نجاح المحادثات الاستكشافية مع اليونان رهن بصدق مبادرة تركيا

تفاؤل أوروبي حذر من رغبة أنقرة في طي صفحة الخلافات بعد قرار تركيا وقف تحركاتها للبحث عن الغاز في المياه المتنازع عليها مع اليونان.
الاثنين 2021/01/25
المراوغة لم تعد تأتي أكلا

لاحظ الأوروبيون عزم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على تهدئة العلاقات التي أصبحت مضطربة مع الاتحاد الأوروبي، إلا أنهم حذرون من إعلان النوايا. ويرى مراقبون أن كلاّ من أنقرة وبروكسل تحتاجان إلى خطوات ملموسة للتغلب على مشكلة عدم الثقة، حيث سيقوم كل جانب بإجراء تقييم تدريجي للإنجازات، ويقرر اتخاذ خطوات أكثر أهمية.

أنقرة- بعد انقطاع استمر خمس سنوات تخللته شكاوى نابعة من مطالب متعارضة بأحقية كل طرف في مياه البحر المتوسط، تستأنف تركيا المحادثات مع اليونان الاثنين، في أول اختبار لآمالها في تحسين العلاقات المتدهورة مع الاتحاد الأوروبي.

وبينما يقول دبلوماسيون إن إعادة بناء الثقة مهمة شاقة، فإن المحادثات تأتي بعد قرار تركيا وقف تحركاتها للبحث عن الغاز في المياه المتنازع عليها والتي أغضبت اليونان وقبرص. وكذلك تعقد المباحثات بعد تخفيف حدة التصريحات في ما يتعلق بنزاعات أنقرة الأوسع نطاقا مع الاتحاد الأوروبي. ومن الممكن أن تمهّد المحادثات السبيل لزيارة وشيكة يقوم بها إلى تركيا قيادات من الاتحاد الأوروبي.

ويقول الجانبان إن الإرادة السياسية موجودة لتحسين العلاقات، غير أن التقارب يبدو احتمالا بعيد المنال بعد سنوات من الخلافات حول اللاجئين وحقوق الإنسان، وادعاءات تتعلق بالحقوق البحرية، وتدخلات عسكرية تركية وانقسام جزيرة قبرص. وأبدى جوزيب بوريل المسؤول عن السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي تفاؤلا مشوبا بالحذر، وقال إنه يرى “فرصة سانحة”، غير أنه يتعين على أنقرة “التخلي عن نهج المواجهة” والسعي للحوار.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي اتهم الاتحاد الأوروبي “بالعمى الاستراتيجي” في ما يتعلق بتركيا، لسفراء الاتحاد الأوروبي في أنقرة هذا الشهر، إنه مستعد لتحسين العلاقات. ويؤكد دبلوماسيون أنه سيحتاج ما هو أكثر من مجرد تغيير نبرة تصريحاته، وسحب سفينة الاستكشاف التركية من المياه المتنازع عليها، لإسكات دعوات بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على أنقرة، وهي مسألة سيناقشها قادة الاتحاد في مارس المقبل.

جوزيب بوريل: الفرصة أراها سانحة، لكن يتعين على أنقرة التخلي عن نهج المواجهة
جوزيب بوريل: الفرصة أراها سانحة، لكن يتعين على أنقرة التخلي عن نهج المواجهة

وقال دبلوماسي في بروكسل “لا أرى أي مصالحة كبرى تبعدنا عن المسار الذي نسير فيه الآن. سيستغرق الأمر تحركا ملموسا من تركيا”، مضيفا أنه لا يوجد ما يبرر التفاؤل. وزار وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بروكسل الأسبوع الماضي، في مهمة للحفاظ على ما وصفه بأنه “جو إيجابي” بين أنقرة والاتحاد الأوروبي. وأعلن أوغلو الجمعة عن أن محادثات خاصة بقبرص ستعقد في نيويورك خلال الشهرين المقبلين.

وتأتي جهود أردوغان لبناء جسور مع الشريك التجاري الرئيسي لبلاده، في وقت تواجه فيه حكومته ركودا اقتصاديا. ورغم أن جائحة كوفيد – 19 هي القيد الرئيسي على النمو، فقد كان للتوترات الدولية تداعياتها على الاقتصاد. ووعد أردوغان في معرض رسم مسار اقتصادي جديد في نوفمبر بإصلاحات لنظام القضاء التركي، بعد انتقادات متعددة من الحلفاء الغربيين، الذين يقولون إن سيادة القانون تآكلت في تركيا بعد محاولة انقلاب عام 2016 والحملة التي أعقبتها على المعارضة.

وكانت تركيا تجاهلت عددا من أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، تدعو إلى إطلاق سراح أبرز المعتقلين في البلاد، السياسي الكردي صلاح الدين دمرداش ورجل الأعمال عثمان كافالا. ولم يفصح أردوغان حتى الآن عن الخطوات التي سيتّخذها، لكنه استبعد إخلاء سبيل الرجلين.
وقال الدبلوماسي التركي السابق ورئيس مركز دراسات الاقتصاد والسياسة الخارجية في إسطنبول سنان أولجن، “الشكوك تحيط بالمدى الذي ستكون تركيا مستعدة للذهاب إليه، للوفاء بتوقعات الاتحاد الأوروبي دون أي خطوات (للإصلاح)”. وربما يتوقف تحسين العلاقات مع أوروبا أيضا في جانب منه، على مدى قدرة أنقرة على معالجة الخلافات مع الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة، بعد أن فرضت واشنطن عقوبات على تركيا الشهر الماضي، بسبب إقدامها على شراء نظم دفاعية روسية.

وقبل يوم من تنصيب الرئيس الأميركي جو بايدن، قال وزير الخارجية المعين أنتوني بلينكن، إن واشنطن ستنظر في ما إذا كان من الضروري فرض عقوبات أخرى، واتهم تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي بالتصرف وكأنها ليست حليفا. وفي قمة انعقدت في ديسمبر، قال الاتحاد الأوروبي إنه سينسق رده على تركيا مع الولايات المتحدة، وأكد أن ذلك معناه أن علاقات أنقرة مع واشنطن “ستكون عاملا حاسما في علاقات تركيا مع الغرب بصفة عامة”.

وحتى قبل بدء المحادثات مع أثينا، يختلف الجانبان على الموضوعات التي ستشملها المحادثات، إذ تصر اليونان على الاقتصار على ترسيم الحدود البحرية والمناطق الاقتصادية الخالصة. وقال رئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس للبرلمان الأربعاء، إن أثينا لن تناقش القضايا التي تعتبرها من حقوقها السيادية وإنها ستبدأ المحادثات بالتفاؤل ولكن “دون أي قدر من السذاجة”.

من الممكن أن تمهّد المحادثات السبيل لزيارة وشيكة يقوم بها إلى تركيا قيادات من الاتحاد الأوروبي

وقد استبعدت اليونان بحث أي موضوعات أخرى أثارتها تركيا، بما في ذلك نزع سلاح جزر شرق بحر إيجة، وقالت إن هذه مسألة تتعلق بالحقوق السيادية. كذلك عمدت تركيا إلى وضع خارطة طريق لتطبيع العلاقات مع فرنسا العضو في حلف شمال الأطلسي. وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منتقدا بارزا للتدخل العسكري التركي في ليبيا، وتحدي أنقرة للمطالب البحرية اليونانية والقبرصية.

وفي المقابل اتهم أردوغان ماكرون بأنه ينفذ برنامجا مناهضا للإسلام وشكك في قواه العقلية. وقد عينت تركيا سفيرا جديدا في باريس كان زميلا لماكرون خلال دراسته الجامعية، وقال الدبلوماسي التركي إن زعيمي البلدين تبادلا الرسائل وإن ماكرون اقترح فيها إجراء مكالمة بالفيديو. غير أن مصدرا دبلوماسيا فرنسيا أكد أنه من السابق لأوانه إقرار حدوث تحول في التصرفات التركية. وأضاف المصدر أن باريس ستعمل مع شركائها في ما يتعلق باحتمال فرض عقوبات إلى أن تترجم كلمات تركيا إلى أفعال ملموسة.

5