نتنياهو وتكتيك التصعيد الخطابي في الانتخابات

لا تبدو وصفة نتنياهو السحرية، المتمثّلة تصعيد الخطاب السياسي ودفعه نحو مزيد من التطرّف، مُجدية في الانتخابات القادمة.
السبت 2019/09/14
ارتفاع سقف التطرّف السياسي

من جديد، رفع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، سقف تطرّفه السياسي في محاولة لاستعادة توازنه السياسي ووقف النزيف الحاصل في شعبيته قبل أيام فقط من الانتخابات الإسرائيلي المزمع إجراؤها يوم 17 سبتمبر الجاري. إذ وعد نتنياهو بضم غور الأردن وشمال البحر الميت في حال نجاحه في الانتخابات المقبلة، وهو ما أثار استهجانا إقليميا ودوليا باعتباره مخالفاً للقانون الدولي.

ولكن نتنياهو كما هو حال دولته منذ تأسيسها عام 1948، غير مهتمّ بالقانون الدولي، وهو بهذا متحلّل من الأعراف الدبلوماسية ويسير بخطى ثابتة باتجاه تنفيذ سياسات باتت واضحة المعالم، وتتمثّل في ضمّ جميع أراضي الضفة الغربية ومحاولة التخلّص من سكانها الفلسطينيين أو إخضاعهم ضمن دولة عنصرية تميّز بين سكانها وتبقي جزءا كبيرا منهم دون حقوق.

ورغم أن نتنياهو يمتاز عمّن سبقوه في منصب رئيس الوزراء بجرعة زائدة من التطرّف وبشعبوية مفرطة تدفعه لازدراء جميع الأعراف والقوانين الدولية بصورة فجة، ولكن تصريحاته الأخيرة تبدو مدفوعة بأجواء الانتخابات الإسرائيلية وديناميات التنافس السياسي.

إذ رغم نجاحه في الانتخابات الأخيرة التي جرت في شهر أبريل الماضي، ليحظى بولاية خامسة ويكون أول رئيس وزراء في تاريخ الدولة العبرية يحقق ذلك، عجز نتنياهو عن تشكيل حكومة ائتلافية ليكون أول رئيس وزراء أيضا ينجح بالانتخابات ويفشل في تشكيل حكومة في تاريخ إسرائيل. يذكرنا ما حصل بالصعوبات التي شابت فوزه الانتخابي. إذ جاء الفوز كولادة قيصرية شديدة الصعوبة ومخالفا للتوقّعات.

سبقت الانتخابات الإسرائيلية تحقيقات قضائية شملت ثلاثة ملفات فساد طالت نتنياهو وتسبّبت بتدهور تدريجي في شعبيته حتى وصلت أدنى مستوياتها قبل الانتخابات. كما بدا أن سنوات الجفاف السياسي التي سادت في العقد الماضي والتي تخلّلها غياب منافسين أقوياء قد انقضت وظهر بعض المنافسين، كرئيس الأركان السابق في الجيش الإسرائيلي بيني غانتس، الذين هدّدوا حظوظ نتنياهو. مع ذلك، تمكّن الأخير مجدّدا من كسب رهان الانتخابات.

اعتمد نتنياهو على تصعيد نبرة الخطاب السياسي والوعود الانتخابية ضاربا عرض الحائط بالتقليد السياسي الإسرائيلي الذي كان يطرح السلام مع الفلسطينيين وحلّ الدولتين كبند مركزي في الحملة الانتخابية.

كان رؤساء وزراء إسرائيل ينفّذون برنامجا يقضم الأرض بصورة تدريجية، وينهي إمكانية نشوء دولة فلسطينية ولكنهم مع ذلك، حافظوا على خطاب معتدل موجّه للخارج وللدعاية السياسية، ولتطمين نسبة كبيرة من الجمهور الإسرائيلي الذي تعصف به المخاوف الأمنية وتتشوش صورة المستقبل السياسي لديه.

تجاهل نتنياهو الدبلوماسية الدولية وقدّم صورة أوضح من تلك التي تقدّمها الأحزاب التقليدية. فبدلا من مسار سياسي يسمّى “حل الدولتين” ولا يعرف أي من الإسرائيليين كيف يمكن الوصول إليه، طرح نتنياهو فكرته البسيطة الشعبوية والمتمثّلة بضمّ كل الأرض.

هكذا، وعد نتنياهو الجمهور الإسرائيلي خلال الانتخابات الماضية في أبريل الماضي بضمّ جميع المستوطنات التي تعتبر غير قانونية في الضفة الغربية لتكون تحت السيادة الإسرائيلية. وبعد فوزه بالانتخابات، شعر نتنياهو بأن وعده الانتخابي هو ما أبقاه في سدّة الحكم لولاية خامسة. وبالفعل أثبتت عدة استطلاعات لرأي الجمهور الإسرائيلي خلال السنوات القليلة الماضية تأييدا لضمّ المستوطنات التي لا تحتوي على سكان فلسطينيين. بهذا المعنى، يحاول نتنياهو اليوم تطبيق وصفه سياسية انتخابية سبق أن جرّبها ولمس فاعليتها.

لكن مشكلته اليوم تتمثّل في ارتفاع سقف التطرّف السياسي لدى كل التيارات الحزبية الإسرائيلية بصورة كبيرة، وهو ما يجعله يبدو كصوت مألوف بين أصوات عديدة باتت تجمع على رفض حلّ الدولتين والعمل بوتيرة متسارعة على ضمّ أجزاء واسعة من الضفة الغربية.

لقد توعد منافس حزب الليكود الرئيسي في الانتخابات، حزب أزرق أبيض بزعامة رئيس الأركان السابق في الجيش الإسرائيلي بيني غانتس، بإبقاء سيطرة إسرائيل على المستوطنات الكبرى في الضفة الغربية وتوسيع تلك السيطرة، والإبقاء على مدينة القدس “موحدة” عاصمة لإسرائيل.

وفضلا عن ذلك، يصف الحزب مرتفعات الجولان السوري المحتلّ كـ”جزء لا يتجزأ” من دولة إسرائيل. كما يطرح قضية “الانفصال” عن الفلسطينيين، والتي تعنى الاستيلاء عن الأرض والتخلّص من السكان.

بهذا المعنى، لا تبدو وصفة نتنياهو السحرية، المتمثّلة تصعيد الخطاب السياسي ودفعه نحو مزيد من التطرّف، مُجدية في الانتخابات القادمة.

فحتى لو فاز رئيس الوزراء المتطرّف مجدّدا في الأسبوع القادم، فلن يكون ذلك بفارق كبير وسيتجه مجددا إلى حائط مسدود وقف أمامه طيلة الأشهر الماضية، محاولا تشكيل حكومة ائتلافية دون جدوى.

9