نجمات الدور الثاني يتألقن في الدراما السورية

اختيارات المخرجين لهذا الموسم الدرامي الرمضاني تأتي في محلّها، وتتأكد لنا تلك النظرة الثاقبة التي يتمتع بها صناع العمل ليختاروا الممثل المناسب في العمل المناسب.
الخميس 2019/05/30
نجمات صنعن مجدهن في مساحة صغيرة

تميزت الدراما السورية لسنوات بالبطولة الجماعية وهي ميزة انفردت بها عن مثيلتها من دراما الوطن العربي وخاصة المصرية، المنافسة الأشد، والتي تعتمد في نهجها على البطولة المطلقة، الأمر الذي وضع مهمة كبيرة على عاتق، ليس فقط الكاتب والمخرج والمنتجين، بل كل ممثل أو ممثلة يتحمل مسؤولية الدور وإظهاره كما لو كان دور العمر.

في رمضان هذا العام قدمت الدراما السورية أكثر من 14 عملا دراميا ما بين اجتماعي وكوميدي وبيئة شامية وغيرها، تم إنتاجها داخل وخارج سوريا لتكون جاهزة على مائدة رمضان العامرة بما لذ وطاب من الأعمال المصرية والخليجية، ليس هذا فحسب بل أيضا بالأعمال الدرامية التونسية والجزائرية التي تستحق لاحقا الوقوف والحديث عنها.

ولأن الأعمال السورية تعتمد في نسيجها الدرامي على فكرة العمل الجماعي والبطل الجماعي، فإن أصحابها يقدمون أفضل ما عندهم للدور مهما كانت مساحته كبرت أو صغرت، على اعتبار أنّ ما من شخصية أو دور يكتب ضمن العمل إلا وكان جزءا هامّا من نسيجه ككل، من هنا تبرق وتلمع لدى المشاهد شخصيات رغم أنها تؤدي دورا محوريّا ثانيا، وربما ثالثاُ في العمل، لكنها بالتأكيد تشكّل خطا دراميا رئيسيّا لا يمكن حذف أو تجاهله أو حتى عدم الوقوف عنده، الأمر الذي يضطر معظم المخرجين للبحث عن الممثل المناسب ليحمله فيكسوه نبضا ودما وروحا.

ممثلات شابات

تأتي اختيارات المخرجين لهذا الموسم الدرامي الرمضاني في محلّها، وتتأكد لنا تلك النظرة الثاقبة التي يتمتع بها صناع العمل ليختاروا الممثل المناسب في العمل المناسب، فتلمع هذا العام الممثلة الشابة هيا مرعشلي التي كان لها حضورها القوي في أكثر من عمل درامي، من أهمها دورها في مسلسل “مسافة أمان” للمخرج الليث حجو والكاتبة إيمان سعد، حيث تلعب دور المدرسة التي اضطرت برفقة عائلتها لهجران منزلها واللجوء إلى حي آخر ستتعرض فيه لشتى أنواع الاستغلال والإهانة بسبب ظروفها وضعف حالها، أما دورها الآخر والمميّز فهو في مسلسل “عندما تشيخ الذئاب”، الذي تلعب فيه دور الفتاة التي تخاف العنوسة في ظل نظرة المجتمع إلى والدها الذي اختار الحياد في ظل الانقسام الحادّ ما بين اليسار الليبرالي واليمين المتطرف، ورغم أن مساحة الدوريْن قد تبدو صغيرة مقارنة بمساحة الأدوار الأخرى، إلا أنها تشغل حيّزا هاما في البناء والخط الدرامي الرئيسي للعمل.

وهيا مرعشلي التي تمتلك ملامح أنثوية طاغية وطبقة صوت ناعمة، تتجرأ لتقدّم شخصيات قوية بعيدة عن ملامحها الضعيفة، وهي تتفوّق على نفسها منذ أن وقع الاختيار عليها في مسلسل “غدا نلتقي” الذي أخرجه رامي حنّا منذ سنوات وكتبه له النص إياد أبوالشامات، ورغم أنها لا تملك الكثير من سنوات الخبرة وليست خريجة المعهد العالي للفنون المسرحية، لكن عوامل الوراثة قد أتت نفعها مع هذه الشابة القادمة من عائلة فنية، فجدها الممثل اللبناني المعروف إبراهيم مرعشلي وجدتها الممثلة ناهد حلبي، أما والدها فهو الممثل طارق مرعشلي، بالإضافة إلى والدتها رندة مرعشلي التي كان لها تجارب هامة على قلتها وتواضعها.

الفنانة المخضرمة سوسن أبوعفار تعتبر واحدة من أهم نجمات الدراما التلفزيونية
الفنانة المخضرمة سوسن أبوعفار تعتبر واحدة من أهم نجمات الدراما التلفزيونية

أما الممثلة الأخرى والتي ظهرت هذه العام كمفاجئة في الموسم الرمضاني الدرامي، فهي الممثلة الشابة نوار يوسف، التي تلعب دورا مميزا في مسلسل “ترجمان الأشواق” الذي كتبه بشار عباس، ويخرجه محمد عبدالعزيز، وتؤدي من خلاله شخصية راقصة في أحد نوادي دمشق في سنوات ما بعد الأزمة، وتربطها علاقة حب بفايز قزق أحد أبطال العمل الرئيسيين، وهي الفنانة التي ستحمل على عاتقها مسألة البحث عن ابنة نجيب سالم (يلعب دوره عباس النوري) المخطوفة.

صحيح أن شخصية وملامح الراقصة تم استخدامها واستغلالها سابقا في الأعمال الدرامية المصرية، لكن كاتب العمل اختلف في وجهة نظره تجاه تلك الشخصية، واستطاع المخرج برفقة نوار يوسف تقديمها بشكل عصري بعيدا عن القوالب التقليدية المبتذلة، معتمداً في ذلك على الإمكانيات الفنية لنوار يوسف خريجة المعهد العالي للفنون المسرحية التي امتهنت التمثيل على خشبة المسرح لسنوات ومازالت توليه الاهتمام الأكبر، بينما تحاول بين الحين والآخر الإطلال سريعاً سواء على الشاشة الكبيرة أو الصغيرة.

 ولقد سبق وأن توجت نوار يوسف مسيرتها الفنية القصيرة نسبيا بجائزتين، الأولى في المسرح حين حصلت على الجائزة الثانية لأفضل أداء نسائي في الدورة التاسعة عشرة لمهرجان قرطاج المسرحي عن دورها في مسرحية “ستاتيكو”، والثانية في السينما حين حصلت على جائزة أحسن ممثلة من مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط -جائزة فاتن حمامة- عن دورها في فيلم “الرابعة بتوقيت الفردوس” للمخرج محمد عبدالعزيز، الذي يبدو واضحاً حضوره الفني هذا العام في كل من “ترجمان الأشواق” و”صانع الأحلام”، والذي يؤكد على أن المخرج الذي لديه عين فنية ثاقبة والمتمكن من أدواته، بإمكانه أن يبرز ويظهر مواهب وإمكانيات جديدة للممثل الذي بين يديه، ويدعم ذلك أداء نوار يوسف المميز في كل من الفيلم السينمائي “الرابعة بتوقيت الفردوس” وفي مسلسل “ترجمان الأشواق” الذي سيفتح لها قريبا طريقا في الدراما السورية.

الموهبة هي الأهم

أما الممثلة الثالثة والتي أردت الوقوف على أدائها لأنها في أكثر من موسم رمضاني برعت في أداء دورها، فهي الفنانة المخضرمة سوسن أبوعفار، التي تعتبر واحدة من أهم نجمات الدراما التلفزيونية، والتي لم تأخذ حقها بالشكل المناسب حتى الآن، وربما يعود هذا الأمر إلى تقاعسها وليس بسبب قلة الفرص المتاحة لها، فقد كان بإمكانها أن تتربع منذ العشرات من السنوات على عرش الكوميدية السورية، لولا انسحابها المتعسّف عن مسلسل “عيلة خمسة نجوم” العمل الكوميدي المميز الذي أخرجه هشام شربتجي وكتبه حكم البابا، ونجح نجاحا مبهرا لدرجة أن بعض القنوات الفضائية مازالت تُعيد بثه حتى اليوم.

فبعد أن رسمت سوسن أبوعفار خريجة قسم التمثيل من المعهد العالي للفنون المسرحية ملامح شخصية سمر التي لعبت دورها لاحقاً أمل عرفة، إلى جانب فارس الحلو وأندريه سكاف وسامية جزائري، وصوّرت بعضا من مشاهدها، غادرته لتفقد بذلك فرصة العمر التي كانت ستتوجها نجمة في الساحة الكوميدية.

الموهبة لا بد وأن تفرض نفسها فالأدوار في المسلسلات لا تحسب بحجمها بل بحجم موهبة الممثل الذي يحملها

ورغم أنها انقطعت لسنوات عن العمل في الدراما سواء في التلفزيون أو المسرح لظروف عائلية وغيرها، عادت بقوة منذ عدة مواسم رمضانية، لتؤكد أن الممثل الناجح الذي يملك أدواته لا بد له من البروز حتى لو كان الوقت متأخرا، فلعبت دورا استثنائيا في كل من مسلسل “غدا نلتقي” دور امتثال مغسّلة الأموات، و“تشيللو” دور صفاء سكرتيرة المليونير تيمور تاج الدين، اللذين عرضا في مواسم رمضانية السابقة ونالا جماهيرية واسعة.

لكنها هذا العام عادت بدورين مميزين، الأول في مسلسل “عندما تشيخ الذئاب” مع المخرج عامر فهد، والذي تلعب فيه والدة الشاب المتطرّف المتحكم بعائلته، أما الدور الثاني الأبرز الذي يجدر الوقوف عنده فهو دورها في مسلسل “مسافة أمان” رغم أنه يبدو دورا ثانويا نظرا إلى صغر مساحته مقارنة بالأدوار الأخرى، لكنه دور يحمل على عاتقه معاناة شعب كامل، فتلك السيدة السبعينية التي تلعب دورها سوسن أبوعفار الفلسطينية المقيمة في سوريا، مصابة بدرجة متقدمه من مرض الزهايمر الذي سيجعلها بين الحينة والأخرى تبوح بقصص الحب والخوف وتحكي لنا بعضا من قصص الفلسطينيين الذي لجأوا إلى سوريا.

وهي حين تقدّم هذا الشخصية مستفيدة من كونها بالفعل سيدة فلسطينية متمكنة من اللهجة، تعطي أقصى ما عندها من إحساس لتقدم بعدا إنسانيا لشخصية لا يتجاوز دورها بضعة مشاهد، مما سبق يتأكد لنا أن الموهبة لا بد وأن تفرض نفسها وأن الأدوار لا تحسب بحجمها بل بحجم موهبة الممثل التي يحملها.

15