نجاة بلقاسم وزيرة فرنسية مصفحة ضد الهجمات العنصرية

السبت 2016/02/13
مغربية مهاجرة تحذر من تآكل العلمانية في الغرب

عمّان - قالت نجاة بلقاسم، وزيرة التعليم الفرنسية أن مبدأ العلمانية الفرنسى يتلاعب به السياسيون، ويتم استغلاله بشكل خاطئ لمهاجمة الإسلام، الأمر الذي يؤثر على طلاب المدارس ويجعلهم مرتبكين. وأضافت بلقاسم في حوار خاص لصحيفة “الجارديان” البريطانية أن الهجمات الإرهابية التي شهدتها فرنسا العام الماضي، دفعت باريس إلى تعديل تدريس العلمانية والقيم المدنية في إطار اتجاه الدولة لمواجهة الإرهاب والتشدد. ونقلت عن بلقاسم قولها “تجب إعادة صياغة مفهوم العلمانية. حتى نتمكن من الشرح لتلاميذنا أنه مهما كان دينهم، فهم ينتمون إلى الفكرة نفسها وليسوا معزولين عنها، فالعلمانية ليست ضدهم، وإنما تحميهم”. وعبرت الوزيرة الشابة، عن خشيتها من تآكل العلمانية في الغرب.

تربية الشعب

ليس غريبا أن تتعرض نجاة فالو بلقاسم التي تجمع في جيناتها الهويتين المغربية والجزائرية إلى حملات عنصرية شرسة من جانب بعض أوساط اليمين الفرنسي وصحفه ومجلاته. لأن هذا اليمين، الكاره للاندماج والتعايش في بلد مثل فرنسا، بل معظم اوروبا، ما زال يعيش بعقلية القرون الوسطى وثقافتها. وهي الأزمنة التي تجسد نموذجا في التخلف والاضطهاد والحروب الدموية، ولكن الغريب هو استمرار الهجوم على مدار السنوات الأربع الماضية منذ استلامها منصبها الوزاري.

وصلت تلك الانتقادات ذروتها حين اختارت مجلة “فالور أكتويل” أن تصف بلقاسم بـ”آية الله” متهمة إياها بأنها تهدف إلى “إعادة تربية الشعب وفق منظورها الإسلامي”، أما اليمين المتطرف، فقد وصف قرار تعيينها على رأس وزارة التربية بالاستفزازي من قبل الرئيس فرانسوا هولاند.

وجاءت هذه الحملة العنيفة بعدما عبرت بعض الأصوات اليمينية عن انتقادات لاذعة لشخص نجاة بلقاسم على شبكات التواصل الاجتماعي كان لها أثر كبير على الرأي العام الفرنسي. بينما تعيش الحكومة الفرنسية أزمة سياسية خطيرة بعدما انفصلت عنها شخصيات نافذة في اليسار مثل وزير الاقتصاد السابق أرنو مونت بور ووزير التربية الوطنية السابق، وبونوا هامون ووزيرة الثقافة والإعلام السابقة أوريلي فليبيتي، وكان آخر المستقيلين الوزير لوران فابيوس وزير الخارجية. وقد ذهب بعض المهاجمين اليمينيين إلى حد التساؤل عن “التنازلات” التي قدّمتها نجاة فالو بلقاسم للرئيس هولاند لكي يختارها في هذا المنصب في إشارة ضمنية لتنازلات غير مهنية.

الانتقادات العنصرية التي توجه إلى بلقاسم بلغت ذروتها حين اختارت مجلة "فالور أكتويل" أن تصف بلقاسم بـ"آية الله" متهمة إياها بأنها تهدف إلى "إعادة تربية الشعب وفق منظورها الإسلامي"، أما اليمين المتطرف، فقد وصف قرار تعيينها على رأس وزارة التربية بالاستفزازي من قبل الرئيس فرانسوا هولاند

شاءت سخرية الأقدار وغرابة المنطق السياسي، أن تستحوذ بلقاسم على الأضواء، في الوقت الذي كان السبب الرئيسي في الأزمة الحكومية الحالية هو الخلاف بين أجنحة اليسار الحاكم على نوعية السياسة الاقتصادية التي يتوجّب اتّباعها لحل معضلة البطالة المزمنة، والتوقف الملحوظ لعجلة النمو الاقتصادي في البلاد. وقد أعطى اليمين المعارض الانطباع أنه يعتبر نجاة فالو بلقاسم بمثابة الشماعة التي يعلق عليها انتقاداته لحكومة مانويل فالس، في الوقت الذي أفرغت فيه مقاربة فالس أمام أرباب العمل ووزير اقتصاده إيمانويل ماكرون مضمون الخطة العدائية التي كان اليمين يهيئها لإضعاف الأداء الحكومي للرئيس فرنسوا هولاند. وإذا بالجدل السياسي يترك المستوى الاقتصادي المحض ليركز على مواضيع اجتماعية بطلتها اليوم وغداً الوزير نـجاة فالو بلقاسم.

يسارية حتى النخاع

بدأت بلقاسم حياتها المهنية كمستشارة قانونية في مكتب محاماة في مجلس الدولة، وفي محكمة النقض، حيث أمضت ثلاث سنوات هناك، وكانت انتخابات فرنسا عام 2002 نقطة تحول بالنسبة إليها، حيث أصابتها لعنة السياسة حين تمكّن المرشح الرئاسي للجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة من اكتساب ما يكفي من الأصوات لدخول جولة الإعادة، فانضمّت إلى الحزب الاشتراكي الفرنسي على أمل أن تحدث فرقا ما، وقالت فالو بلقاسم عن تلك الأيام في مقابلة صحفية مع صحيفة التايمز “كنت خجولة ومتحفظة للغاية، ولذلك كان أمرا يتعارض مع شخصيّتي أن أنخرط في العمل السياسي، لكنّني قررت أن أعلن التزامي مدى الحياة بمحاربة الظلم الاجتماعي، ومناهضة عدم المساواة، وكان ذلك هو السبب وراء كوني يسارية حتى النخاع”.

شغلت بلقاسم مناصب عدة داخل الحزب الاشتراكي. وكانت ثالث ناطقة رسمية لحملة سيغولين روايال في الانتخابات الرئاسية 2007، كما شاركت في العديد من المهرجانات الانتخابية والحوارات السياسية، ودافعت عن مرشح الحزب فرانسوا هولاند بقوة، برفقة أوريلي فليبيتي ومسؤولين آخرين.

وبعد فوز هولاند في الانتخابات الرئاسية في مايو 2012، تم تعيينها وزيرة لحقوق المرأة والناطقة الرسمية باسم الحكومة، لتكون بذلك أصغر وزيرة سناً في حكومة جان مارك إيرولت.

في العام 2013 أنشأت بلقاسم “المجلس الأعلى للمساواة بين الرجال والنساء”، وهي هيئة تدافع عن مبدأ المساواة بين الجنسين في جميع مجالات الحياة. وفي العام 2014 تم تعيينها وزيرة لحقوق المرأة والمدينة والرياضة والشباب في حكومة مانويل فالس، السابقة، ثم وزيرة للتربية في الحكومة الحالية.

فرنسا تقدم للعالم صورة شابة مسلمة عربية أنيقة وجميلة باعتبارها وزيرة للتربية، في الوقت الذي تتسابق فيه وكالات الأنباء العالمية إلى ترويج أخبار إقامة سوق لبيع النساء كجوار على يد داعش.

إصلاحات سيدة التربية والتعليم

مسار إصلاحي جديد في قطاع التربية بفرنسا يخص الأقسام الإعدادية تقوده الوزيرة بلقاسم، يثير الجدل والانقسام وسط الأسرة التربوية التي نظمت إضرابا للضغط على الحكومة الاشتراكية للتراجع عنه، ولكن بلقاسم تمسكت بمشروعها رغم كل شيء. ورغم معارضة العديد من النقابات العمالية وجمعيات أولياء التلاميذ الذين يتخوفون من نتائجه على التلاميذ ويعيبون على الوزيرة عدم استشارتهم عند سن هذا الإصلاح وعدم إتاحة الوقت الكافي لمناقشته مسبقا.

الإصلاحات الجديدة التي صادق عليها المجلس الأعلى للتربية في العاشر من شهر أبريل 2015، والتي من المقرر العمل بها اعتبارا من الدخول المدرسي للعام الحالي 2016، تخص الأقسام الإعدادية من الصف الأول حتى الصف السادس، ومن النصوص التي يقوم عليها هذا المشروع، السماح لكل مدرسة بوضع برنامجها الخاص في 20 بالمئة من وقتها الدراسي. أي بمعدل أربع ساعات كل أسبوع. وتخصص للعمل وفق مجموعات صغيرة، بالإضافة إلى تقديم دعم شخصي لكل تلميذ منذ الأقسام الأولى بعدما كان حصريا على تلاميذ الصف السادس، وتقديم دروس عملية متخصصة وكذا تعليم لغة حية ثانية اعتبارا من الصف الخامس. ويقوم هذا الإصلاح التربوي الجديد الذي تدافع عنه نجاة فالو بلقاسم بقوة وتلقى دعم رئيس الحكومة مانويل فالس، بخلق 4000 وظيفة شغل جديدة.

وزيرة في زمن داعش

نجاة بلقاسم ليست المرأة العربية المسلمة الأولى التي تعين في منصب فرنسي رفيع. بل إنها ليست المرة الأولى التي تعين فيها بلقاسم نفسها بمنصب وزاري. ولكن من الواضح أن تعيينها هذه المرة يجيء وسط فضاء إعلامي مشحون ما بين العرب والغرب. وقد تغذّى هذا الوسط بأخبار كثيرة محورها الإساءة للمرأة هنا وهناك، أبرزها على سبيل المثال تصرفات تنظيم ما يسمى بالدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش) تجاه المرأة. ففي الوقت الذي تقدم فيه فرنسا للعالم صورة شابة عربية أنيقة وجميلة باعتبارها وزيرة للتربية، تتسابق وكالات الأنباء العالمية على ترويج أخبار إقامة سوق لبيع النساء كجوارٍ في شمال العراق على يد داعش. وصورة أخرى لرجم امرأة لم توضّح تهمتها. وصور كثيرة عن عقوبات لنساء لم يلتزمن بالحجاب الإسلامي، والغريب أن العرب والمسلمين الذين شعروا بالحسرة وهم يتابعون أخبار نجاة بلقاسم، ويشيدون بحكومة فرنسا التي لم تحفل بأصل تلك المرأة ولا خلفيتها العرقية أو الدينية وهي تسلمها أحد أخطر ملفات الدولة الحديثة وهو ملف التربية، تابعوا لاحقا وباستغراب الموجة العنصرية التي اندلعت ضدها من قبل بعض التيارات السياسية في فرنسا نفسها.

بلقاسم ترى أنه وجوب إعادة صياغة مفهوم العلمانية حتى "نتمكن من الشرح لتلاميذنا أنه مهما كان دينهم، فهم ينتمون إلى الفكرة نفسها، وليسوا معزولين عنها، فالعلمانية ليست ضدهم، وإنما تحميهم"

جنسية المهاجرين

في الذكرى الأولى للهجوم الإرهابي الذي استهدف مقر صحيفة “تشارلي إيبدو” الساخرة توجهت حكومة مانويل فالس نحو إسقاط الجنسية الفرنسية عن المواطنين مزدوجي الجنسية ممن جرت إدانتهم في قضايا الإرهاب، وعن ذلك صرحت بلقاسم، أنه بالرغم من امتلاكها الجنسيتين المغربية والفرنسية إلا أنها غير معنية بهذا القرار الذي تتجه الحكومة الفرنسية نحو تبنّيه، وأضافت وزيرة التربية الوطنية، في حديثها على قناة “ال سي بي” الفرنسية، أن رئيس الجمهورية الخامسة فرانسوا هولاند كان على صواب عندما اعتبر أن الجنسية الفرنسية بمثابة شيء ثمين يمكن أن يفقده كل من تسوّل له نفسه ارتكاب أفعال دنيئة كالإرهاب، موضحة “بصفتي من أصحاب الجنسية المزدوجة، فأنا لا أشعر بنفسي معنية بالقرارات التي يجري اتخاذها في حق الإرهابيين”.

يذكر أن قرار إسقاط الجنسية عن المواطنين مزدوجي الجنسية المدانين في قضايا الإرهاب، قد أثار موجة جدل واسعة انخرط فيها مغاربة الأصل، على رأسهم الإعلامي المغربي الفرنسي علي بادو، الذي كتب في تغريدة له على موقع التواصل الاجتماعي تويتر “لطالما اعتقدت أن امتلاك جنسيتين هو بمثابة ثروة، لأكتشف اليوم أنه أضحى مشكلا”.

وفي الوقت الذي تعترف فيه بلقاسم أن مسارها يبدو غير اعتيادي بالنسبة إلى كونها من المهاجرين إلى فرنسا، إلا أنها تشجع باقي الأطفال المهاجرين على عدم التخلي عن أحلامهم، فهي ترى أنه ليس عيبا أن نفشل طالما أننا نستمر في المحاولة، وهي التي تسير على مقولة أمّها لها منذ صغرها، التي تقول “لا تقلقي، إن في الحياة خيالا وأحلاما أكبر ممّا تتصورين”.

صديقة الكتب

نجاة بلقاسم هي الثانية في أسرة مكوّنة من سبعة أولاد، لأب مغربي وأم جزائرية، ولدت في خريف العام 1977 في قرية بني شيكر، وهي منطقة أمازيغية تقع شمال المغرب، وقد عاشت فيها على غرار أبناء جيلها حياة أبناء القرى إلى حين بلوغها الرابعة، حيث قامت لفترة غير قصيرة برعي ماعز العائلة رفقة جدها، لتلتحق بوالدها، الذي كان عامل بناء، إلى فرنسا عام 1982، وعمرها لا يتجاوز خمس سنوات، برفقة والدتها وشقيقتها الكبيرة، واستقرت في مدينة أميان.

كان والد فالو بلقاسم صارما. إذ لم يكن يسمح لها بمقابلة الشبان، فكانت الكتب ملاذها الوحيد، حيث وفّرت قلة أنشطة أوقات الفراغ الفرصة للتفوق الدراسي. تابعت تحصيلها العلمي إلى أن نالت شهادة ليسانس في الحقوق، ثم التحقت عام 2000 بمعهد العلوم السياسية في باريس.

وبعد انتهاء دراستها، تزوّجت ببوريس فالو عام 2005، الذي عمل كأمين عام في منطقة “سون إيلوار”، ومدير ديوان مكتب الوزير الفرنسي السابق أرنو مونتبور.

14