نجاح التعامل مع أسر المتطرفين يحد من مخاطر الإرهاب في مصر

قوانين معاقبة المتسترين تضيّق الخناق على الإرهاب، والإفراج عن سجناء قدامى يوقع متورطين جددا في جرائم الإرهاب.
الاثنين 2018/08/20
مصر في طريقها إلى التعافي من الإرهاب

تعديلات في نصوص قانونية أقدمت عليها السلطات المصرية، كان هدفها اللحاق بالتغيرات الجذرية التي حدثت لتنظيم الإخوان بعد ثبوت تورطه في أعمال عنف عديدة، ما أفضى إلى الحاجة للتعامل مع الجماعة بصورة أشد صرامة. كما أثبتت التشريعات الجديدة في قانون العقوبات بأن الإرهاب يمكن محاصرته وفق ما يمكن تسميته بـ“استراتيجية قانونية” شديدة الدقة والارتباط بواقع المجتمع

القاهرة – نجحت الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية للتعامل مع الأطراف المحيطة بالعناصر المتطرفة في تقليص خطر الإرهاب، وتبين أن غالبية الخلايا التي ضبطتها قوات الأمن مؤخرا كانت صغيرة العدد ومحدودة الإمكانيات وتفاعلاتها محصورة في بيئة صغيرة، وهو ما يبرهن على نجاح الجهود المعلوماتية في اختراق الأفراد الذين يشكلون حواضن للدعم المادي واللوجستي.

استطاعت قوات الأمن، الأسبوع الماضي، تحديد البؤرة الإرهابية التي عمدت إلى استهداف إحدى الكنائس في منطقة مسطرد بمحافظة القليوبية (شمال القاهرة)، وألقت القبض على 6 عناصر شكلت بيئة حاضنة للتجهيز للعمل الإرهابي الذي فشل في الوصول إلى هدفه واضطر منفذ العملية لتفجير نفسه على مسافة من الكنسية ما أسفر عن مقتله، وإصابة 11 آخرين.

وألقي القبض على سيّدتين الأولى وفرت الدعم المادي للإرهابي الذي شارك في العملية، والثانية أخت لأحد المساهمين في مراقبة تواجد العناصر الإرهابية بالقرب من الكنيسة وكانت مشاركة في الإعداد، وقاد من تم القبض عليهم إلى الكشف عن معلومات مهمة، ساهمت في سدّ بعض الثغرات وأرشدت للتعرف على أشخاص آخرين.

وتشير إحصاءات وزارة الداخلية إلى أنها ضبطت خلال العام المنقضي 12 خلية إرهابية، فيما نجحت في إحباط 76 عملية إرهابية أخرى، وتقلصت معدلات العمليات بنسبة 85 بالمئة خلال العام الجاري مقارنة بالعام 2014، وغالبيتها كانت بناء على معلومات سابقة من أسر الإرهابيين.

وقالت مصادر أمنية لـ“العرب”، إن تعامل أجهزة الأمن مع البيئة المحيطة بالإرهابيين شمل محاور عدة، أهمها الإجراءات القانونية التي استهدفت تشديد العقوبات على داعمي العناصر الإرهابية والمتسترين عليهم، وزرع عناصر سرية في المناطق التي تشكل بؤرة انطلاق العناصر المتطرفة، ونشر ثقافة التفاعل الشعبي مع قوات الأمن.

وكان التعامل مع الأشخاص المتهمين في قضايا عدة، ممن قضوا عقوبتهم أو أفرجت قوات الأمن عنهم بعد ثبوت عدم ارتكابهم جرائم إرهابية، أحد المحاور الهامة في اختراق الخلايا الصغيرة والوصول إلى أعضائها وتفكيكها.

وذكر المصدر ذاته، أن العديد من قضايا الإرهاب، سواء كانت جنائية أو عسكرية، ساهمت في جمع أكبر قدر من المعلومات بشأن الأفراد المتعاملين مع العناصر الإرهابية، وأن استدعاء الشهود من أهالي المتهمين أو جيرانهم أو معارفهم في ظل وجود قانون الإرهاب الذي يعاقب المتسترين على الإرهابيين كان دافعا نحو الوصول إلى معلومات هائلة بشأن الخلايا الإرهابية.

على مدار السنوات الماضية أدخل المشرّع المصري جملة من القوانين الجديدة التي تستهدف فرض عقوبات جنائية تستهدف المتسترين على الإرهابيين، ويعاقب وفق قانون الإرهاب الصادر في العام 2015 المتسترين والداعمين للعناصر المتطرفة بنفس معاملة مرتكبي الجريمة الإرهابية.

إجراءات اتخذتها الحكومة المصرية للتعامل مع الأطراف المحيطة بالعناصر المتطرفة نجحت في تقليص خطر الإرهاب

ونص القانون على أنه “يعاقب باعتباره شريكًا كل من سهّل لإرهابي أو لجماعة إرهابية بأي وسيلة مباشرة أو غير مباشرة ارتكاب أي جريمة إرهابية أو الإعداد لارتكابها أو وفّر مع علمه بذلك لمرتكبها سكنا أو مأوى أو مكانا للاختفاء أو لاستخدامه في الاجتماعات أو غير ذلك من التسهيلات، وتضمنت العقوبة أن يتم معاقبة المتهمين بالتستر على إرهابيين بالسجن المشدد مدة لا تقل عن عشر سنوات”.

وكل شخص يعلم بحكم وظيفته أو مهنته الدائمة أو المؤقتة بوقوع الجريمة ولا يبلّغ عنها السلطات المختصة في الوقت الملائم، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى خمس سنوات وغرامة من 50 ألف جنيه إلى 500 ألف جنيه (من 3 آلاف دولار إلى 30 ألف دولار)، وأشار القانون لصرف مكافآت مالية لمن يبلّغ عن هارب من العدالة.

وقال اللواء مجدي البسيوني، الخبير الأمني، إن الشرطة المصرية ضبطت على مدار السنوات الماضية المئات من المتهمين الذين وفروا البيئة الخصبة للتجهيز لعمليات إرهابية، وأعداد كبيرة منهم تنتمي إلى خلايا خططت لارتكاب تلك العمليات، ومراقبة المحرضين والمشجعين على ارتكاب أعمال عنف من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.

وأضاف لـ“العرب”، أن الأمن المصري نجح في تكوين خرائط معلوماتية حديثة عن تحركات الخلايا الصغيرة من خلال مراقبة الأفراد الذين تربطهم صلات بالعناصر الإرهابية التي نفذت العمليات، بالإضافة إلى متابعة تحركات الأشخاص المفرج عنهم وفي بعض الأحيان توظفيهم كمصادر سرية.

ويبدو أن هناك خطة تستهدف تقليص أعداد السجناء في مقابل الاستفادة منهم في الوصول إلى خيوط الخلايا الإرهابية التي استقطبتهم في السابق، وخلال شهر يونيو الماضي حصل 2110 سجينا على عفو رئاسي، بالإضافة إلى 677 إفراجا شرطيا بعد انقضاء نصف فترة العقوبة، ومن المتوقع زيادة الرقم مع نهاية العام الجاري.

ولفت البسيوني إلى أن تحسن الأوضاع الأمنية كان دافعا للإفراج عن المئات من السجناء، لأن تلك القرارات تصدر بناء على دراسات أمنية تتأكد من عدم انجراف تلك العناصر إلى العنف مرة أخرى، وتخضع لرقابة شرطية صارمة لمدة قد تصل إلى خمس سنوات أو أكثر، من خلالها تتعرف أجهزة الأمن على طبيعة الأشخاص الذين تتعامل معهم وقد تكون لهم علاقة بتنظيمات إرهابية.

وأقر البرلمان المصري تعديلات على قانون العقوبات في مارس الماضي، تضمنت استحداث فقرة تقر بسجن كل من علم بارتكاب جريمة حيازة وتصنيع مفرقعات ومواد متفجرة واستخدمها في العمليات الإرهابية، بمن فيهم أقارب الدرجة الأولى.

ويستهدف القانون إحداث اختراق في الانغلاق المجتمعي الذي وضعته الجماعات المتشددة على أفرادها، وهو أمر ينطلق من الفكرة التي أسس عليها حسن البنا تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، وقامت على تعزيز روح الانتماء إليها والتوحد الفكري والوجداني بداخلها قبل أن تتحول إلى تنظيم عنقودي معقد.

وترمي التعديلات إلى اللحاق بالتغيرات الجذرية التي حدثت لتنظيم الإخوان بعد ثبوت تورطه في أعمال عنف عديدة، ما أفضى إلى الحاجة للتعامل مع الجماعة بصورة أشد صرامة.

وأوضح محمد أبوحامد، عضو البرلمان المصري لـ“العرب”، أن نتائج العملية الشاملة في سيناء، والتي بدأت في شهر فبراير وما زالت مستمرة، أظهرت أن هناك آلالاف من الأوكار التي توصلت إليها قوات الأمن تقع في ممتلكات خاصة بأسر العناصر الإرهابية داخل نطاق مدينة العريش (شمال سيناء) المأهولة بالسكان والتي استخدمها الإرهابيون كقواعد انطلاق لهم، ما يبرهن على وجود حاضنة مجتمعية تسمح لهم بالتحرك والانتشار.

وأثار القانون جدلا بين من يرون أنه يقصف العمود الفقري لجماعات الإسلام السياسي القائمة على مبدأ المصاهرة الداخلية، ومن شددوا على ضرورة احتواء الأسر لأفرادها لعدم استقطابهم من التنظيمات الإرهابية وتجنب معاقبتهم بذنوب الأبناء، لكنه يعد من أسلحة الردع التي استفادت منها الأجهزة الأمنية.

وأكد خالد الزعفراني، القيادي السابق بجماعة الإخوان، أن تعامل الأمن المصري مع البيئة المحيطة بالعناصر الإرهابية حقق نتائج إيجابية على مستوى الخلايا العنقودية الصغيرة التي لا تتوفر لديها التعقيدات الاجتماعية كالتي يقوم على أساسها تنظيم الإخوان، ما انعكس بالإيجاب على قدرة قوات الأمن على إجهاض العمليات الإرهابية.

وأضاف في تصريحات لـ“العرب”، أن التشديدات القانونية ساهمت بشكل عام في اختراق المناطق التي كانت تسيطر عليها التنظيمات الإرهابية، غير أنها تجد صعوبة في التعامل مع الشباب منذ بداية تمردهم على البيئة المحيطة وقطع علاقتهم بها قبل أن ينخرطوا في ارتكاب أعمال عنف.

13