نجاة الصحافة الألمانية.. خارطة طريق لنجاة الصحافة العربية

الإجراءات التقشفية خيار لا بد منه لمؤسسات الإعلام العربية للبقاء في المشهد.
الاثنين 2020/08/10
قراء كثر لا يزالون يرغبون في أن يتمتعوا بملمس الصحف الورقية

تقدم الصحافة الألمانية نموذجا إيجابيا وأخبارا متفائلة حول نتائجها وقلة خسائرها خلال وباء كورونا مقارنة بالصحافة العالمية والصحافة العربية التي عليها إعادة النظر في نموذجها الاقتصادي، واتخاذ إجراءات تقشف أكثر جدية، إلى جانب محتوى موضوعي يحترم عقل القارئ.

 برلين - تؤكد تجربة الصحافة الألمانية أنها استطاعت احتواء تداعيات فايروس كورونا بأقل الخسائر مقارنة بما تكبدته الصحافة في الدول الأخرى، بينما يدعو محللون الصحافة العربية إلى استلهام الدروس والعبر منها للخروج بنتائج مقاربة تتلاءم مع الواقع العربي.

وعانت الصحافة الألمانية من انهيار الإيرادات الإعلانية خلال مرحلة الحجر المنزلي، بنسبة وصلت أحيانا إلى 80 في المئة، كما أن ثلث الموظفين أجبروا على البطالة، وهذا الواقع مشابه لما حدث مع مثيلاتها حول العالم، وعملت المؤسسات الصحافية بجهد للخروج منتصرة من أزمة وباء كوفيد – 19 التي عززت مصداقيتها وأسهمت في تطوير نموها الرقمي.

وأشارت الأخصائية في شؤون الإعلام في نقابة “فيردي” مونيك هوفمان، لوكالة فرانس برس إلى أن “الصحافة صمدت بصورة جيدة نسبيا خلال الأزمة في ألمانيا”، البلد الأول أوروبيا لناحية مبيعات الصحف.

وقالت “نظن أن الحاجة إلى المعلومات ستبقى مرتفعة جدا كما أن هذا القطاع سيخرج أقوى من الأزمة”.

وبالفعل، فإن الأرقام الواردة من هذا القطاع في أوج الأزمة خلال أشهر مارس وأبريل ومايو “تبعث على الأمل”، بحسب اتحاد الصحافة المكتوبة والمرئية، بينما لجأت دول أخرى خصوصا العربية، إلى وقف طباعة الصحف الورقية والاكتفاء بنسخ “بي.دي.أف” على مواقعها الإلكترونية، واضطرت صحف أخرى للتوقف نهائيا.

وتمنح التجربة الألمانية أملا للصحافة المطبوعة بالانتعاش والاستمرار استنادا إلى أهميتها لدى القراء أولا، ثانيا اعتمادها نماذج تمويل ساعدتها على الاستمرار. وتقول أنيا باسكاي، العضو في الاتحاد، إن الصحف “استمرت في الصدور واستقطاب القراء”.

التجربة الألمانية تمنح أملا للصحافة المطبوعة بالانتعاش من خلال ثقة القراء واعتماد نماذج تمويل تضمن الاستمرار

كما أن الاشتراكات الرقمية حققت نتائج باهرة بعدما تأخرت طويلا عن مجاراة مبيعات النسخ الورقية.

وتضيف باسكاي “كل دور النشر تقول لنا إن مشاريع التطوير الرقمي الموضوعة أساسا لأشهر أو سنوات مقبلة تحققت في غضون بضعة أسابيع”.

ولفت الاتحاد في تقرير أصدره حديثا إلى أن ربع أعضائه يتحدثون عن استقرار في عدد النسخ المباعة، إذ نجح النصف في حصر التراجع بنسبة تتراوح بين 1 و5 في المئة، وهي تعتبر نتائج جيدة للغاية إذ ما أخذ بالاعتبار حجم الخسائر التي تكبدتها صحف كبيرة في أوروبا والولايات المتحدة، أدت لتوقف العشرات منها، فيما تكبد 10 في المئة من هذه المنشورات خسائر فادحة في ألمانيا.

وتحدث فريدريتش كابلر، المتحدث باسم مجموعة “أكسل سبرينغر”، عن “مستويات قياسية من الاشتراكات في مارس وأبريل” في “بيلد” أبرز إصدارات المجموعة وأكثر الصحف قراءة في ألمانيا، وأيضا في صحيفة “داي فيلت” المحافظة، من دون إعطاء أرقام.

وتقدم هذه النتائج فرصة للمؤسسات الصحافية العربية لإعادة النظر في سياساتها التقشفية ونموذج التمويل الخاص بها، حيث تبدو مترددة في إجراءات التقشف التي بدأت في الخليج بالتقليص من عدد المستكتبين والمتعاونين في حين أن من تم الاستغناء عنهم هم صحافيون وافدون، في حين أن تدابير التسريح والبطالة الجزئية وتخفيضات الرواتب تزايدت في وسائل الإعلام العالمية مع تفشي أزمة كوفيد – 19 وعلى وقع انهيار سوق الإعلانات، بالرغم من اهتمام القراء الكبير بالأخبار.

وتتقلص الخيارات أمام المؤسسات الإعلامية العربية التي تريد الحفاظ على بقائها في المشهد الإعلامي، فهي غالبا ما ستكون خيارات تقشف قاسية، أو البحث عن مصادر جديدة للتمويل من الاشتراكات كما هو الحال في الصحف الألمانية التي تشابه مشاكلها مشاكل الصحافة في العالم العربي.

الأشخاص فوق سن الخمسين يبدون استعدادا للتعوّد على قراءة الصحف بنسخها الإلكترونية
الأشخاص فوق سن الخمسين يبدون استعدادا للتعوّد على قراءة الصحف بنسخها الإلكترونية

ويوصي خبراء الإعلام بأن تشجع الحكومات على توسيع نموذج الاشتراكات في المؤسسات الحكومية والفنادق والمقاهي والمؤسسات البحثية والمكتبات.

في المقابل، فإن الصحافة العربية مطالبة هي الأخرى ببذل جهود لاستقطاب القراء واستعادة الثقة عبر محتوى مهني جاد واحترام عقل القارئ بالموضوعية، وتوفير المعلومات الموثوقة، بدلا من ترك الجمهور عرضة للشائعات والتضليل على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب التعتيم على القضايا الحساسة في وسائل الإعلام التقليدية.

وقدمت الصحافة الألمانية نتائج واعدة في هذا المجال، فأظهر استطلاع نشر نتائجه معهد “زي.أم.جي” المتخصص، في نهاية مايو، أن أكثر من 90 في المئة من العينة المستطلعة آراؤها، البالغ عدد أفرادها أربعة آلاف شخص، اعتبروا معلومات الصحف اليومية “موثوقة بشكل خاص” كما أنها المرجع الأفضل في سيل المعلومات بشأن الوباء.

ومع الارتفاع الكبير في الاشتراكات الرقمية بفضل الأزمة، يبدو أن الصحافة الورقية لا تزال صامدة وفق اختصاصيين، ما يطرح أيضا إشكاليات بشأن مستقبل هذا الفرع من الصحافة.

ويقول رئيس اتحاد الصحافيين الألمان فرانك أوبرال “قراء كثر لا يزالون يرغبون في أن يتمتعوا بملمس الصحف الورقية”، خصوصا لدى المسنين الذين يشكلون الأكثرية السكانية في ألمانيا.

ويشير الاتحاد إلى أن 22 في المئة فقط من الأشخاص فوق سن الخمسين يبدون استعدادا للتعوّد على قراءة الصحف بنسخها الإلكترونية.

وهذه الإشكالية التي تقع فيها دور النشر التي تعتمد على مداخيل اشتراكاتها الورقية لكنها ترغب في التحرر منها بسبب تكاليف التوزيع الباهظة، فيما من غير الممكن استقطاب الفئات الشابة وبالتالي زيادة الزبائن إلا بالمنتجات الرقمية.

وتقول أنيا باسكاي “سنصل إلى مرحلة لن نتمكن فيها من إيصال الصحف إلى بعض المناطق بسبب تكاليف التوزيع”، لافتة إلى أن 40 في المئة من المناطق ستصبح في هذه الدائرة في السنوات الخمس المقبلة.

وترى باسكاي أن الحفاظ على المشتركين سيتطلب على الأرجح تقديم عروض هجينة تمزج بين الاشتراكات الرقمية والصحف الورقية.

ولا تزال ألمانيا تضم 327 صحيفة يومية يباع منها حوالي 14 مليون نسخة كل يوم، بحسب بيانات رسمية نشرت العام الماضي، رغم التراجع المتواصل في السنوات الأخيرة. ويضاف إليها 17 صحيفة أسبوعية وست نسخ للصحف اليومية تصدر أيام الآحاد.

وتتقدم البلاد بفارق كبير على بريطانيا (أكثر من تسعة ملايين نسخة يوميا) وفرنسا (6 ملايين نسخة).

ويعتبر ناشر مجلة “ستيرن” الإخبارية فرانك تومسن، أن أزمة كوفيد – 19 أوجدت حاجة للحصول على معلومات موثوقة كما أدت إلى “نهضة في وسائل الإعلام الكلاسيكية”.

18