نجمات يوتيوب.. نوافذ نسائية تحطم الحواجز لتوعية المرأة العربية

الكثير من الفتيات العربيات وجدن في موقع يوتيوب منصة حرة نقلن إليها قضايا بنات جنسهن ومشكلات مجتمعاتهن وطرحن دون حواجز أو قيود أحلامهن وناقشن مسائل حساسة تمس المرأة العربية بشكل خاص.
الأحد 2018/07/29
جذب انتباه عدد كبير من المتابعات رغم أن الاقتراب من بعض القضايا محظور

القاهرة - أمام حالة الحصار المفروضة على طموحات وقضايا المرأة في بعض المجتمعات العربية، وغض الطرف من جانب الإعلام التقليدي أحيانا عن تبني الرؤى والأفكار النسائية والبحث عن حلول جذرية تمس صميم حياتهن، أصبح الإعلام الاجتماعي النسائي الوسيلة الأكثر قدرة على القيام بهذه المهمة، لتكون المرأة “يوتيوبرز”، أي نجمة يوتيوب.

واستطاعت العشرات من الفتيات نقل أحلامهن ومناقشة قضايا ومشكلات النساء عموما إلى العالم الافتراضي دون حواجز أو قيود، وجعلن منه نافذة يستقطبن من خلالها قطاعا واسعا من الجمهور، يتابع برامجهن باهتمام وينتظر بثها على الشبكة العنكبوتية بشغف.

ما يميز العالم الافتراضي، أنه لا يحتاج إلى أسطول إنتاج أو مخصصات مالية ضخمة مثل الإعلام التقليدي، ويتطلب الأمر فتاة لديها فكر ووعي وتتمتع بسمات شخصية خاصة في التقديم والإقناع واختيار الموضوعات التي تمس قضايا المرأة.

واستطاعت برامج يوتيوبرز تشكيل مجتمع أنثوي حقيقي له صيت واسع دون تسلط وتحكم ذكوري أو نظرة عنصرية، واتسعت دائرة انتشارها (البرامج) لتشمل مختلف مواقع وصفحات التواصل الاجتماعي، على غرار فيسبوك وإنستغرام وسناب شات وتويتر.

ورغم اختلاف توجهات هذه النوعية من النساء وانتمائها إلى جنسيات مختلفة، لكن تغلب عليهن البساطة في طرح ومناقشة الأفكار والقضايا النسائية التي تتعامل معها أكثر وسائل الإعلام التقليدي بسطحية واستخفاف.

وينظر متابعو “يوتيوبرز” من الفئات النسائية إلى أن نجمات يوتيوب، استطعن بسهولة تحويل الإحباط إلى نجاحات، بدءا من تكوين قاعدة جماهيرية واستقطاب عدد كبير من الفتيات مرورا بكسر حواجز تحمل حساسية تاريخية بالنسبة لمجتمعات محافظة مثل المجتمعات العربية.

مواهب وملكات نسوية

اتساع شعبية هؤلاء الفتيات ارتبط بطموحهن في تغيير المجتمع بصناعة محتوى جيد مع تقديمه بطريقة مميزة
اتساع شعبية هؤلاء الفتيات ارتبط بطموحهن في تغيير المجتمع بصناعة محتوى جيد مع تقديمه بطريقة مميزة

من شدة تأثر الجيل الجديد من صغار الإناث بهذه النوعية من الفتيات مقدمي برامج “يوتيوبرز”، خرجت منهن مواهب لم تتجاوز السبع سنوات، وينحصر حلمهن في حمل لقب “مدونة فيديو” مثل “عاليا أوي”، أو البومة “رغد”، وأخريات أعربن عن حلمهن في أن يصبحن طبيبات يوتيوب، اقتداء بطبيبة لها برنامج جريء، أو مرشدة سياحية مثل بسنت نور، التي تزوجها وانفصل عنها الداعية الشاب معز مسعود.

تقول قيادات نسائية معنية بحقوق المرأة في مصر، إن تحول برامج “يوتيوبرز” إلى أداة فاعلة في عبور النساء العربيات أسوار التقاليد القديمة التي عشن خلفها لقرون طويلة يرتبط بقدرتهن على تحمل التحديات الذكورية والجرأة في تناول قضايا مسكوت عنها بذريعة العادات والتقاليد، بحيث لا يقتصر الأمر على التسلية والترفيه والبحث عن الشهرة.

اللافت أن نجاح المرأة “يوتيوبرز” في مجتمعات خليجية نابع من نجاحهن في مطاردة الصورة النمطية السلبية المنبثقة من تحفظ المجتمع، ورغبتهن في إثبات ذواتهن بصناعة أفلام قصيرة بتجارب مختلفة وقوالب مبتكرة ومواضيع متنوعة تمس حياة الجيل الجديد بأفكار غير تقليدية، واستطاع بعضهن منافسة مشاهير الإعلام التقليدي.

ومن بينهن الجوهرة ساجر (سعودية)، التي استطاعت أن تشكل حالة نسائية مجتمعية وتحدث صدى إيجابيا عند فتيات المجتمعات العربية، من زاوية أنه “أخيرا ظهرت فتاة عربية من مجتمع تحكمه تقاليد وأعراف صارمة تصنع مقاطع فيديو على الإنترنت”.

هذه الحالة فسرتها ساجر خلال لقائها بأحد البرامج، أن والدها اعتاد أن يشجعها ويقول لها “كوني أنتِ”، وكان لدعم بنات جنسها مفعول السحر على المضي في تصوير مقاطع تثير اهتمام النساء عموما، ما ساعد على تقليص شعور الوحدة لديهن، وأسست لنفسها قناة على يوتيوب باسم (جاي أونلاين) “Jay online” قدمت خلالها وصفات للجمال والعناية بالبشرة.

تعرضت ساجر لهجوم ضار من بعض الرجال، لكنها استمرت في طريقها غير عابئة بهذه النظرة الذكورية، وطالبها البعض بالتوقف لأن يوتيوب “ليس مكانا يليق بفتاة وعليها التركيز في بيتها لكي تصبح ربة منزل فقط”، في حين كانت ترد بأن الفتيات يجب أن يتجهن إلى وسائل التواصل الاجتماعي للمطالبة بحقوقهن وتغيير الواقع من خلاله، باعتباره أصبح أشد تأثيرا في المجتمع من الإعلام التقليدي.

أما هيلا غزال “يوتيوبرز” من أصول سورية، فقد نجحت في تقديم محتوى نقدي اجتماعي ساخر، بتجسيد عدة شخصيات وصنع مواقف كاريكاتورية من القوالب النمطية الثقافية في المنطقة من خلال يوتيوب على مدار أربع سنوات مضت.

كانت هيلا، جريئة في مواجهة النظرات المخالفة، وتقول “البعض انتقد مظهري وطالبوني بالاحتشام لأنهم من مجتمعات محافظة”، لكنها تعتقد أنه لا حرج في أن تسعى المرأة إلى التغيير، الذي لن يتم دون أن تخطو هي تجاهه بكل شجاعة، واستطاعت أن تجذب نحو 4.6 مليون متابع عبر قناتها الخاصة على يوتيوب، ويتابعها بفيسبوك وإنستغرام نحو 3 ملايين آخرين.

تطرقت الفتاة العشرينية خلال برنامجها، للكثير من القضايا الخاصة بالمرأة في قالب ترفيهي ساخر بعيد عن الجمود، ما أهّلها لتكون سفيرة التغيير لحقوق المرأة من قبل الأمم المتحدة. وحوّلت فتيات تونسيات موقع يويتوب إلى فضاء افتراضي أبرزت من خلاله مواهبهن في الغناء وفي طرح قضايا شبابية، حيث صنفت عشر فتيات تونسيات “يوتيوبرزات” على أنهن أفضل من يقدم برامج ذات محتوى رائع وتنوعت مواهب الفتيات بين الغناء ونشر فيديوهات لألعاب وتحديات وطرح قضايا معاصرة بأسلوب ساخر.

وتحتل أنجي المركز الأول في هذا الترتيب بفضل أدائها لأغاني أفلام الكرتون، في حين اشتهرت صوفيا سكاح بفيديوهات تنقل القضايا اليومية للشباب خاصة، بالإضافة إلى مسائل أخرى تمس الواقع التونسي اليومي بأسلوب جعلها تحظى بنسب مشاهدة عالية لقناتها على اليوتيوب وتجعلها تحتل الترتيب الثالث بين الفتيات.

واتخذت ميمي، وهي يوتيوبرز مغربية من قناتها الخاصة على اليوتيوب التي أطلقت عليها اسم “إسوارة” منصة لتقديم نصائح تجميلية ولايف ستايل وتحديات وفيديوهات ترفيهية، وبفضل عدد متابعيها الكبير صارت من أشهر اليوتيوبرزات في العالم.

واشتهرت العراقية هند المقيمة في ولاية أوهايو الأميركية و التي تعرف بقناتها على اليوتيوب باسم “هند دير”، بتقديمها لفيديوهات تعليمية وسكتشات في التمثيل والكوميديا، وتجارب طبخ ونصائح.

ويرى مهتمون بشؤون المرأة، أن ما تقدمه هؤلاء الفتيات من صانعي وناقدي المحتوى لواقع النساء في المجتمعات العربية، يؤثر بشكل نسبي في نظرة بعض الحكومات لقضايا وحقوق المرأة، لا سيما عندما تركز نوعية الموضوعات المطروحة للنقاش على أسلوب الصدمة.

توازن لطرح القضايا

برامج "يوتيوبرز" استطاعت تشكيل مجتمع أنثوي حقيقي له صيت واسع دون تسلط وتحكم ذكوري أو نظرة عنصرية
برامج "يوتيوبرز" استطاعت تشكيل مجتمع أنثوي حقيقي له صيت واسع دون تسلط وتحكم ذكوري أو نظرة عنصرية

ترى سامية الساعاتي، أستاذة علم الاجتماع في مصر، أن اللجوء إلى نهج التصادم كمحاولة لتغيير المجتمع، يخلق حالة من التحدي الواسع لمواجهة انتشار هذه النوعية من البرامج الاجتماعية، وأحيانا يخلق ردة فعل سلبية غير متوقعة.

وقالت الساعاتي لـ”العرب”، ينبغي أولا أن يكون هناك نوع من التوازن في اختيار القضايا وطريقة طرحها، بشكل يخدم الهدف منها ويوعّي الرأي العام بدلا من التصادم معه، بحيث يحظى هذا النوع من التغيير بتأييد نسائي وذكوري أيضا، ويخاطب العقليات المتحضرة ويستقطبها لتأييد مطالب المرأة لزيادة الضغط على صانع القرار.

انتقلت الظاهرة إلى مصر مؤخرا، ولجأت بعض الفتيات من مدن وأحياء مختلفة للتعبير عن همومهن وقضايا الساعة عبر بث فيديوهات قصيرة بأسماء مستعارة أو حقيقية وبطريقة هزلية تعكس المحتوى وتجلب المتابع، تتناول ظاهرة أو قضية معينة مستقاة من الواقع الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي.

بالنظر إلى اقتحام المرأة المصرية للعالم الافتراضي، يمكن ملامسة اختلاف دوافع الأمر عند أكثرهن عن تلك الموجودة لدى “اليوتيوبرز” الخليجيات، فأكثر اللاتي لجأن للإعلام الاجتماعي بمصر، لم تسمح ظروفهن بالوصول للإعلام التقليدي، وبعضهن يردن إظهار مواهبهن، وأخريات لم يجدن متنفسا لأفكارهن، وقليلات وضعوها للتسلية.

الشيء الوحيد الذي يجمع بين أكثر الفتيات المصريات من مدمني “اليوتيوبرز”، الشعور بالتهميش والتمسك بالانتصار ضد اضطهاد البيئة المحيطة، من الأسرة أو المجتمع، فلجأن لفرض أنفسهن عن طريق فيديوهات كثيرة تحاكي مبتغاهن، بمناقشة الأوضاع الاجتماعية والمواقف الحياتية بشكل مختلف واستثنائي، وأصبحن قدوة للجيل الجديد الذي دأب على مشاهدتهن.

من هؤلاء، بسنت نورالدين، مرشدة سياحية، (29 عاما)، وكانت ترغب منذ طفولتها في أن تكون مقدمة برامج، وحاولت التواصل مع عدد من القنوات وقوبلت طلباتها بالرفض، وتمسكت بالمضي في طريق تحقيق حلمها، وبكلمات بسيطة وأسلوب فكاهي قامت بتصوير مقاطع فيديو من أماكن سياحية في مصر، وغلفتها بمعلومات بسيطة سردتها في إطار تشويقي سلس، ونشرتها على صفحتها عبر فيسبوك، وحظيت بشهرة واسعة وحجم تفاعل كبير في فترة قصيرة.

وقال البعض عن بسنت نورالدين، “إنها تمكنت من فعل ما عجزت وزارة السياحة عن تحقيقه ودون إمكانيات كبيرة”، واستطاعت بعد التفاعل اللافت لمقاطع الفيديو التي تنشرها، أن تفرض نفسها كضيف دائم في البرامج الحوارية.

بالنظر إلى سميرة النجار (صحافية مصرية)، فهي حالة خاصة، بعدما اختارت طريقة مبتكرة للتعبير عن آرائها بشكل ساخر وجديد، وتفاعل ملايين المشاهدين مع مقاطع الفيديو التي تنشرها على صفحتها العامة تحت اسم “اسمع كلام ستك”، وهو لقب الجدة في مصر، وعلى صفحتها الشخصية “ستو الحلوة بزيادة”، واستطاعت أن تطرح ما لديها من أفكار وأهداف وأحلام شابة خبأتها خلف قناع سيدة عجوز، تحمل الكثير من خبرات الحياة.

وأشار متابعون، إلى أن “أزمة أكثر المجتمعات العربية، أنها ما زالت تعيش تحدياتها الخاصة على المستوى السياسي والاجتماعي، ما ساعد فئة من الفتيات اللاتي تمتلكن شجاعة المواجهة والإصرار والتحدي على أن تنطلق من قاعدة مناقشة المسكوت عنه، عبر اليوتيوبرز، وكان القالب الترفيهي لبعضهن، الوسيلة الأنسب للنقد”.

تقوم سميرة بانتقاد كل ما يستفزها من سلوكيات سلبية أو أحداث أوأخبار يومية، حتى تخفف من حدة الواقع الذي يعيشه المجتمع من ضغوط الحياة، وهدفها لا يقتصر على الضحك، بل توجيه النظر إلى مشكلات بسيطة ومهمة قد لا ينتبه لها الشارع في مصر بسبب ازدحام يومهم وانشغالهم بتوفير أدنى متطلبات الحياة. مثال ذلك، تتعجب في آخر فيديو لها، بأسلوب ساخر، عن انشغال الناس بالحديث عن رقصة “كيكي” ويتركون قضية أسرية ومجتمعية خطيرة مثل الأستاذ الجامعي الذي قتل ابنه لأنه سرق أموالا من أمه، وبرر الأب ذلك بأنه كان يعاقبه.

معالجات غير مباشرة

مطاردة الصورة النمطية السلبية المنبثقة من تحفظ المجتمع
مطاردة الصورة النمطية السلبية المنبثقة من تحفظ المجتمع

أوضحت مريم وحيد، باحثة في علم الاجتماع السياسي (مصر)، أن ما ساعد على انتشار صيت فتيات اليوتيوبرز أنهن شجاعات في مجتمع غير قادر على الاعتراف بمشكلاته الحقيقية، كما أنهن يمتلكن القدرة على التعبير عن قضاياهن ومشاكلهن بحرية دون ضوابط أو خوف في بيئة عربية مشهورة بالإعلام الرأسي الذي يرفض التعبير عن الرأي بشكل حر.

وأكدت وحيد لـ”العرب” أن اتساع شعبية هؤلاء الفتيات ارتبط بطموحهن في تغيير المجتمع بصناعة محتوى جيد مع تقديمه بطريقة مميزة، وهن لا يحملن عصا سحرية للتطوير، ولكنهن يطرحن معالجات غير مباشرة للموضوعات التي تمثل مكامن النقد ويعرضنها بسخرية وتهكم، و”مجرد ضحك المتابع على ما يقدم قد يدفعه للتراجع عما يفعل”.

اللافت أن فيديوهات “الجنس والموضة” أكثر الموضوعات جذبا للمتابعات من السيدات برغم أن الاقتراب من قضية الجنس نقطة محظورة في بعض الدول العربية، ما يعكس أن بعض المجتمعات تعيش حالة انفصام وازدواجية، بين ما تأمله وفي نفس الوقت ما ترفضه وتصنفه ضمن المحرمات.

تطرقت علياء جاد، طبيبة مصرية، بجرأة إلى موضوعات متعلقة بالتوعية الجنسية للمرأة، ما أدخلها دائرة الصدام مع أكثر متابعيها، وبرغم ذلك، كشفت نسب المشاهدة لهذه النوعية من الفيديوهات أن المجتمع الذي يرفض الحديث عن الجنس، أصبح يتشدق بالتوعية الجنسية على استحياء.

تتعمد علياء، التي أضحت رقما مهما في معادلة اليوتيوبرز، التطرق إلى موضوعات صادمة بعنوان “افهم”، لكنها في ذات الوقت استطاعت أن تتجاوز هذه العقبة بأن تكون مستشارة طبية وصديقة لبعض المتابعين.

من بين حلقاتها، واحدة تتحدث عن علاج سرعة القذف عند الرجال، وثانية تتطرق إلى أفضل الوضعيات الجنسية، وثالثة تشير إلى الحجم المثالي للعضو الذكري، وسجلت هذه الحلقة أكثر من 1.6 مليون مشاهدة، فيما حقق الفيديو المتعلق بنصائح ليلة الزفاف أكثر من 3 ملايين مشاهدة. أما علياء هاني الشهيرة بـ”عاليا أوي”، فقد استطاعت أن تكون من اليوتيوبرز المؤثرين، يتابعها مليون و300 ألف شخص عل فيسبوك و360 ألف مشترك على يوتيوب، ومنحتها إدارة الموقع جائزة فضية كنوع من التشجيع لإثراء محتوى الفيديو.

ولفتت هدى زكريا، أستاذة علم الاجتماع بمصر، لـ”العرب”، إلى أن ميزة نجمات اليوتيوب، تعمدهن الحديث ومخاطبة الجمهور النسائي بلغة الشارع، دون حواجز، فضلا عن تقديم المحتوى في مقطع قصير يناسب الإيقاع السريع الذي تعيشه المجتمعات العربية، بالإضافة إلى سهولة الاطلاع عليه في أي وقت.

20