نجاح مقايضة حلب مقابل الباب هل يتكرر مع إدلب مقابل الرقة

تتجه أنظار الخبراء نحو الجارة إدلب (شمال)، التي باتت أهم معاقل المعارضة بعد تراجعها في حلب، مع ما يدور من حديث عن سيطرة قوات النظام السوري على الأحياء الشرقية من مدينة حلب. ويرجح الخبراء أن يتكرر العام المقبل في محافظة إدلب سيناريو حلب، الذي شهد تقدما للنظام وفقدان المعارضة أحد أهم معاقلها.
إلى أين نحن راحلون

إسطنبول - جاءت العمليات العسكرية المدعومة من تركيا تحت اسم درع الفرات كمؤشر لانتقال تركيا إلى مرحلة الانخراط المباشر في سوريا لمحاولة فرض واقع جديد في شمال سوريا يحمي ما تسميه أمنها القومي على حساب أرض وشعب سوريا.

وأعادت التطورات الميدانية في حلب توزيع أوراق أنقرة وأولوياتها، بما يتماشى مع شروط عملية درع الفرات، التي يؤكّد خبراء لـ”العرب” أن تركيا لم تكن لتطلق درع الفرات لولا تغيير سياستها تجاه النظام السوري، والتنسيق مع روسيا.

ويعتبر مراقبون للوضع السوري أن إعلان تركيا عن اجتماع تركي روسي لبحث موضوع حلب، يهدف إلى إعطاء انطباع بأن الملف السوري وتطوراته المقبلة بات رهن التوافقات الروسية التركية، فيما اعتبروا أن تحذيراتها من تكرار سيناريو حلب في إدلب هو مناورة للتغطية على مقايضة حلب مقابل الباب، في سيناريو قد يتكرر في إدلب مقابل الرقة.

ويقول المحلل السياسي سعيد الحاج في تصريح لـ”العرب”، بالنظر إلى أن عملية درع الفرات، ما كان لها أن تتم إلا بضوء أخضر روسي وأنها أتت بعد التقارب مع موسكو، فلا ريب أن مستوى معيّنا من التنسيق بين أنقرة وموسكو حاصل في تطوراتها الميدانية، على الأقل من باب تجنب الصدام المباشر. وفي هذا السياق، لا شك أن النظام على علم بالعملية من خلال الروس، بما قد يغني عن التنسيق المباشر بين تركيا ونظام الأسد (حتى الآن على الأقل).

وتقول مصادر دبلوماسية أوروبية إن الموقف التركي انتقل من كونه طرفا في الصراع ضد نظام الأسد إلى كونه وسيطا يحاول الوصول إلى “تسوية تخفف من معاناة المدنيين”.

وروّجت لهذه الفكرة وكالة أنباء الأناضول، المحسوبة على الناظم التركي، حيث شددت في تقاريرها وأخبارها الأخيرة عن تطورات الوضع في حلب على عبارة “وبوساطة تركية”.

من ذلك الحديث عن الاتفاق بين قوات المعارضة والنظام، الذي تم بوساطة تركية، ويقضي بوقف إطلاق النار وإجلاء الآلاف من المدنيين من شرقي حلب إلى غربها، وخروج مجموعات معارضة مع أسلحتها الخفيفة، وذلك بعد ما قلصت قوات النظام مناطق سيطرة المعارضة إلى جزء صغير تجمعت فيه قوات المعارضة وقرابة 100 ألف مدني.

وفي ذات التقرير تتغير النبرة التركية من مرحّبة بالاتفاق الذي توسطت فيه أنقرة بين المعارضة السورية ونظام الأسد، إلى التحذير من خطر التقدم الحاصل في حلب والذي يصب في صالح النظام، وسيعني أن الاستراتيجية ستنطبق على مناطق أخرى من سوريا.

ويذكر التقرير أنه مع تقدم قوات النظام السوري، المدعومة من قبل روسيا وإيران والميليشيات الشيعية، خلال الأيام القليلة الماضية في الأحياء الشرقية لحلب (شمال)، يرجح معارضون وخبراء سياسيون أن إدلب ستكون مسرحا يتكرر فيه سيناريو الانتهاكات والفظائع المرتكبة في حلب، حيث كان النظام والمعارضة يتقاسمان السيطرة منذ العام 2012.

بعد صفقة الأتراك مع الروس على أن تتم مقايضة حلب بمدينة الباب هناك تخوف من أن تشمل الصفقة مناطق أخرى

استراتيجية السيطرة التدريجية

حول احتمال هجوم النظام السوري على إدلب، معقل المعارضة الرئيس حاليا، قال الكاتب والمحلل السياسي المصري، سامح راشد، إن “استراتيجية النظام السوري وحلفائه تعتمد على التعامل الاستراتيجي مع المدن والمناطق الاستراتيجية في سوريا”.

ويشرح راشد وجهة نظره، مشيرا إلى أنه “بعد أن ثبت للنظام وحلفائه عدم قدرتهم على السيطرة على معظم مناطق سوريا رغم القصف، تغيرت استراتيجيتهم إلى السيطرة التدريجية على ما يتاح من مناطق حسب أهميتها”. وهو “ما يفسر البدء بحلب، وقبلها كانت معارك ضارية في ريف دمشق، ثم يأتي الدور على إدلب حسب الأهمية الاستراتيجية، وهي مسائل لها بعد استراتيجي وجيواستراتيجي، ونقاط كثيرة، وهو ما يفسر لماذا إدلب لاحقا، وقبلها حلب”.

وردا على سؤال بشأن السيناريو المطروح في إدلب واحتمال أن يكون على شاكلة حلب، أجاب بأن “البوصلة تشير إلى توجه قوات النظام إلى إدلب العام المقبل والتركيز عليها بحيث لا تغادرها إلا بعد أن تسيطر عليها، أو على نسبة كبيرة منها، حتى لو استغرق الأمر فترة طويلة، وذلك بمختلف التكتيكات، كما حصل مع حلب، أو عبر بعض التفاهمات الجزئية بشأن خروج المقاتلين، وفي النهاية يتحقق الهدف المطلوب”.

وعما إذا كانت المعارضة خرجت بدروس مما حصل في حلب، رأى راشد أن “المعارضة، بشقيها السياسي والعسكري استفادت من درس حلب والدروس العسكرية الأخرى، وأدركت أن مواجهة النظام وحلفائه بشكل كامل على مستوى الندية أمر غير متاح في المرحلة الحالية، وفق الإمكانيات المتاحة لقوات المعارضة، وذلك لأسباب واعتبارات سياسية تتعلق بالدعم الخارجي وتخاذل الولايات المتحدة، وهي خلاصة انتهت إليها قوات المعارضة”.

وستنعكس هذه الدروس “في إدارة المعارضة لمعركة إدلب، وما يتلوها من معارك، وهناك جانب إيجابي للاستفادة تكتيكيا مما جرى في حلب. لكن الإمكانيات المتاحة لن تسمح بتصحيح كفة الميزان العسكري”. والأمر نفسه بالنسبة إلى المعارضة السياسية، فهي بحسب المحلل السياسي المصري، “مقيدة وضعيفة ومنقسمة من الداخل، والبيئة الإقليمية والدولية غير مواتية لها، ودليل ذلك قبولها الدخول في جلسات تفاوضية، وهي تعلم مسبقا أنها لن تؤتي ثمارها، ولكنها مجبرة على التفاوض”، مشددا على أن “المعارضة السياسية والعسكرية بالوضع الحالي في مأزق حقيقي”.

وذهب المحلل السياسي التركي، بكير أتاجان، إلى أن “النظام السوري وروسيا وإيران يريدون الاستيلاء على جميع المدن السورية، ليس من أجل استعادتها فقط، وإنما ليأخذوا ما يريدونه سياسيا عندما يجلسون على الطاولة (المفاوضات)”.

النظام يريد سوريا التي تفيده، وترك المناطق التي يصعب السيطرة عليها مثل شرقي البلد، لكي تتناحر عليها الفصائل مع الأكراد وداعش

واعتبر أتاجان، أنهم لتحقيق ذلك الهدف، “لذلك يبحثون عن المناطق المفيدة من سوريا، وهي المناطق الغربية والوسطى بالتحديد كدمشق وحلب.. الهدف من السعي إلى السيطرة على حلب حاليا، وإدلب لاحقا، هو أملهم في أن يمكنهم ذلك من الجلوس على الطاولة والتفاوض من مصدر قوة”.

إدلب.. المقايضة القادمة

عن سبب السعي إلى إدلب، بعد حلب، دون غيرها، قال المحلل التركي إن “النظام يريد سوريا التي تفيده، وترك المناطق التي يصعب السيطرة عليها مثل شرقي البلد، لكي تتناحر عليها الفصائل مع الأكراد وداعش وغيرهمم من أطراف الصراع".

وتابع بقوله محذرا، “سوف تكون هناك مجازر كبيرة أيضا في إدلب كما حلب، وسيكون عدد الضحايا كبيرا”.

إلا أن المحلل السياسي التركي اختتم حديثه بالتشديد على أنه “حتى لو سيطر نظام (بشار) الأسد على سوريا كاملة، فلن يستطيع حكمها مهما كانت الأسباب”.

لكن، هذه التحذيرات التي ساقها تقرير الوكالة التركية، يصنفها محللون آخرون على أنها جزء من لعبة أنقرة متعددة الأوجه، حيث يقول مصدر معارض لـ”العرب” إن “تركيا قامت باستدارة تامة في الملف السوري وأصبحت مصالحها هي المهمّة بالنسبة إليها على حساب المعارضة، فبعد الصفقة مع الروس على أن تتم مقايضة حلب بمدينة الباب، هناك تخوف من أن تستمر سياسة المقايضة في مناطق أخرى”.

وبحسب مصدر أوروبي، فإن تركيا وروسيا ستكرران نفس السيناريو في السماح الروسي للأتراك الداعم لدرع الفرات بالتقدم إلى الرقة مقابل أن تقطع تركيا الحدود مع إدلب لتتيح للروس فرصة محاصرة هذه المدينة والقضاء على ما تبقى من قوات المعارضة والفصائل الإسلامية.

ويقول مصدر عسكري إن الخيارات أمام قوات المعارضة، إما أن تنتهج حرب عصابات لتستهدف مقرات عسكرية للنظام والميليشيات الإيرانية المسيطرة على سوريا وإما أن تفتح معركة الساحل انطلاقا من إدلب لقلب التفاهمات الروسية التركية. كما يحذر المصدر العسكري المعارضة من الدور التركي والاستعداد لمعارك استنزاف بعد إغلاق تركيا معابرها الحدودية. ويقول إن على المعارضة تفكيك كل الفصائل الإسلامية وإقامة جيش موحد بخطاب مدني وعلم واحد بعيدا عن الرايات الإسلامية وتكرار تجربة الأكراد الذين استطاعوا إقناع الدول الغربية لدعمهم.

ويذكر المصدر العسكري أن المعارضة استطاعت السيطرة على أغلب سوريا قبل أن تظهر الفصائل الإسلامية، ولكن سقطت أغلب هذه المناطق مع تكاثر هذه الفصائل التي زاد عددها عن 120 فصيلا، كما زاد اقتتال هذه الفصائل في ما بينها أكثر من قتالها لقوات النظام. ويرى المصدر أن غياب المعارضة السياسية عن إدارة الفصائل العسكرية وتركها لهيمنة الإسلاميين قلبا الموازين الدولية لصالح النظام.