نجاح سنة أولى حزم في اليمن.. دول الخليج مستعدة للقتال وحدها

الهدنة اليمنية، رغم أنه تم خرقها من قبل الحوثيين، إلا أنها تمثل مقدمة للذهاب إلى طاولة المفاوضات في الكويت، التي ليست سوى تمهيد لمرحلة جديدة سوف يعيشها اليمن بعد أكثر من سنة من الحرب التي خاضها التحالف العربي لإخراج البلاد من أزمة سببها انقلاب الحوثيين الموالين لإيران والمتحالفين مع ميليشيات الرئيس السابق علي عبدالله صالح، هذا ما لخصه حوار أجرته مجلة باري ماتش الفرنسية وموقع شفاف الشرق الأوسط (ميدل ايست ترانسبيرت) مع مايكل نايتس، المحلل العسكري والخبير المتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية في العراق وإيران وبلدان الخليج العربي، الذي أكد أنه لو لم يقم التحالف العربي في اليمن بدوره لكانت كارثة الهيمنة الإيرانية على المنطقة أمرا واقعا.
الأربعاء 2016/04/13
هذه البداية

باريس- “اتخذ الخليجيون قرار الحرب ليقولوا لإيران إنهم مستعدون للقتال للحؤول دون المزيد من توسّع الإيرانيين في سوريا ولبنان والبحرين واليمن. واتخذوا قرار الحرب أيضا ليعلنوا أنه حتى لو أبرمت الولايات المتحدة صلحا مع إيران، فإن دول الخليج مستعدة للقتال وحدها“، بهذا التصريح يلخّص المحلل العسكري الأميركي والخبير في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى مايكل نايتس قراءته لمجريات الوضع في اليمن، ومنطقة الشرق الأوسط، مقدّما توضيحا للرأي العام، الغربي وأيضا العربي، حول التدخل العسكري الذي قادته المملكة العربية السعودية في اليمن، في خطوة كانت محلّ تفاجئ كبير.

وقد عمّم الإعلام الأوروبي والأميركي ومراكز أبحاث غربية عديدة، صورة خاطئة عما يجري في اليمن مفادها أن التحالف “لم يحقق شيئا”، أو أن الخليجيين “الأغنياء” شنّوا حربا على اليمنيين “الفقراء” وأوقعوا بينهم “الآلاف من القتلى”، هذه الصورة لم يقتنع بها البعض على غرار مجلة باري ماتش الفرنسية، التي أجرت حوارا، بالاشتراك مع موقع شفاف الشرق الأوسط، قدّم من خلاله مايكل نايتس توضيحا مفصّلا لعاصفة الحزم في اليمن ونتائجها بمناسبة مرور سنة على انطلاقها. نجاح التحالف العربي في اليمن يظهر في مواطن كثيرة سواء عسكرية، بمستوياتها الثلاثة برا وبحرا وجوا، أو على المستوى السياسي مفاده أن القوة العسكرية للتحالف أجبرت كلا من الحوثيين وميليشيات صالح على الخضوع لإرادة اليمنيين والذهاب إلى المفاوضات التي ترعاها الكويت مع الجانب الشرعي، أي حكومة عبدربه منصور هادي المنتخبة والمعترف بها دوليا.

سنة أولى حرب: أبرز النتائج

القدرات العسكرية للسعودية والإمارات شهدت تطورا كبيرا منذ حرب الخليج في العام 1991 وباتت تلك الدول قادرة الآن على قيادة عملية عسكرية كبرى ومعقّدة، تستغرق سنة أو أكثر.

دول الخليج باتت قادرة على تنفيذ عمليات إنزال برمائية وهجمات بإسقاط مظليين وعمليات حصار بحري وعمليات اقتحام بالدبابات والمدرعات بأسلوب “البليتزكريغ”، علاوة على القيام بعمليات دفاعية ضد الهجمات بالصواريخ.

الاستخدام المحدود والنسبي لقوات برّية تابعة لدول التحالف الخليجي، لعب دورا إيجابيا وحاسما في عدد من الجبهات التي جرى خوض القتال فيها في وقت واحد، وأسفر عن تعزيز سيطرة الحكومة الشرعية على مدينتين من أصل أكبر ثلاث مدن في اليمن، وأرغم الحوثيين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، في وقت تهدّد قوات التحالف الخليجي باستعادة صنعاء بالقوة العسكرية.

الحملة الجوية يمكن أن تكون فعّالة عسكريا، ولكن مردودها السياسي يمكن أن يكون سيئا جدا إذا لم يتم بذل جهود كافية لحماية المدنيين واطلاع الرأي العام الدولي على الجهود التي تُبذَل لحمايتهم.

يمكن مقاومة توسّع إيران وإلحاق الهزيمة بها في الميادين التي يكون انخراطها فيها جزئيا فقط، ولكنّ حربا حقيقية مع إيران ستكون بمثابة كابوس.

ويوضح نايتس قائلا “لقد دمرت الحرب الجوية قسما كبيرا جدا من قوة الصواريخ التي كان الحوثيون وصالح يمتلكونها، وألحقت ضررا كبيرا بالآلة الحربية للحوثيين وصالح، ووفرت إسنادا جويا قريبا ومؤثرا جدا وفعالا للهجمات البرية، الأمر الذي سمح بنجاحها بكلفة أقل”.

وبهذه الطريقة أشار المحلل إلى أن استراتيجية عمل القوات الجوية العربية في قتالها على الجبهة اليمنية كانت تستهدف بالأساس تحجيم القدرات الميدانية الصاروخية للحوثيين وقوات صالح، والتي تعد نقطة القوة الرئيسية التي تعتمد عليها تلك الميليشيات في محاولتها السيطرة على مفاصل الدولة اليمينية.

ولا يخفى على العديد من المراقبين أن تلك القوة الصاروخية التي دمرتها قوات التحالف العربي كان مصدرها الأساسي إيران وحلفاؤها أي حزب الله الذي ترك لمساته الواضحة في طريقة قتال الحوثيين الميدانية، والتي ظهرت في المواجهات البرية على الحدود مع المملكة العربية السعودية.

وردا على تساؤل حول بصمة حزب الله اللبناني في كيفية أداء جماعة الحوثي وميليشيات علي عبدالله صالح، يجيب الخبير في مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، وهو مركز تأسس لفهم متوازن وواقعي للمصالح الأميركية في الشرق الأوسط، قائلا “التفسير بسيط، فقد قام حزب الله اللبناني وإيران بتطبيق الأسلوب الذي تعلّماه من جبهة حزب الله مع إسرائيل على الحدود اللبنانية، فقوات الحوثيين تستخدم نفس الأسلحة والتكتيكات التي لقنّها لهم مدربون من حزب الله اللبناني. لقد تم تدمير معظم الدبابات السعودية حينما كانت تستخدم كمواقع حدودية ثابتة، أو أثناء تنقلها بسرعة بطيئة بين المراكز الحدودية المحصنة، الأمر الذي يجعلها الأهداف سهلة”.

ويضيف نايتس أن “مثل هذه العمليات تمثل تحديا عسكريا صعبا، وكان الجواب الذي اعتمده السعوديون لمواجهة ذلك التحدي هو مطاردة واصطياد المجموعات المزودة بالصواريخ بواسطة هليكوبترات أباتشي الهجومية بعد أن تطلق صواريخها. ومع الوقت، بدأ الرد السعودي بإلحاق خسائر فادحة بقوات الحوثيين وصالح”.

الحصار البحري

ونفى مايكل نايتس كل ما راج عن عجز نسبي للأساطيل البحرية العربية في أداء مهامها قبالة السواحل اليمينية، مؤكدا أن قدرات الأسطول السعودي في محاصرة المد الإيراني للحوثيين بالأسلحة والمواد اللوجيستية، كانت عالية، مضيفا أن “الحرب البحرية في السنة الماضية كانت أكثر حدة من كل العمليات التي قام بها السعوديون في الماضي، ولكن ينبغي ألا ننسى أن السعودية ودول خليجية أخرى تشارك في عمليات اعتراض بحرية، إلى جانب أساطيل أجنبية، منذ 10 سنوات تقريبا، وقد ساعدتهم هذه الخبرة في عمليات التنسيق وامتلاك معدات تتكامل مع معدات الأساطيل الصديقة”.

مايكل نايتس: إذا نشبت حرب حقيقية مع إيران سيدفع الفرس الثمن من أرواح مواطنيهم

ويصل مايكل نايتس إلى جملة من الخلاصات في حواره يتعلق أهمها بالنتائج السياسية للعمليات في اليمن من ناحية أولى، وأيضا الخلاصات المتعلقة بما شهدته القدرات العسكرية والتكتيكية الخليجية من نضج وتطور يمكن أن يكون رسالة واضحة لأي طرف إقليمي بأن مدنه ومواقعه المحصنة يمكن أن تكون هدفا لنيران القوات العربية المشتركة عند نشوب أي حرب، ويقصد المحلل بذلك إيران.

وقال نايتس في سياق توضيحه لتطور الأداء العسكري الخليجي إن قدرات دول الخليج العربي وخصوصا المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة “شهدت تطورا كبيرا منذ حرب الخليج في العام 1991. وباتت تلك الدول قادرة الآن على قيادة عملية عسكرية كبرى ومعقدة، تستغرق سنة أو أكثر.
وباتت دول الخليج قادرة على تنفيذ عمليات إنزال برمائية وهجمات بإسقاط مظليين، وعمليات حصار بحري، وعمليات اقتحام بالدبابات والمدرعات بأسلوب ‘البليتزكريغ’، علاوة على القيام بعمليات دفاعية ضد الهجمات بالصواريخ”.
ويعد هذا وقبل كل شيء أهم نتائج الحرب التي خاضها التحالف العربي في اليمن بقيادة المملكة العربية السعودية القوة الإقليمية الأولى في المنطقة، خاصة بعد أن جرت ميليشيات الحوثي والقوات التابعة لعلي عبدالله صالح إلى المثول لرغبة الشعب اليمني والشرعية الدولية.

ويتوقف نايتس، الذي عمل مع وزارة الدفاع الأميركية، عند المنظمات الإنسانية والحقوقية، مشكّكا في صحّة الكثير مما قيل عن الانتهاكات الإنسانية، ويجيب على تساؤل حول هل بذل التحالف الخليجي أي جهد لتفادي إلحاق خسائر بالمدنيين؟ بالقول “باختصار أقول إن الحملة الجوية التي قام بها التحالف الخليجي تشبه الحملة الجوية التي قام بها حلف الأطلسي في البلقان في تسعينات القرن الماضي. لقد بذل الخليجيون جهودا حقيقية للحدّ من الخسائر بين المدنيين، ولكن ينبغي ملاحظة أن الطيران الخليجي ليس مجهّزا بنفس المعدات التي باتت متوفّرة في سلاح الجو الأميركي أو الفرنسي من أجل الحدّ من الخسائر المدنية. فمثلا تمتلك المقاتلات الغربية حاليا ‘بود تسديد’ تتيح للطيار أن يضع “دائرة خسائر جانبية”(غير مرغوبة) فوق أي هدف، وتتيح له معرفة المسافة الدائرية المحيطة بالهدف التي يصبح المدنيون ضمنها معرّضين للخطر. ولكن الطيران الخليجي ليس مجهّزا بمثل هذه البود”.

ويضيف نايتس “لا بدّ من تحقيق جدي تقوم به الأمم المتحدة مثلا لمعرفة الحقائق، أو حتى لإثبات أنه تم استهداف مدنيين وقتلهم. ينبغي على التحالف الخليجي أن يضع بياناته تحت تصرّف الهيئات الدولية لإثبات أنه يقوم بجهود للحدّ من الخسائر بين المدنيين. وعليهم أن يرحّبوا بالشفافية، وعلى الأقل بتحقيق دولي لا يكشف أسرارهم العسكرية”.

معلومات الغرب حول جيوش الخليج عفا عليها الزمن

لكن يعود ويؤكد “أنا أشكّ كثيرا في أن يقوم الطيران الأميركي أو السعودي بتوجيه ضربة جوية متعمّدة ضد مستشفى أو عيادة بهدف إلحاق الضرر بالعاملين في منظمة أطباء بلا حدود. إن المزاعم المتداولة في هذا الصدد ليست أكثر من هلوسات”. سنة واحدة كانت كفيلة ببعث إشارات إلى كل الأطراف، بأن الوضع في اليمن يسير نحو الاستقرار، عكس كل التوقعات التي نشرت في الصحافة الغربية والإيرانية، بأن التحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية سوف يطول وسوف يعود على اليمنيين بإشكالات جمة.

الحرب مع إيران

هذا التوقيت القياسي في إنجاز المهمة جعل العديد من الآراء تراجع نفسها إزاء إيمان العرب بقوتهم الذاتية وقدرتهم على التحكم في سير الأمور بشكل احترافي وسليم ودون الانزلاق في خطر المس بالمدنيين أو الإضرار بالبنى التحتية اليمنية التي يحتاجها الجميع في ما بعد في عملية إعادة الإعمار. لكن وفي ذات الحين، فإن الرسالة الأقوى التي يجب أن تُفهم في هذا السياق هي أن دول الخليج العربي قادرة على إدارة أي حرب مباشرة مع الجانب الإيراني.

إذ يقول مايكل نايتس إنه لو نشبت حرب حقيقية بين العرب وإيران “فلن يكون بوسع إيران أن تستهلك أرواح وكلائها من العرب مرة أخرى كما حدث ويحدث للحوثيين وحلفائهم، إذ سيدفع الفرس الثمن من أرواح مواطنيهم وستحترق مدن إيــران هي الأخرى”.

هذا التحذير الصادر عن باحث في مركز مهم بالنسبة إلى صناع القرار الأميركي، وهو مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، لا يمكن أن يمر دون قراءته مرات عديدة. فقد بدأ الأمر في اليمن بتدخل الحلف العربي الذي أصرت المملكة العربية السعودية على أن يكون ضمن دائرة العرب فقط دون أي تدخل أجنبي، ثم تطور الحلف “عاصفة الحزم” ليكون بمثابة نواة لقوة عربية مشتركة كبرى تكون الغطاء الذي يحمي المجال من أي مس خارجي مهما كان عنوانه، حتى إذا ما وصل أخيرا إلى تحقيق أهدافه تقريبا بالشكل الذي عليه الحال الآن، فإنه يفهم من ذلك أنه لا يمكن العودة إلى الوراء، إلى الفترة التي يحتاج فيها العرب والخليجيون إلى مساعدات خارجية لحماية أنفسهم، فالأمر الآن أصبح بين أيدي العرب أنفسهم.

وعبر عن ذلك الباحث مايكل نايتس قائلا “إن حرب اليمن هي بمثابة حرب تدريب”. والرسالة تتمثل دائما في تحذير إيران أو أي قوة أخرى من محاولة المس بسيادة أي أرض عربية.

6