نتفليكس شبكة بدأت بشريط فيديو مستأجر تصل إلى العالمية

الأحد 2016/09/18
نتفليكس تذهب إلى الإنتاج شرقا وغربا

إسطنبول - تحاول شبكة نتفليكس إعادة ترتيب آليات المشاهدة في العالم بأسره. فمنذ أن بدأت خطتها لإعادة الانتشار في العالم ووصلت عبرها إلى العديد من الدول، بات على سكان المعمورة ترقب ما هيأته لهم من حصص مشاهدة مأجورة ومترجمة إلى لغاتهم. وكذلك عروضها الخاصة، التي بنيت على ما قامت بإنتاجه لحسابها ولمشاهديها بشكل حصري. بالإضافة إلى متابعة عروضها المجانية التي تهدف إلى تحفيز المشاهدين خارج الشبكة على المغامرة بالانضمام إليها، وتحويل متابعاتهم التلفزيونية والسينمائية وغيرها إلى مكان واحد بدلاً من اللحاق بشبكات التلفزيون وصالات السينما، أو القيام بتحميل الــمواد الفيـلمية المقرصنة.

طموحة جداً شبكة نتفليكس، وهي تذهب نحو أهدافها ضمن خطط واضحة التوجهات، مستعدة للطوارئ، وهي تتابع عملها الأصلي في بيع وتأجير أقراص الدي في دي، بالتوازي مع تحولها إلى العمل على بث المواد الفيلمية الاختيارية عبر شبكة النت، ونجاحها أيضاً في جعل ماركتها التجارية حاضرة في العملية الإنتاجية الفنية أيضاً، ولكن هل ستستطيع أن تستفيد من كل ما سبق، لتكون هي اللاعب الأمهر والأشهر وشبه الوحيد في مجالها؟

كان ريد هاستينغ قد أتم عامه الـ37 حينما أسس شركته بور سوفتوير التي تم بيعها بعد سنة من بداية عملها فكانت حصته من الصفقة تقارب 750 مليون دولار. وقد مارس بعدها عدة أعمال بسيطة لم تكن ترضي طموحه، ويروي هاستينغ للصحافة أنه كان قد استأجر فيلم “أبولو 13” ليشاهده، وحينما قرر إرجاعه متأخراً عن موعده بستة أسابيع كاملة، اكتشف أن عليه دفع غرامة تقدر بـ40 دولاراً، وهو مبلغ أكبر مما كان عليه دفعه في حال قرر شراء نسخته من الفيلم.

هذه الحادثة كانت بداية تفكير هاستينغ بإنشاء شبكة تقوم بتأجير الجمهور أقراص الأفلام من خلال طلبها عبر الإنترنت، لتصل إلى الزبون خلال يومين على أبعد تقدير، مع إمكانية إعادة الزبون للأفلام عبر رسالة مرفقة تصله مع الطلبية، يمكنه وضعها في أقرب صندوق بريدي.

الفكرة التي تحولت إلى مشروع قائم على الأرض في كاليفورنيا في العام 1997 تجاوزت في عملها إطار الولايات المتحدة الأميركية لتصل إلى كندا، وقد رافق انطلاقها انتشار نوعية أقراص الدي في دي التي نقلت نوعية الصورة التي يشاهدها الزبون إلى مستوى جديد، جعلها تنتشر بشكل كثيف بين الجمهور.

وهكذا ظلت نتفليكس وطيلة عقد كامل من السنين مجرد متجر إلكتروني لتأجير الأفلام، يحاول الحصول على حصة كبيرة في سوقه الخاص، حيث قامت بخلق نظام اشتراكات يرضي حاجيات الزبائن بعد عامين من انطلاقها، ما جعلها توسع من مساحة انتشارها، وتزيد من قائمة العناوين التي تقوم بتوزيعها.

مع الثورة الرقمية

بحلول العام 2009 كانت قد قدمت مجموعة من 100 ألف من العناوين على أقراص دي في دي، وقد تجاوز عدد زبائنها ليصل إلى أكثر من 10 ملايين مشترك. وبحسب موقع بزفيد فإنه وبعد انطلاق مشروع هاستينغ الجديد هذا، قدم في عام 2000 عرضاً لشراء شركة بلوك باستر عملاقة تأجير أفلام الفيديو مقابل 50 مليون دولار، لكن إدارة الشركة رفضت عرض نتفليكس وما لبثت أن أعلنت إفلاسها عام 2010.

قياس عدد المشتركين بالشبكة داخل الولايات المتحدة وخارجها، يؤشر إلى أن طورها الأول لم يكن مفيدا ماليا، طالما أن الشبكة تقوم بدور الناقل فقط لما يتم إنتاجه من قبل الشركات المنتجة المتخصصة بالسينما أو بالدراما التلفزيونية مثل ديزني ووارنر بروس

قراءة مؤسس الشركة ومديرها التنفيذي لتطور التقنيات الرقمية، ولا سيما منها تلك الخاصة بشبكة الإنترنت وقدرتها على استيعاب عملية تدفق المعلومات، جعلته يستشعر تحولاتها القادمة، حيث بدأ بالعمل على تحويل الشركة من مجرد متجر لتأجير الأفلام إلى شبكة تقدم المحتوى البصري على الشبكة.

وهكذا انتقلت نتفليكس إلى مساحة عمل جديدة لم يسبقها إليه أحد، حيث بدأت ومنذ العام 2007 ببث الأفلام وبشكل قانوني على الإنترنت، مقابل اشتراك مالي مقسم إلى ثلاث شرائح، يمكن للزبون أن يختار منها ما يناسبه، وقد قامت الشركة بعقد اتفاقيات مع كبريات الشركات المنتجة تسمح لها باستعمال منتجاتها كشركتي والت ديزني ووارنر بروس وغيرهما، ولم يأت عام 2010 حتى كان الخط الإنتاجي الجديد للشركة يتجاوز حدود الولايات المتحدة الأميركية صوب كندا، ولتبدأ بعدها مغامرتها على المستوى العالمي.

وبالعودة إلى سياق عمل الشركة الأصلي والذي لم يتوقف حتى اليوم، فقد سجلت الإحصائيات التي رصدت عملها أرقاماً لافتةً، ففي العام 2007 قامت بتوزيع مليار قرص فيديو، وهي تقوم يومياً بتوزيع أكثر من مليون ونصف المليون طلبية، أضيفت إليها نوعية بلو ري ذات النوعية الفائقة من جهة دقة الصورة.

نتفليكس خارج الحدود

قفز معدل استخدام خدمات نتفليكس في الولايات المتحدة قفزات عديدة، منذ أن بدأت ببث الأفلام عبر الإنترنت، وهكذا لم يأت عام 2011 حتى كانت الأرقام تسجل أن النشاط الخاص بها يحوز ثلث النشاط العام على الشبكة في أميركا تقريباً، وبحسب تقرير أصدرته شركة ساندفين المتخصصة في حلول التحكم ومراقبة الإنترنت فإن خدمة نتفليكس تسيطر بنسبه 30 بالمئة تقريباً على تدفق بيانات الإنترنت في وقت الذروة، بحيث أنها تجاوزت معدلات تصفح المواقع ومشاهدات مواقع شهيرة كيوتيوب وغيره.

خطة الشركة في التوسع خارج الحدود والتي انطلقت منذ عام 2010 بدأت بالاطّراد في عام 2011 حيث بدأت بالبث في دول أميركا اللاتينية، إذ سجلت الأرقام أيضاً أعلى معدل في تسجيل الاشتراكات.

وفي العام 2012 ذهبت نتفليكس خارج حدود الأميركيتين لتضيف 5 دول أوروبية. ومع هذا الاطّراد في التوسعات كان عدد المشتركين في الخدمة يتوسع حيث أضافت 13 مليون مشترك خلال ثلاث سنوات، ليصل مجمل عدد المستخدمين 33 مليوناً في نهاية عام 2012 بتوزع 6 ملايين خارج الولايات المتحدة، و27 مليوناً داخلها.

القبعات البيضاء ونتفليكس ونوبل
من مفارقات تمدد شبكة نتفليكس عالمياً أنها أتاحت المجال للاشترك بها في كل البلدان العربية سوى سوريا، بسبب الظروف التي تمر بها عموماً، وبسبب عدم وجود آلية قانونية لقيام الشبكة بممارسة نشاطها على أرض الواقع خصوصاً.

ولكن سوريا لم تكن غائبة عن السياسة الإنتاجية التي عملت عليها نتفليكس منذ العديد من السنوات، إذ أنها قامت اليوم بعرض فيلم وثائقي بعنوان “القبعات البيضاء” الذي يتحدث عن ظاهرة رجال الدفاع المدني في المناطق التي يستهدفها طيران نظام بشار الأسد بسلاح البراميل المتفجرة عشوائية التسديد، والتي غالباً ما تقوم بتدمير مناطق واسعة يسكن فيها مدنيون.

يحاول رجال الدفاع المدني إنقاذ من يبقى منهم على قيد الحياة تحت ركام الأبنية، الفيلم الذي قامت نتفليكس بإنتاجه كاملاً، جرى الإعلان عنه على مواقع الشبكة كلها تحت إطار شعار رجال الدفاع المدني وهو جزء من آية من سورة المائدة في القرآن الكريم تقول “ومن أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا”.

وقد حرصت شبكة نتفليكس على تهيئة فريق إنتاج للفيلم يحمل تجربة يمكن لها الاقتراب من مادته، ويدرك أهمية قضية رجال الدفاع المدني السوريين الذين علت الأصوات في الفترة الأخير من أجل دعمهم لنيل جائزة نوبل للسلام، فكان كادر العمل هو نفسه الفريق الذي قام بإنتاج الفيلم الوثائقي “فيرونغا” والذي حاز على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي لعام 2014.

ورغم هذا النمو ظلت معدلات المكاسب المالية للشركة ضئيلة قياساً بالخطط التي بنيت عليها عملية التوسع، حيث بلغت العائدات الإجمالية لـها خلال سنة 2012 في حدود 3 مليارات دولار، ما أدى إلى تباطؤ عملية الانتشار دولياً، حيث لم تصل خلال عام 2013 إلى أيّ بلد سوى هولندا.

الإنتاج هو الحل

قياس عدد المشتركين بالشبكة داخل الولايات المتحدة وخارجها، كان يؤشر في المرحلة الأولى من خطة الانتشار الدولي إلى أن العملية لن تكون مفيدة مالياً، طالما أن الشبكة تقوم بدور الناقل فقط لما يتم إنتاجه من قبل الشركات المنتجة المتخصصة بالسينما أو بالدراما التلفزيونية.

ولهذا كان لا بد من البحث عن طرق إضافية تجعل المشترك يأتي إلى نتفليكس وحدها ليجد عندها ما لا يجده في مكان آخر، ومن هذه الزاوية دخلت الشبكة عالم الإنتاج، فقامت في العام 2013 بإنتاج المسلسل الشهير هاوس أوف كاردز (بيت من ورق)، ثم تبعته بعد عدة شهور بمسلسل أورانج إز ذا نيو بلاك (البرتقالي هو الأسود الجديد)، وقد حصدت الشبكة وبشكل سريع نتائج مغامرتها حيث بلغت عائداتها لسنة 2013 قرابة 4.37 مليار دولار، كما بلغ عدد المشتركين 44 مليون مشترك (33 مليونا منهم من أميركا، و11 مليونا من خارج أميركا).

النجاح الذي حققته بعد دخولها عملية الإنتاج لم يجعلها تبتعد عن حذرها وخوفها من الفشل، فالطفرة التي حققتها خلال عام 2013 لم تكن كافية لأن تجعلها تعود إلى المضي سريعاً في سياسة الانتشار العالمي، ولهذا فإنها عملت على دمج خطة الانتشار بخطة الإنتاج في مسار واحد، ومع قيامها بإنتاج مسلسلات جديدة كماركو بولو في 2014 ومسلسلي ديرديفيل وناركوس في 2015، وسّعت نطاق بثها مضيفة 10 بلدان فقط توزعت بين أوروبا وشرق آسيا، ولتحصد من خلال ذلك ارتفاع عدد المشتركين ليصل إلى 75 مليون مشترك.

في بداية العام الجاري 2016 أعلنت نتفليكس عن إطلاقها لخدماتها في 130 دولة من بينها الدول العربية، وأن الخدمة لن تكتفي بنشر المحتوى باللغة الإنكليزية في هذه الدول بل ستدعم الكثير من اللغات من بينها اللغة العربية. وقد صدم المشتركون الجدد بأن المحتوى الذي وعدت الشركة به لم يكن ليقارن بالمحتوى المتوفر والمتاح للمشتركين في الولايات المتحدة، حيث جاء ضعيفاً من ناحية الكمّ، وقديماً من جهة سنوات الإنتاج، ما أدى إلى قيام العديد من المشتركين بالتحايل على الخدمة ذاتها، من خلال الدخول إلى المحتوى الأميركي عبر استخدام تقنية البروكسي.

إلى العالم مرة أخرى

كل هذا جعل الشبكة تسارع إلى الإعلان أنها ستبدأ في تضييق الخناق على مستخدميها الذين يقومون بذلك، حيث ستقوم بإيقاف كل الحسابات التي تستخدم البروكسي، وقد أحالت نتفليكس خطوتها هذه إلى مسألة اختلاف حقوق النشر بين الدول، حيث تختلف تراخيص بث الأفلام والمسلسلات من دولة إلى أخرى.

وفي المحصلة أثّرت هذه التفاصيل على العائدات المالية، فبينما سجل الربع الأول من هذه السنة 2016 ارتفاعاً في العائدات وفي عدد المشتركين، جاء الربع الثاني على عكس المتوقع حيث انخفضت المعدلات كلها.

"القبعات البيضاء"الفيلم الذي قامت نتفليكس بإنتاجه كاملاً

وقد لخص محلل البيانات أحمد الزمامي أسباب فشل نتفليكس خلال الشهور الماضية بالعديد من النقاط هي “أولاً صعوبة التوسع بالمكتبات في جميع الدول لاختلاف حقوق الملكية وعقودها التي ترتبط نتفليكس فيها مع المالك الرئيسي للمحتوى وهذا ينطبق على المسلسلات والأفلام المُنتجة من شركات غير نتفليكس وهو ما جعل محتوى المكتبات في الدول المضافة مؤخرا قديما وغير مشجع للاستمرار في الاشتراك. وثانياً كون الدول التي توسعت فيها نتفليكس للأعوام السابقة 2010 وحتى 2015 كانت غالبا من الدول التي لديها نظام عال وعقوبات رادعة لمسألة حقوق الملكية وهو ما يمنع من انتشار الاعتماد على الطرق غير الشرعية في مشاهدة الأفلام لذلك يضطر المواطن في هذه الدول إلى الاشتراك في خدمات رسمية تقدم له المحتوى بشكل قانوني.

إضافة إلى ذلك فإن القنوات التلفزيونية غير مجانية في هذه الدول وهو ما يضطر المواطن لدفع اشتراك شهري عالي القيمة للحصول على كيبل تلفزيون، وعند مقارنة التكلفة المادية نرى أن الكفة تميل كثيرا لصالح نتفليكس بحكم التكلفة المنخفضة جدا مع الأخذ في الاعتبار المحتوى والفروقات بينهما. وثالثاً وأخيراً فإن الدول التي توسعت فيها نتفليكس في التوسع الأخير ضمت عددا كبيرا جدا من الدول التي تواجه فيها عدة مشاكل من قبيل أن خدمات الإنترنت فيها غير جيدة لتسمح بمشاهدة المحتوى دون توقف البث خلال المشاهدة أو أنه لا يوجد نظام وقانون رادعان لمسألة الحقوق الفكرية فتجد اعتماد الكثيرين على مشاهدة الأفلام والمسلسلات مجانا بطرق غير شرعية”.

هل ستستطيع نتفليكس تجاوز هذه المعضلة في سياق خطتها للانتشار حول العالم؟ ربما تتمكن من ذلك مع مضيّ الوقت، ومع تعاظم قدرة عملية مراقبة حقوق الملكية حول العالم، وقدرة المؤسسات على منع عمليات القرصنة، والتي ستجبر المستخدمين على اتّباع سبل قانونية من أجل الحصول على ما يرغبون بمشاهدته، ولعل الحرب القائمة حالياً على مستوى العالم ضد مواقع تورينت والتي تضيق المساحات أمامها شيئاً فشيئاً، هي واحد من الإجراءات التي ستساعد خطة هذه الشبكة وغيرها على التمدد والانتشار.

9