نجاح مؤتمر جنيف مرهون أولا بإنقاذ السوريين من التنكيل والتشريد

الجمعة 2014/01/24

هناك ما تستطيع أن تفعله الدول الأربعون المدعوة إلى مؤتمر جنيف2 والتي يظل لها وجود في أروقة المؤتمر بعد مغادرة رؤساء وفودها عقب الجلسة الافتتاحية 22 يناير. فمشاركة هذه الدول في المؤتمر ليست بروتوكولية، بل هي أساسا ذات مضمون سياسي، فالأزمة السورية تهدد بنشوء حلف سياسي وعسكري ذي نزعة تدخلية جامحة قوامه إيران وروسيا والعراق ونظام الأسد وحزب الله مع عشرات التنظيمات العراقية ذات الطابع الطائفي.

أكثر ما تملك هذه الدول أن تفعله هو منع المؤتمر من الانحراف عن أهدافه بإقامة حكم انتقالي كامل الصلاحيات في سوريا. بداية المؤتمر لهذه الناحية كانت جيدة. فقد تمسك الأمين العام للأمم المتحدة بهذا الهدف وفعل مثله الوزير الأميركي جون كيري، مما حرم الحليف الروسي لنظام الإبادة في دمشق من أي هامش للمناورة، باستثناء تكرار دعوة الوزير سيرغي لافروف في الافتتاح إلى مشاركة إيران الرافضة للوثيقة الحاكمة للمؤتمر، ولكن دون أن يدعوها لاحترام هذه الوثيقة والتقيد بها.

وليد المعلم رئيس وفد النظام بعد أن فشل هو وأركان الحكم في دمشق خلال الأسابيع الماضية عن حرف المؤتمر عن غاياته، واستبدالها بمكافحة الإرهاب، تعمّد في كلمته المطولة القفز عن وثيقة جنيف1 بعدم الإتيان على ذكرها، وقد ووجه بتحدٍّ من رئيس الائتلاف أحمد جربا الذي دعا المعلم وكامل وفده إلى إعلان الالتزام بوثيقة جنيف.

في ضوء ذلك ومع الإجماع الإقليمي والدولي على هذه الوثيقة، من المنتظر أن يسعى وفد النظام إلى صرف الأنظار عن هذه المرجعية بالتركيز على إجراءات برّاقة من قبيل وقف إطلاق النار في حلب، والبدء بالإفراج المتبادل عن المعتقلين، وتسهيل دخول منظمات الإغاثة، في الوقت الذي يواصل فيه النظام وحلفاؤه حربهم على شعبهم في أغلب المناطق. وهو ما حذر منه مسبقا الوزير كيري الذي قال إن إجراءات بناء الثقة ليست بديلاً عن هدف المؤتمر بإنشاء سلطة انتقالية كاملة الصلاحيات. إن الواجب يقضي بالعمل حثيثا وبصورة جدية لرفع المعاناة عن المحاصرين في سائر المناطق وأن يتمسك الائتلاف بهذه المطالب وضرورة التحقيق السريع لها، لحرمان النظام من استخدام أسلحة التجويع والترويع ضد ملايين السوريين خاصة في حمص وحماة وريف دمشق ودير الزور ودرعا وغيرها.

مناورة أخرى مرتقبة كخطوة التفافية وهي الدعوة إلى “تشكيل حكومة وحدة وطنية موسعة تهيئ لانتخابات رئاسية برقابة دولية خلال 3 أشهر”. وهي خطوة يراد منها رشوة المعارضة ببضع حقائب وزارية واختزال مطالب انتفاضة الحرية والكرامة بهذه الحقائب. أما الغرض الثاني فهو فك عزلة النظام وتجديد الاعتراف به والتعامل معه من خلال انتخابات رئاسية يفوز بها بالطبع “الرئيس الحالي”. علما بأن هذا النظام لم يسبق له أن أجرى طوال تاريخه أية انتخابات حرة حتى في الجمعيات والاتحادات الرياضية والثقافية. فيما الظروف القائمة لا تسمح بإجراء انتخابات مع تشرد أكثر من عشرة ملايين سوري في الداخل وفي دول الشتات، وبقاء مثل هذا العدد في الداخل تحت رحمة القصف والتنكيل اليومي.

ومن المناورات المنتظرة الحديث عن ضرورة جعل الحوار سورياً- سورياً ونقله إلى الأرض السورية بعد حدوث تقدم مفترض في إجراءات بناء الثقة من أجل “وضع ترتيبات لمشاركة واسعة وتحقيق إصلاحات سياسية ملموسة”، وشيء من هذا (الحوار) لم يقع طيلة 43 عاما من عمر النظام. وكان يمكن أن يتم في دمشق خلال الأسابيع الأولى من الانتفاضة المدنية، وقد تم إحباط هذه الخطوة- التي قادها فارق الشرع- في المهد. وانعقاد مؤتمر جنيف شهد أول اعتراف من النظام بكينونة الشعب السوري ووجوده المستقل عن النظام، وهو اعتراف تمّ تحت الضغط، ودون أن تتوقف خلال انعقاد المؤتمر الحرب على هذا الشعب.

من المهم، إضافة إلى التمسك بهدف المؤتمر، العمل على إنقاذ ملايين السوريين من البقاء رهائن في أيدي النظام، باتخاذ إجراءات لفرض وقف إطلاق النار في أماكن تواجد منظمات الإغاثة، مع السعي لأن تتمركز هذه المنظمات بصفة دائمة في المناطق المنكوبة. وهذه مهمة أصدقاء الشعب السوري من أجل منح اهتمام أكبر للوضع الإنساني، والسعي لكبح شهية النظام في حصد عشرات الأرواح كل يوم، ودفع الشعب للقبول بعودة عقارب الساعة إلى الوراء ثمنا للبقاء على قيد الحياة. يورد المرء ذلك في ظل توقعات منخفضة بإمكانية حدوث اختراق سياسي ذي بال في المفاوضات التي قد تستغرق أشهرا بل سنوات كما توقع مسؤول أوروبي، فإذا صحت هذه التوقعات فإن السوريين سيعانون خلال ذلك مُرّ المعاناة، فيما تنعقد مراهنات النظام على حدوث تطورات على الساحة الإقليمية والدولية تصرف الاهتمام عن هذا المؤتمر “الماراثوني”، وهو ما يجعل الضغط على النظام خارج المفاوضات أمراً واجباً من أجل دفعه لاحترام إرادة شعبه وحقه بالحرية والكرامة. وفي الحد الأدنى تقييد حركة النظام في استباحة شعبه وحرمانه من أسباب الحياة وموارد الرزق، وهو هدف كان ينبغي العمل على تحقيقه منذ التئام مؤتمر جنيف1 في يونيو 2012.

وهو ما من شأنه أن ينعكس إيجابياً على مؤتمر جنيف الحالي إذا ما تم الإسراع بتحقيقه في هذه الظروف، إذ يسحب من أيدي النظام ورقة استخدام الشعب كهدف للحرب الاستئصالية، للضغط على وفد الائتلاف للقبول بحلٍ إنقاذاً للشعب.

كما أن التقدم على هذه الطريق يهيئ ظروفاً أفضل لعودة النازحين من دول الجوار إلى ديارهم، ويوفر بيئة أفضل لتشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات تشرف على سائر مرافق الدولة ومصادر السلطة تتمتع بالتفاف شعبي حولها، مع وجود دولي مؤقت يضمن بلوغ هذا التحول وعدم الالتفاف عليه.

كاتب أردني

8