الانتخابية لهذا الاستحقاق منذ السبت 14 سبتمبر، وذلك بالتزامن مع يوم الصمت الانتخابي للدور الأول للانتخابات الرئاسية التي أجريت الأحد 15 سبتمبر.

وعلى أهمية الاستحقاق التشريعي، فإنّ ما لوحظ في تونس أن الخمسة أيام الأولى من الحملة التشريعية، لم تكن محطّ أنظار الناخبين أو المنابر الإعلامية، وذلك جرّاء ما أملته روزنامة الانتخابات، حيث تزامنت بداية الحملة التشريعية مع إعلان هيئة الانتخابات عن نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية.

مخاوف من تكرر السيناريو

أعلنت الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات الثلاثاء، عن النتائج الأوليّة للدور الأول من الانتخابات الرئاسية، مؤكدة ما نشرته شركات سبر الآراء بشأن مرور كلّ من أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد ونبيل القروي صاحب قناة “نسمة” التلفزيونية والقابع بالسجن إلى الدور الثاني.

ولم تُعلن هيئة الانتخابات عن موعد إجراء الدور الثاني للانتخابات الرئاسية، وهو تاريخ مؤجّل إلى ما بعد النظر في الطعون التي ستقدّمها الأحزاب والمرشحين للرئاسة لهيئة الانتخابات، والتي تخصّ المخالفات والجرائم الانتخابية المُرتكبة في الدور الأول.

ويرى المراقبون أنه على ضوء ما أفرزته نتائج الانتخابات الرئاسية، فإنّ المرحلة القادمة ستشهد ميلاد خارطة سياسية جديدة، خاصة بعد إجراء الانتخابات التشريعية.

ويؤكّد هؤلاء على أنّ تمكّن كلّ من قيس سعيّد وكذلك نبيل القروي من إلحاق هزيمة كبرى بالأحزاب التقليدية في انتخابات الرئاسة سيكون له تداعيات مباشرة على خيارات الناخب في الاستحقاق التشريعي، الذي سيتأثر بما أملته نتائج صناديق الاقتراع في الرئاسية.

ومُنيت كلّ الأحزاب التقليدية اليمينية الليبرالية والدينية واليسارية بهزيمة انتخابية في الاستحقاق الرئاسي، حيث أثبتت نتائج صناديق الاقتراع تراجع الشعبية والخزانات الانتخابية لكلّ الأحزاب وعلى رأسها حركة النهضة الإسلامية والأحزاب العلمانية واليسارية التي قدّمت مرشحين للمنافسة على كرسي قصر قرطاج (قصر الرئاسة).

وتتخوّف كلّ الأحزاب من مغبّة أن يتزامن الدور الثاني للانتخابات الرئاسية مع بدء التصويت في الانتخابات التشريعية، خاصة أنّ هيئة الانتخابات صرّحت في أكثر من مرة أنه من المُمكن إجراء انتخابات مزدوجة تشريعية ورئاسية.

ويؤكّد العديد من المتابعين للشأن السياسي في تونس أنّ الأحزاب ستدفع بكامل ثقلها للإكثار من الطعون المتعلّقة بالدور الأول للانتخابات الرئاسية، لتجنّب تزامن موعديْ التصويت على التشريعية والرئاسية في اليوم نفسه.

المرحلة القادمة ستشهد ميلاد خارطة سياسية جديدة، خاصة بعد إجراء الانتخابات التشريعية
المرحلة القادمة ستشهد ميلاد خارطة سياسية جديدة، خاصة بعد إجراء الانتخابات التشريعية

ويقرّ الفاعلون السياسيون في تونس بأن الاستحقاق التشريعي هو أهم من حيث الصلاحيات الدستورية من الرئاسة التي حدّد لها دستور الجمهورية المصادق عليه في 2014 صلاحيات ضيقة، مقارنة بالبرلمان وبرئيس الحكومة الذي تعيّنه الأغلبية الفائزة في الانتخابات.

ويمنح النظام السياسي التونسي البرلمان سلطة مطلقة في القرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وقد ترجم ذلك على أرض الواقع خلال السنوات الخمس الماضية، حيث عجز الرئيس التونسي الراحل الباجي قائد السبسي على تمرير بعض مشاريع القوانين لأنه لا يملك أغلبية في البرلمان بعد تشقّق حزبه نداء تونس، في حين تفرّد رئيس الحكومة يوسف الشاهد المدعوم في الثلاث سنوات الأخيرة من حركة النهضة، صاحبة الأغلبية البرلمانية، باتخاذ جلّ الإجراءات الهامة في البلاد.

ويقول الناطق الرسمي لائتلاف الجبهة الشعبية اليساري حمة الهمامي، “إن النتائج التي حققناها في الرئاسية كانت مخيّبة للآمال، لكن علينا الآن أن نوجّه بوصلتنا دون إضاعة وقت للاستحقاق التشريعية”.

وأكد الهمامي في تصريح لـ”العرب” أن الانتخابات التشريعية تبقى هي الأهم، وأنّ أهميتها الآن أصبحت مضاعفة وفقا لما أملته صناديق الاقتراع في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية، حيث ستحاول بعض الأحزاب الركوب على النتائج والاستحواذ على رصيد الفائزين بالدور الأول” بحسب تعبيره.

حمة الهمامي: أهمية الانتخابات التشريعية تضاعفت بعد نتائج الرئاسية
حمة الهمامي: أهمية الانتخابات التشريعية تضاعفت بعد نتائج الرئاسية

وتقدّم الهمامي للمرة الثانية في تاريخه للمنافسة على كرسي الرئاسة، إلا أنه حقق نتائج ضعيفة جدا في انتخابات 2019 لم تتجاوز نسبة 1 بالمئة، مقارنة بانتخابات 2014 التي حقق فيها المرتبة الثالثة.

ويقول الهمامي لـ”العرب”، “مهمتنا الآن التركيز على الانتخابات التشريعية ومن بعد ذلك لدينا الوقت للتقييم والنقد وربما التغيير في سياساتنا”.

ويتوقّع المتابعون أن يتأثّر مزاج الناخبين بما أفرزته نتائج الدور الأول من الرئاسية على الانتخابات التشريعية، بتأكيدهم على أن الاستحقاق التشريعي سيكون عنوانه الأبرز معاقبة المنظومة القديمة، وخاصة حركة النهضة الإسلامية التي حكمت البلاد طيلة تسع سنوات.

وأعلنت حركة النهضة، من جهتها احترامها لنتائج الانتخابات الرئاسية بعدما عجز مرشحها عبدالفتاح مورو على الوصول إلى الدور الثاني، بعدما حلّ ثالثا في الترتيب بنسبة 12 بالمئة.

وتبرز النتائج التي حققتها النهضة تراجعا كبيرا في خزّانها الانتخابي، ما يجعلها أكثر الأحزاب تخوّفا من أن يتكرر سيناريو الرئاسية في الانتخابات التشريعية.

وظلّت النهضة تركز على الانتخابات التشريعية ما جعلها تسيطر على البرلمان طيلة تسع سنوات، ولم تقدّم إلا في مرة واحدة مرشحا للرئاسية كانت هذا العام بتقديم مرشحها عبدالفتاح مورو.

وسارعت بعض قيادات النهضة لإعلان دعمها لقيس سعيّد في الدور الثاني، ومن بينها، عبداللطيف المكي وكذلك علي العريّض، وقيادات أخرى تعارض توجّهات رئيس الحركة راشد الغنوشي.

وتؤكّد العديد من المراجع السياسية أنّ النهضة تحاول الآن الاستحواذ على شعبية قيس سعيّد وضمّه إلى حاضنتها الشعبية للاستفادة من ذلك في توجيه خيارات الناخبين في التشريعية، ويأتي ذلك خاصة بعد كل ما روّج عمّا لعبته الحركة في توجيه قواعدها للتصويت لفائدة سعيّد بدل مرشحها عبدالفتاح مورو. ويقول الصحافي والمحلل السياسي التونسي منذر بالضيافي، “لا أستبعد أن يكون تأثير نتائج الانتخابات الرئاسية مهمّا وكبيرا على الاستحقاق الانتخابي التشريعي”.

منذر بالضيافي: الناخب سيواصل التصويت العقابي ضد السيستام
منذر بالضيافي: الناخب سيواصل التصويت العقابي ضد السيستام

ويرجّح بالضيافي في تصريح لـ”العرب”، أن “يستمر تراجع أحزاب منظومة الحكم وتحديدا النهضة وحزب تحيا تونس الذي يقوده رئيس الحكومة يوسف الشاهد”.

التصويت العقابي

يؤكد بالضيافي أنّ الناخب التونسي سيواصل معاقبة الائتلاف الحاكم عبر تصويت عقابي سيخدم القوى التي فازت في الدور الأول من الرئاسيات أي حزب نبيل القروي “قلب تونس” أو الأطراف المحسوبة على “التيار الثوري” المتكوّن في أغلبه من جماعات محافظة لا صلة لها بالتعريف المتداول للثورة.

وتعيش ما يسمّى بالأحزاب الحداثية العلمانية، انتكاسة كبرى يرجّح المتابعون أنها ستترجم في الانتخابات التشريعية، خاصة بعد هزيمة رئيس الحكومة ورئيس حزب تحيا تونس يوسف الشاهد وكذاك وزير الدفاع عبدالكريم الزبيدي، وعدم تمكّن أيّ منهما من المرور إلى الدور الثاني في الرئاسية.

وأكّدت مصادر مطلعة لـ”العرب” أن بعض الأحزاب الكبرى وعلى رأسها حركة النهضة وتحيا تونس بدأت عشية الإعلان الرسمي في فتح قنوات تواصل مع المرشحين قيس سعيّد، وكذلك مع القائمين على الحملة الانتخاب لنبيل القروي قصد عقد توافقات تترجم في الانتخابات التشريعية، وتتواصل في ما بعد على قاعدة تقاسم المناصب والحقائب الوزارية.

ويتوقّع المحلل السياسي منذر بالضيافي في هذا الصدد، أن الطبقة السياسية الحاكمة أو المعارضة ستستمر في التراجع لصالح التيار الشعبي الذي يطلق عليه “ضد السيستام” في الانتخابات التشريعية.

ويحذّر من مغبّة أن يكون البرلمان القادم بمثابة فسيفساء تزيد في حالة التشرذم والتشتت، ولا تتيح لأيّ من الأطراف المسك بدواليب الحكم بأريحية كي ينفّذ برامجه ووعود الانتخابية.

للمزيد: 

6