نجاح نسوي واستئثار بالريادة

تفوّق الفتاة العربية في التعليم، لا ينحصر فقط في الأعداد المحققة، بل تعداها ليطال قضايا أعمق تتمثّل في اقتحام الفتيات لاختصاصات علمية، كانت تعتبر حكرا على الفتيان.
الثلاثاء 2018/03/06
نجاح أنثوي

كلما أسفرت النتائج المدرسية عن أعدادها وحقائقها، تبرز ملاحظة مشتركة تكاد تتطابق في أغلب الأقطار العربية، ومفادها تميّز الفتيات العربيات بتحقيق نتائج ممتازة، مقارنة مع التلاميذ الذكور. وهي مسألة ما انفكت تتعمّق في السنوات الأخيرة، وتستدعي الالتفات والدراسة المختصّة من النواحي التربوية والاجتماعية والنفسية وحتى السياسية.

تفوّق الفتاة العربية في التعليم، لا ينحصر فقط في الأعداد المحققة، بل تعداها ليطال قضايا أعمق تتمثّل في اقتحام الفتيات لاختصاصات علمية، كانت تعتبر في الماضي حكرا على الفتيان، أو كانت تعدّ من قبيل الاختصاصات الذكورية.

ويلاحظ إقبال الفتيات العربيات، بشكل عام، على الاختصاصات العلمية والتقنية، على غرار الهندسة والميكانيك فضلا عن اختصاصات تقنية أخرى كان يندر أن نجد فتيات من بين مزاوليها، فضلا عن التميّز الذي تحققه الفتيات في هذه الاختصاصات، هي شواهد على أن تغيّرات كبيرة وعميقة تحصل داخل العملية التربوية وفي صميم نظرة الفتيات للتحصيل وللارتقاء الاجتماعي.

حقيقة النتائج التي تحققها الفتاة العربية في نهاية كل موسم عربي، واقتحامها كل الاختصاصات التعليمية، حتى التي تصنّف صعبة أو تتطلب جهدا بدنيّا أو تدخلا يدويّا، هي مظاهر دالة على أن المسألة ليست تعليمية أو تربوية فقط، بل تنبع من عوامل متداخلة ومتضافرة ساهمت في تحقيق هذا التميّز النسوي في التعليم.

المسألة لم تقتصر أيضا، على المتعلّمين والمتعلّمات، بل امتدت أيضا إلى قائد العملية التربوية أي المعلم أو المعلمة، حيث تحتلّ المعلمات صدارة التميّز والإبداع وفي المجال التعليمي.

التعليم يمثل الدرب الوحيد المتاح أمام الفتاة للتميز ولتحقيق ذاتها فضلا عن اكتساب مهارات وتحصيل علمي، تتيح لها مواجهة الحياة باستقلالية وحرية

المفارقة أن حتى في الأقطار العربية التي تعيش أوضاعا سياسية وأمنية صعبة، تستأثر الفتيات بالريادة في النتائج المدرسية. في اليمن أظهرت نتائج الامتحانات التي أعلن عنها في السنوات الأخيرة الماضية تفوّقا واضحا وملحوظا للفتيات على الذكور، وفي نتائج الثانوية العامة للعام الدراسي 2016- 2017، تصدّرت الطالبات المراكز الخمسة الأولى في القسم العلمي، من بين 12 متفوّقا نجحوا بالعشرة الأوائل، كما استحوذت الفتيات اليمنيات على المركزين الأول والثاني في القسم الأدبي من بين 10 فائزين بالعشرة الأوائل.

في هذا الصدد، وفي سياق التدليل على أن المسألة تشمل كامل الفضاء العربي وربما العالمي يلاحظ الباحث الاجتماعي الأردني فيصل غرايبة، أنه “من الملاحظ تفوق الإناث من الطلبة على الذكور في نتائج التحصيل الأكاديمي وفي مختلف المراحل الدراسية، سواء الثانوية أو الجامعية.

الأمر الذي يؤكدُ حرص الطالبات على نتيجة التحصيل بشكل متفوق نظرا إلى طبيعتها البشرية الحريصة على إثبات الذات والقدرة على التميّز”. ولئن نفى فيصل غرايبة “وجود دراسات أو أبحاث أو نتائج علمية دقيقة توضح سبب هذه الظـاهـرة”، إلا أنـه اعتبر أنها ظاهرة تنبعُ من “رغبة فردية في التميّز والإبداع يضاف إليها منح الإناث الأولوية للنشاط الذهني، كونهنّ أكثر التـزاما وأكثـر قـدرة على تحديد أولوياتهن، إضافة إلى أن فترة مكوثهنّ الطويلة في المنزل تدعـوهن إلى البحث عن وسائل للتنمية والتثقيف على غرار الذكور”.

في المسألة ضرب من التحدث وسعي إلى افتكاك مواقع لم يتحها المجتمع للفتاة، ولا شك أن التعليم، باعتباره كان ولا يزال يمثّل مصعدا اجتماعيا، يمثّل الدرب الوحيد المتاح أمام الفتاة للتميز ولتحقيق ذاتها فضلا عن اكتساب مهارات وثقافة وتحصيل علمي، يتيـح لها مـواجهة الحيـاة باستقـلالية وحرية.

على أن هذا الدافع قد تتضاءل أهميته في المجتمعات غير العربية، خاصة إذا انتبهنا إلى مسالة تفوّق الفتيات في الدراسة، أضحت من قبيل “الظاهرة العالمية” إلا أنه يظل عاملا صالحا لتفسير الظاهرة في الفضاء العربي على الأقل.

المرأة العربية خصوصا، وفي العالم بشكل أوسع، تتميّز وتتألق في كل المراحل التعليمية، ودوافع ذلك كثيرة ومتداخلة، بدءا من حرص الفتاة على التميز وتحقيق ذاتها عبر التعلم والتحصيل، وصولا إلى العوامل الاجتماعية والثقافية في الفضاء العربي، والتي تساهم في رسم نمط حياة للمرأة بشكل يجعلها أكثر ارتباطا بالبيت وتبعا ذلك أكثر استثمارا لوقتها.

على أن التميّز الدراسي للفتاة العربية لا يوازيه تمكين حقيقي للمرأة ولا استثمار حقيقي لقدراتها ومعارفها وتألقها، وهي الحلقة المنقوصة التي تكلّف كل المجتمعات العربية غاليا في المجتمع والاقتصاد والسياسة.

12