نجاعة العقوبة وقيم الحرية

العقوبات البديلة ابتكار بشري خلاق يضمن التوفيق بين نجاعة العقوبة وبين قيم حقوق الإنسان، ويكفل الانتصار لثقافة الإصلاح على عقلية الزجر والردع.
الثلاثاء 2018/04/03
إهدار لطاقات بشرية ومادية

توصل العقل البشري الحديث، بعد ملاحظة مطوّلة ودقيقة لمؤسسة السجن، إلى أن يبتكر مفاهيم جديدة للفلسفة العقابية، وان يستعيض عن العقوبات السالبة للحرية، بعقوبات بديلة، تأخذ في الاعتبار مسائل عديدة منها ضرورة معاقبة “المجرم” (بالمعنى القانوني لا بالمعنى الأخلاقي) وتحويل العملية العقابية من وظيفة الزجر إلى وظيفة الإصلاح، ومن ثمة إعادة إدماج “المجرم” داخل المنظومة الاجتماعية والاقتصادية.

في الأمر تداخل كبير بين الدوافع الاقتصادية والقانونية والحقوقية والفلسفية. ذلك أن التطورات الاقتصادية والاجتماعية الطارئة على كل المجتمعات، ومع ارتفاع منسوب الجريمة، ومع اكتظاظ السجون بالمساجين، تضافرت لتفرز يقينا لدى المفكرين والحقوقيين أولا، ثم لدى الساسة والقائمين على المؤسسات السجنية، مفاده أن العقوبات السالبة للحرية لم تؤدّ ولا تؤدي، ضرورة، إلى تراجع حجم الجريمة ومنسوبها، ولذلك انطلق التفكير في اجتراح عقوبات بديلة تسعى إلى التوفيق بين تحقيق العدالة وعدم الإفلات من العقاب، وبين حقوق الإنسان والحريات الفردية، فضلا عن السعي إلى عدم إقصاء المخطئ والمجرم من المجتمع.

فلسفة العقوبات البديلة تتكئ على مرجعيات ووثائق أممية كثيرة، تحث على اعتماد الفكرة لأسباب كثيرة، ومن أهم المرجعيات الأممية وثائق مؤتمر منظمة الأمم المتحدة الثاني عشر للوقاية من الجريمة والعدالة الجنائية، الذي انعقد في سلفادور والبرازيل في العام 2010، والذي أوصى بتجاوز السياسات النائية التقليدية التي تولي أهمية مبالغا فيها للعقوبات السالبة للحرية ولا تولي اهتماما بتقييم آثارها على الفرد والمجتمع.

انطلقت الفلسفة الأممية من ملاحظة اكتظاظ السجون على مستوى العالم فضلا عن أن أكثر من نصف المسجونين هم في وضع حبس احتياطي. هنا توصلت التشريعات الجديدة إلى أن تبتكر عقوبات بديلة تتناسب مع الحاجة لردع المتهمين وتقيمهم من دون الحاجة إلى سجنهم وتكليف الدول تكاليف باهظة وغير مضمونة المآلات.

الواضح أن العديد من الدول الأوروبية والأميركية اللاتينية انخرطت في مسار تطبيق العقوبات البديلة، من قبيل تنظيف الشوارع والحدائق العامة، أو تحفيز السجين على ممارسة الرياضة على دراجات ثابتة تنتج الطاقة مثلما هو معمول به في البرازيل، بحيث يتم التقليص من مدى السجن حسب كميات الطاقة المنتجة.

طاقات إنتاجية مهدورة في الزنزانات، تضافرت مع حالة اكتظاظ كبيرة في السجون، وسرعت من نسق تحويل المخطئين إلى مجرمين، والأميين إلى متطرفين

وهو مسار بدأ يتطور ويتوسع في العديد من البلدان، بما في ذلك البلدان العربية، حيث فرض دستور العام 2011 في المغرب، مثلا، على الفاعلين الحقوقيين والقانونيين البحث عن صيغ ملائمة لتحيين التشريعات والقوانين وملائمتها مع الدستور المشار إليه، ومع النظم الجنائية الحديثة، في هذا الصدد أشار المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب في العام 2015، إلى أنه قدّم جملة اقتراحات تهدف إلى سنّ “قانون يوسع عرض العقوبات البديلة ويضيق هامش الفرق بين الحدين الأقصى والأدنى للعقوبات، ويقدّم حلا متكاملا لإعادة التأهيل والإدماج والتقليص من حالات العود، ويحمي الفئات الهشة”.

 وهو مقترح لقي آنذاك، تجاوبا من وزير العدل المغربي مصطفي الرميد الذي أمد أن “إصلاح القانون الجنائي بات ضرورة ملحّة لملاءمة مقتضياته مع دستور 2011، والتزامات المملكة الدولية”.

المشرّع التونسي انتبه أيضا إلى أهمية تنزيل العقوبات البديلة بالنظر إلى ما تشهده السجون التونسية من اكتظاظا كبير لم يحُل فقط دون تحقيق الفلسفة العقابية بل أفرز الكثير من المشاكل الجانبية المترتبة عن الاكتظاظ.

ويعرّف المشرّع التونسي العقوبة البديلة على أنها عقوبة العمل لفائدة المصلحة العامة يتم تنفيذيها في المخالفات والجنح المحكوم بها لمدة لا تتجاوز 6 أشهر سجنا.

وتشمل هذه العقوبة المورطين في بعض الجنح والمخالفات على غرار الجرائم الرياضية وحوادث الطرقات وبعض الجرائم الاجتماعية من قبيل قضايا إهمال العيال أو جرائم البيئة.

العقوبات البديلة عن العقوبات السالبة للحرية تطور جديد في مسار إرساء المزيد من العدالة، وفي سياق البحث عن آليات تشريعية تضمن التوفيق بين معاقبة المجرم وبين عدم إقصائه من المجتمع وإبعاده عن الديناميكيات الاجتماعية والاقتصادية.

بدأ الأمر بتساؤل فلسفي، حول “نجاعة” السجون في تحقيق مقاصدها، وتطور بدفع من المنطلقات الحقوقية الحاثة على الحرية، وتدعم بالدوافع الاقتصادية والاجتماعية التي انتبهت للآثار الوخيمة للسجن على الفرد والأسرة والمجتمع فضلا عن الطاقات الإنتاجية المهدورة في زنزانات السجون، وتضافر مع حالة الاكتظاظ في السجون والتي سرّعت من نسق تحويل مخطئين إلى مجرمين، والأميين إلى متطرفين.

العقوبات البديلة ابتكار بشري خلاق يضمن التوفيق بين نجاعة العقوبة وبين قيم حقوق الإنسان، ويكفل الانتصار لثقافة الإصلاح على عقلية الزجر والردع.

12