نجاح إندونيسيا في تقويض المتطرفين يفتت محاولات تكوين خلايا جديدة

جاكرتا تحاشت عيوب التجربة المصرية في مراجعات الإسلاميين، والمعارك الفكرية دعمت الجانب الوطني على حساب التشدد.
الاثنين 2018/09/10
تيار جارف استطاعت إندونيسيا التقليل من منسوبه

التجربة الإندونيسية في مواجهة المتطرفين وإعادة تأهيل أسرهم، أضفت بعدا جديدا في التعامل مع ملف الإرهاب. وساهم إعلاء الجانب الوطني وتغيير دفة الانتماء من التشدد إلى محاذاة الوطن في تفتيت الخلايا العنقودية الصغيرة المختبئة بين المدن الإندونيسية الكبرى

القاهرة – أشاد مسؤولون في السفارة الإندونيسية بالقاهرة مؤخرا، بما تحقق في بلادهم من تقدم على صعيد محاصرة الجماعات الإسلامية المتطرفة فكريا، وأنهم أخمدوا نيران تنظيم داعش الذي أراد إشعالها في جاكرتا وغيرها من المدن الكبيرة.

وأوضح هؤلاء أنهم كانوا يريدون استقطاب عدد من المتشددين فيها، وتكوين خلايا عنقودية متباينة تتحرك عند ساعة معينة، لهدم النموذج الإندونيسي الذي يقوم على التعايش والتسامح وله خصوصية قد لا توجد في مكان آخر، ما يهدم الكثير من المنطلقات التي تتبناها جماعات متطرفة.

علمت “العرب” من مسؤول كبير في السفارة أن المهتمين بتفتيت الظواهر الإسلامية المتشددة، ساهموا بدور في وقف تصاعد العنف هناك، من خلال الحوارات التي جرت في بعض السجون في إندونيسيا مع من يتبنون أفكارا متشددة.

لم ألق بالا بما قاله الرجل واعتبرته من قبيل المجاملة الرقيقة، فزياراتي لإندونيسيا ولقاءاتي مع بعض المتطرفين كانت في صميم اهتمامي، لكن قصة الحوارات في جاكرتا وغيرها يمكن أن تلقي الضوء على الحالة الإسلامية في إندونيسيا.

تنظر جاكرتا إلى القاهرة على أنها كانت رأس حربة في مكافحة الإرهاب طوال السنوات الماضية، والمسؤولون فيها يتعاملون مع من يأتي إليهم من مصر بتقدير وكأنه ممثل حكومي، حتى لو كان صحافيا أو باحثا وليست لديه علاقة بجهات رسمية.

كانت تجربة محاورة متطرفين داخل السجون جديدة ومثيرة بالنسبة لي، بينما لم تكن كذلك بالنسبة لرفيقي في رحلاتنا المتعاقبة إلى جاكرتا، الدكتور ناجح إبراهيم، وهو من مؤسسي الجماعة الإسلامية المصرية، وأحد مهندسي مبادرة وقف العنف، ومؤلف غالبية كتب المراجعات الفكرية، وسبق له أن دار على السجون المصرية لإقناع أعضاء الجماعة بسلامة هذا التحول المنهجي من الناحية الشرعية.

 اختيار القائمين على هذا البرنامج الذي انطلق في العام 2012، يعود إلى ما كان يدور على موقع الجماعة الإسلامية المصرية على الإنترنت من معارك فكرية خضناها معا (أنا وناجح) لإتمام المراجعات بحل الإشكاليات العالقة والتي لم يحصل الإجماع عليها بشأن الموقف من قضايا الحاكمية والخلافة والموقف من التيارات الفكرية في الساحة ومن الرموز الوطنية، من يساريين وليبراليين، علاوة على قادة سياسيين وعسكريين.

تبين من التعليقات والمقالات المضادة على الموقع الذي أصبح النافذة الوحيدة لنشاط الجماعة بعد إطلاق سراح أعضائها أن هناك جناحا داخلها يرفض هذا التوجه، وظهر التيار الذي حرص على إنجاح تجربة المراجعات وحل إشكالياتها متمايزا للمتابعين والمراقبين في الخارج بكتاباته وطبيعة طرحه.

عرفت من التجربة أن أعضاء الجماعات في إندونيسيا وهم بالسجون مطلعون على تفاصيل ما يدور من جدل بين قادة الجماعة الإسلامية المصرية، ومن بين أسباب الانقسام وتعدد الأجنحة في المشهد الإندونيسي أن هناك من يتبنى موقف الجناح المتشدد داخل الجماعة المصرية، والتعامل مع المبادرة كإجراء سياسي تكتيكي أكثر منه منهجي فكري، بما يتيح إلقاء السلاح وحل الأجنحة المسلحة والسرية مع البقاء على نفس القناعات الفكرية القديمة.

أضاف ظهور داعش بعدا جديدا للانقسام، وأصبح المشهد يتراوح بين تيارين كبيرين أحدهما تقليدي، متأثر بتجربة ومنهج الجماعة الإسلامية المصرية وغالبيته من أتباع أبي بكر باعشير وعبدالله سونكار وداخله تنوعات متباينة المواقف بشأن تفاصيل المعالجات الفكرية، والآخر تيار جديد يتبنى الأفكار الأكثر تشددا ويتزعمه القيادي الداعشي أمان عبدالرحمن الذي حُكم عليه بالإعدام مؤخرا.

نجاح تجربة المراجعات والمصالحات  في إندونيسيا يرجع في جزء منه إلى الارتباط صعودا ونزولا بالتجربة المصرية الناجحة نسبيا

كان التحدي الأكبر هو الحوار مع المنتمين إلى تنظيم داعش الذي عمد إلى رفض لقاءاتنا مع أعضائه من الشباب والاكتفاء بدخول قادته فقط في مناظرات فكرية مع الزائرين من الشرق الأوسط والتي شهدت جولات ملتهبة من الجدل الفكري والفقهي، وغالبا ما كانت تنتهي بانسحاب القائد الداعشي وهو التصرف الذي كرره أمان عبدالرحمن كثيرا، بينما أظهر باعشير، قدرا من الاحترام لمحاوريه.

أثمرت التجربة عموما توبة غالبية المنتمين إلى تيار عُرف بالجماعة الإسلامية الإندونيسية وكان يسعى لإعلان الخلافة في إندونيسيا. ومن بين ثلاثة آلاف عضو تحول نحو ألفين وسبعمئة وخمسين إلى التوجه الوطني.

وصف مصعب مقدس الملحق الدبلوماسي بالسفارة الإندونيسية بالقاهرة البرنامج بالمتكامل، وتضمن إجراء جلسات حوار فكرية مكثفة ومطولة على مدى سنوات، استنادا إلى خطة توخت توفير عوامل النجاح خاصة تلك المتعلقة بهوية المشاركين في النقاشات، وأن تأثير منهج الجماعة الإسلامية المصرية السابق سهّل مهمة رموزها الذين تم استدعاؤهم لتوضيح خطأ التصورات القديمة.

أوضح مقدس لـ”العرب” أن البرنامج يتضمن شقا اجتماعيا وتربويا عبر رعاية أولاد الإرهابيين السابقين، حيث تم إنشاء معهد الهداية بإحدى مقاطعات محافظة سومطرة الشمالية والمخصص لهذا الغرض، علاوة على تأهيل هؤلاء الأشخاص ودمجهم في المجتمع وتوفير فرص عمل جيدة لهم.

يرجع نجاح تجربة المراجعات في إندونيسيا في جزء منه إلى الارتباط صعودا ونزولا بالتجربة المصرية، فالجماعة الإندونيسية استقت أيديولوجيتها الموضوعة بعنوان “المبادئ التوجيهية لتطبيق الإسلام وفقا للقرآن والسنة” من كتاب “ميثاق العمل الإسلامي”، الذي يحوي منهج عمل الجماعة الإسلامية المصرية، وصاغه قادتها في السجن عام 1985 تحت إشراف زعيمها الروحي عمر عبدالرحمن.

تطور الارتباط أثناء الحرب الأفغانية عندما اختلط قادة وأعضاء الجماعتين داخل معسكر الجماعة المصرية الذي أقامته بخوست في العام 1987، ووجد الإندونيسيون أن الجماعة الإسلامية أقرب إليهم من جماعة الإخوان، حيث تتبنى الآراء الفقهية الصارمة حتى في الفروع والمسائل الخلافية، وعاد جهاديو إندونيسيا من الحرب أكثر قناعة بأن منهج الجماعة المصرية الأقدر على تحقيق هدف إقامة الدولة الإسلامية.

أدت المراجعات التي أجراها قادة الجماعة الإسلامية المصرية بمعزل عن رفاقهم المنحازين لفكر تنظيمي الجهاد والقاعدة عام 1997، إلى انشقاق داخل الجماعة ما دفع عناصر بها إلى ارتكاب مذبحة الدير البحري في الأقصر (جنوب مصر) وراح ضحيتها نحو 65 سائحا لإفشال المصالحة وإحراج الحكومة وإفساد الثقة التي منحت لقادة الجماعة.

حاول جهاديو إندونيسيا من ذوي التكتيك الدموي إفشال تسرب فكر المراجعات ومنهج تحولات النسخة المصرية، وحرص الجناح المتشدد على امتلاك النفوذ والاستقلال، وارتكبوا مذبحة بالي التي راح ضحيتها أكثر من مئتي شخص عام 2002، لضرب مسار المراجعات والمصالحة.

وكما كانت مذبحة الأقصر منطلقا للتمايز بين تيار الموالين للقاعدة والآخر الملتزم بتطوير فكر الجماعة وتصحيحه بمنهج المراجعات، صارت كذلك مذبحة بالي في النسخة الإندونيسية، حيث تمايز جناحان، الأول قاعدي بدأ تحت عنوان “مجلس مجاهدي إندونيسيا”، والآخر هو الكيان الذي أسسه باعشير، كامتداد للجماعة الإسلامية تحت عنوان “أنصار التوحيد” في يوليو من العام 2008.

تخدم الهجمات الإرهابية منذ اعتداء ديسمبر عام 2012 على الحفلات الموسيقية والكنائس أهداف الجناح المنشق الرافض للمراجعات، والذي انتهى مصيره في أحضان داعش ويديره من محبسه أمان عبدالرحمن، وتصب في مصلحة جماعة الإخوان وحزب التحرير اللذين شكلا تحالفا يهدف إلى إسقاط السلطة القائمة.

وبعد حظر نشاط حزب التحرير، أتيح لجماعة الإخوان اللعب بأوراق بعضها سياسي والآخر عسكري عبر نشاط داعش، علاوة على التجاذبات اليومية بين أنصار النظام وأنصار الجماعة في الشارع والتي وصلت إلى الاشتباكات العنيفة.

كان المدخل الرئيسي إقناع المريدين والأتباع بالتحولات الفكرية عبر نفس القادة المنتجين لمنهج العنف القديم، بصرف النشاط إلى الدعوة السلمية عبر المساجد دون التدخل في الشأن السياسي، أما ما يتعلق بالجهاد والحرب فهو من اختصاص جيش الدولة ضد الغزو والاعتداء الخارجي.

13