نتائج معركة الكركرات قاعدة لتحرك مغربي أقوى

الأربعاء 2017/05/03

ربح المغرب معركة مجلس الأمن الدولي حول المنطقة العازلة، وخاصة حول الكركرات التي سبق له أن انسحب منها من جانب واحد تلبية لنداء الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة. فقد أدى تعنّت الانفصالية بإيعاز من مشغليها في قصر المرادية وما جاوره في الجزائر إلى اضطرارها للانسحاب، على عجل، تحت طائلة تهديد مجلس الأمن الدولي لها، ما لم تنفذ الانسحاب كما جاء في مشروع القرار الذي عرض على مجلس الأمن الدولي.

وإذا أدّى انسحاب جبهة البوليساريو الاضطراري هذا مخافة الدخول في مواجهة مفتوحة مع الأمم المتحدة، ومع مجلس الأمن الدولي بالذات، إلى سحب التهديد من القرار النهائي الذي تم التصويت عليه بالإجماع، فإن هذه السابقة السلبية ستلاحق الدبلوماسية الجزائرية مستقبلا، وستفرض عليها التفكير ألف مرة قبل بلورة املاءاتها على وكلائها الانفصاليين.

غير أن هذه المعركة ليست نهاية المطاف، وإنما ينبغي تحويلها إلى قاعدة للتحرك الدبلوماسي المغربي على المستويين الرسمي والشعبي معا، وهو ما ليس ممكنا دون استخلاص دروس هذه المعركة الدبلوماسية التي أدارها المغرب بحكمة ملفتة للأنظار رغم كل الجهود التي بذلها ومازال يبذلها خصوم الوحدة الترابية ومن يغذّون النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية بهدف فرض أمر واقع تواجد الميليشيات الانفصالية المسلحة في منطقة الكركرات، والاستيلاء على نقطة الحدود المغربية الموريتانية الدولية في مسعى واضح وإستراتيجية تمت بلورتها منذ أمد بعيد إلى تطويق المغرب وعزله عن عمقه الأفريقي.

وليس هناك أدنى شك في أنّ الدولة المغربية بقيادة الملك محمد السادس، مدركة لطبيعة المرحلة وما تقتضيه من سياسات وتحركات دبلوماسية نوعية، كما دلت على ذلك إعادة الارتباط العضوي بمؤسسات القارة الأفريقية، وفِي مقدمتها الاتحاد الأفريقي، وإعادة العلاقات الدبلوماسية مع كوبا. وهذا الوضوح هو الذي سيؤثر في كل تحركاتها تجاه مختلف الدول والمجموعات والتكتلات الإقليمية والدولية.

إلا أن مسألة التحرك بالنسبة إلى ما يعتبر الدبلوماسية الموازية تظل قضية تحتاج إلى تأسيس حقيقي. ولعل بلورة وإعادة تجديد هذه الدبلوماسية يتطلب الوضوح والحسم في البعض من القضايا الأساسية، وخاصة بالنسبة إلى الأحزاب السياسية التي تربطها علاقات سياسية أو صداقة مع مختلف الأحزاب والمجموعات الإقليمية والدولية، سواء كانت أحزابا معارضة أم في مواقع السلطة في مختلف البلدان.

قضية الوحدة الترابية وقضية الصحراء المغربية هما قضيتا الجميع، وبالتالي يجب التصرف على هذا الأساس في كل مقاربة سياسية موجهة إلى الداخل المغربي أو إلى الخارج

ويأتي على رأس ما هو مطلوب في هذا المجال:

أولا، الوضوح والحسم في أن قضية الوحدة الترابية وقضية الصحراء المغربية هما قضيتا الجميع، وبالتالي التصرف على هذا الأساس في كل مقاربة سياسية موجهة إلى الداخل المغربي أو إلى الخارج.

ثانيا، اعتماد المقاربة الوطنية على هذا الأساس يفترض عدم التركيز على كل الاختلافات الثانوية التي يمكن أن تكون قائمة أو تحدث بين المقاربة الحزبية الخاصة للقضية الوطنية ومقاربة الدولة، لأن التركيز على مثل هذا التباين الهامشي لا يساعد في خدمة القضية الوطنية، وإنما يوحي، على العكس من ذلك، بأن هناك خلافات جوهرية في مقاربات مكوّنات المجتمع المغربي حولها، وهو إيحاء يضعف من قوة وزخم الدبلوماسية الرسمية دون أن يكون له أي مردود حزبي إيجابي حقيقي حتى بالنسبة إلى أيّ حزب يتبنّى مثل هذه المقاربة باسم وهم التميز، الأمر الذي يحوّله إلى ربح محقق لخصوم المغرب الذين يحاولون تجيير هذا التباين لدعم اطروحات الانفصال، كما تقوم بذلك الدعاية الجزائرية في مختلف المناسبات التي يبدو فيها أن نشازا ما قد حدث في المقاربة الشمولية لهذا الملف.

ثالثا، الوضوح والحسم في أنّ تكامل خطط التحرك الرسمي والموازي على المستوى الدبلوماسي ليس مطلوبا لدواعي دبلوماسية في بعدها الخارجي، حيث يكون ذَا فاعلية أساسية في علاقات المغرب الثنائية وفِي مختلف المحافل على المستوى الإقليمي والدولي فحسب، وإنما هو مطلوب أيضا لحيويته في تمتين الجبهة الداخلية للبلاد لأن كل تنافر في معالجة قضايا النضال الوطني قد يؤدي، ما لم يتم التحكم فيه، إلى تنافر في الرؤية إلى مجمل قضايا البناء السياسي والتنموي الداخلي في البعض من الأحيان، على أقل تقدير، على اعتبار أنّ الحضور القوي للقضية الوطنية في البرنامج السياسي الوطني للدولة والأحزاب السياسية عامل أساسي في توفير شروط البناء الداخلي المتوازن على قاعدة أولويات متشابهة وقادرة على تأطير كل الجهود في خدمة تلك الأولويات، بينما يؤدي كل تباين في درجة أو نوعية حضور هذه القضايا في خطط الدولة والأحزاب السياسية إلى تباين في الأولويات قد تفتح أبوابا للاصطدام أحيانا، وهو ما ليس بالتأكيد في مصلحة الدولة والأحزاب السياسية والشعب الذي ستتأثر قضاياه الكبرى سلبا من أيّ تناحر يحدث بين أقطاب الحياة السياسية الوطنية.

كاتب مغربي

9