نتنياهو في موضع الإدانة المؤكدة بالفساد

بسبب افتضاح نتنياهو طفت لبرهة مشاعر ارتياح فلسطيني وعربي، وتناسى الفرحون المغزى الأخطر، وهو أن الدولة التي أوشكت على الإطاحة بالفاسد تكرس القانون في داخلها وتجعل نفسها ضمانة لأن تنحني لهذا القانون كل الهامات.
السبت 2018/02/24
انكشاف سمسرة نتنياهو

حتى الساعة، لا يزال بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي يكابر ويتحدث عن مؤامرة حيكت ضده في ليل بهيم. فهو معروف بقدرته العالية على المراوغة، وقد استطاع على مر سنوات الإفلات من قضايا فساد، سرعان ما نجح في تحويلها إلى مظان متجنيّة. وقد انعقدت له قدرة لافتة على الوصول إلى رئاسة الحكومة في إسرائيل، أربع مرات، منذ عام 1996 ثلاث منها متوالية.

ففي المرة الأولى، في تلك السنة، تغلب نتنياهو بفارق طفيف، على شمعون بيرس الذي خاض محاولته الأخيرة الوصول إلى رئاسة الوزراء. في تلك السنة، طبقت إسرائيل قانون انتخاب رئيس الوزراء مباشرة، وهو القانون الذي تراجعت عنه إسرائيل بعد خمس دورات انتخابية.

وعندما حلّ موعد الانتخابات التالية عام 1999 وأعيدت الكرّة، تحقق للمؤسسة العسكرية محو آثار هزيمة الجنرالات في شخص إيهود باراك الذي أنتُخب رئيسا للحكومة في تلك السنة، متغلبا على نتنياهو، لكن حكومته انهارت بعد أقل من عامين، وجرت انتخابات مبكرة لرئاسة الحكومة عام 2001 فاز فيها الجنرال الأشهر إرئيل شارون، الذي هزم باراك.

وبعد أن عزز شارون أوراقه بفوز “الليكود” الساحق في انتخابات “الكنيست” السادسة عشرة عام 2003 تحسس الجنرال الفائز خطر نتنياهو عليه، فلم يلب طلبه حقيبة الخارجية ومنحها لسيلفان شالوم. وتسلم نتنياهو وزارة المالية التي بدأ يحيك فيها سياسة حقبته الطويلة على الصعيد الاقتصادي، وتلك كانت مفصلة لتحقيق هدفين بالنسبة له، وهما فتح المجال للمرة الأولى، لفتح حسابات بنكية لمن يريد في الخارج، وتقييد بيع العملة الإسرائيلية بعملات أجنبية لتثبيت قيمتها تحقيقا لفائض الصرف على النشاطات الاستيطانية.

بعد أن سقط شارون في غياهب الغيبوبة، أتيح لنتنياهو الصعود إلى رئاسة الوزراء عام 2005 وأحكم قبضته على “الليكود” واستمر في الحكم حتى الآن، بشفاعة نمو نزعات التطرف في المجتمع اليهودي.

ومثلما يتاح لكل فاسد في أي سلطة، أن يغطي مسلكه بدخان كثيف من التشدد يحجب الرؤية، فقد أحرز نتنياهو نجاحا لسنوات طويلة، إذ لم يكن يُرى منه سوى التمادي في الهجوم على عدوه الضعيف، الذي يمثله الفلسطينيون، حتى بات كأنما هو أحد ملوك إسرائيل الذين دُوّنت أسماؤهم في كُتب الحاخامات، باعتبارهم أطهارا.

ومثلما كتب يوسي فيلتر، المحلل السياسي في صحيفة هآرتس فقد حرص نتنياهو على إحاطة نفسه بمجموعة من ذوي اللحى، ومرتدي قبعات الكيبوت الملطوعة على رؤوسهم، للإيحاء بالتزام الشريعة اليهودية، خداعا لشمامي رائحته. فلطالما استُخدمت اللحى كعدة للنصب، في مزاحمة أخرى تتوخّى التقوى.

جاءت الطعنة النجلاء للفاسد، من أقرب السَّحيجة، أي من كاتم أسراره الرميمة وصندوقه الأسود، المدير العام السابق لوزارة الاتصالات شلومو فيلبر، ومدير مكتبه السابق آريه هارو. فهذان الاثنان انضما إلى طائفة الشهود ضده، ووقع كل منهما مع الدولة على اتفاق “شاهد ملك” لكي يأمن على نفسه من المحاكمة.

عندما يُخان الخائن في دولة تلتزم محددات قوانينها، ضمانا لسريان مفعول الاجتماع السياسي الذي ارتضته لنفسها، وهو عدواني بطبائعه على صعيد إسرائيل، تتوافر لمن يفشي أسرار الفاسد حماية هذه الدولة. وهنا يكمن سر الفارق الشاسع بين كيان يحمي الشاهد وآخر ينقض عليه لكي يكون عبرة لمن يكشفون أسرار الفاسدين.

وهذه ميزة تجعل فكرة التشفي من جانبنا في نتنياهو أقرب إلى ومضة فرح قصيرة، لأن مجتمع العدو لن يفرز بعد نتنياهو إلا متطرفا مثله، مع الاختلاف الذي يفترض النزاهة على مستوى السلوك الشخصي إلى أن تأتي تجربته في السلطة بجديد أعتى فسادا.

وبسبب افتضاح نتنياهو طفت لبرهة مشاعر ارتياح فلسطيني وعربي، وتناسى الفرحون المغزى الأخطر، وهو أن الدولة التي أوشكت على الإطاحة بالفاسد، تكرس القانون في داخلها، وتجعل نفسها ضمانة لأن تنحني لهذا القانون كل الهامات. وبالطبع إن هذا المنحى القانوني الساري هو إجراء ذو صلة بالحفاظ على قيمة الدولة في ناظر المجتمع، لكي تظل تساندها غالبية شعبها في السياسات الغاشمة وتطرب لانحطاطها في العلاقات الدولية، وفي تعدياتها وحروبها. وذلك على العكس مما تفعله بنفسها نُظم الحكم التي تحمي الفاسدين وتطيح القانون وتحتقر العقد الاجتماعي الذي تنشأ على أساسه الدولة وتستمر.

وقعت واقعة نتنياهو، وانكشفت للمحققين سمسرته وتفاصيل الرشوة من شركة “بيزك ألوفيتش” للاتصالات، وهناك شهود كثر وملفات أخرى، ولكي تكتمل الواقعة التي وقعت لنتنياهو الذي حاول تكحيلها فأعماها، انكشف فساد محاولته الأخيرة لإنقاذ نفسه، وهي عرض سارع إلى تقديمه للقاضية المتقاعدة هيلا غرستل لتعيينها في منصب المستشارة القضائية للحكومة، مقابل إغلاق ملف زوجته سارة.

وكان الذي حدث أن القاضية ابتلت نفسها بنفسها هي الأخرى، وهي التي شغلت منصب رئيس المحكمة المركزية عندما لم تبادر إلى إبلاغ الشرطة عن محاولة رشوتها بالمنصب الجديد، بطريقة أسلوب العصابات، كما قال المحللون الإسرائيليون، الذين رأوا في مجرد صمت القاضية مشاركة في محاولة اغتيال الديمقراطية.

وقعت واقعة نتنياهو، وسيكون حزبه أول من يتبرأ منه ويخلعه دون أن تؤثر إدانته كثيرا على تكتل “الليكود” في الانتخابات.

9