"نجمة" حكاية أرض سليبة تعاقب عليها المحتلون

رواية نجمة واحدة من أولى الإشارات المعبرة عن خطر الهويات وضرورة الالتفات إلى مخاطر الأحاديات الهوياتية، سواء تلبسا بهوية الاحتلال أو التباسا بهوية مضادة له.
السبت 2018/07/28
رواية استعادت ذاكرة الاستعمار الفرنسي للجزائر

 

سواء دلفت رواية نجمة للكاتب الجزائري كاتب ياسين من بوابة استقراء الزمان أو استقصاء المكان أو تفحص الشخوص والإنسان، أو قرأتها في خضم البحث عن تاريخ الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي أو التركي، أو تصفحت فصولها تقصيا لأنثروبولوجيا القبيلة والقبائل في شرق الجزائر البيضاء، فإنك بلا ريب أمام تناصّ رهيب وغريب وروافد شتى تأخذك من غير مشورة ولا تأن إلى أقاصي الأسئلة عن الإنسان والوجود والأرض والاستعمار، وعن النسيان الناعم والاحتلال الحلو والإغراء والإغواء والجمال، وعن نجمة سؤال المؤنث في المذكر. وكما اقتحمت الرواية معالم القارئ ووجدانه وسردياته، فقد اقتحمت في نسختها البكر الصادرة في العام 1956 المدونة الأدبية الفرنسية وعصفت بمقومات التمثل الفرنسي آنذاك عن الأديب الجزائري وعن الأدب المغاربي، حيث استبدلت التنميط السليب بتصور جديد جدير بالاهتمام الفرنسي والأوروبي بما يكتب عن حقبة الاستعمار باللسان الفرنسي ذاته. كان الروائي الجزائري كاتب ياسين مع ثلة من رفاق القلم والفكر، من أبرزهم مولود فرعون، عمود برهنة وجوهر استدلال على صحة فرضية وجود أدباء غير فرنسيين يكتبون عن قضاياهم بلغة فرنسية تفوق وتتجاوز في الشكل والمضمون ما يبدعه سواهم من الأدباء والكتاب الفرنسيين. ولئن بقيت رواية نجمة إلى يوم الناس هذا مدار جدال ونقاش وطبعات كثيرة، فلأنها جاءت بمثابة الزلزال الذهني لتراكمية نفسية فرنسية شاركت الذهنية الاستعمارية في بنائها ووجدت في سلوكيات بعض المغاربة من حركيين وعسس ووشاة وخونة ما يسمح للصورة الدونية بالترسخ نحو الثبات في التنميط.

تبدأ الرواية من مشهد الهروب والفراق؛ هروب الشاب لخضر من السجن وافتراقه عن أصدقائه ورفاقه بين دروب وخيارات شتى، وتنتهي أيضا بذات المشهد؛ هروب من السجن وافتراق بين قسنطينة وعنابة ومكان ثالث.

هذا ما قد يسميه المشتغلون في الرواية والأدب “فلاش باك” أو تقنية الدائرة المغلقة في الأحداث، ولكن لعله يعني للمشتغل بتاريخ الأفكار والأفكار التاريخية المراوحة والثبات والسكون والتصلب في المشهديات المغاربية حيث يحضر الوقت ويغيب الزمن.

ودون الوقوع في مطب النقد الأدبي، الخارج عن المطلب والاختصاص، ودون سقوط في إعادة سردية لرواية موجودة بين أيادي طالبيها وقارئيها، فإن استقراء عميقا للرواية بما هي رواية الأزمان المتعددة وقصة الحضارات المتعاقبة على الجزائر والعشق الممنوع في سياق المحظور والمحرم يضعنا في قلب الرواية.

تقاطع الأزمان

صحيح أن الزمن المروي والمشار إليه في الرواية هو تاريخ الأربعينات من القرن الماضي، حيث تعاقبت الأحداث وتسارعت منذ ثورة الثامن من مايو عام 1954، وصحيح أيضا أن السياق المحكي لنجمة هو سياق الاحتلال الفرنسي للجزائر، حيث تحضر شواهد المقاومة والعساكر والنضال، كما تتراءى فصول الخيانة الناعمة واسترضاء الغاصب، ولكن الأصح أن الرواية لها زمن خاص بها هو التاريخ الغائب.

فقسنطينة في نص الرواية ليست مجرد محافظة جزائرية تقبع بين طرق التجار وطرائق المقاومين، بل هي أيضا “سرتا” عاصمة نوميديا وحاضنة يوغرطة ومعقل القرطاجنيين وخليلة الرومان بعد أن أسقطوا القلاع.

وعنابة بدورها ليست فقط جوهرة الشرق الجزائري ولؤلؤة البحر المتوسط، بل هي قبل ذلك “بونا” النوميدية والرومانية، وبين الفضاءين كانت قسنطينة تحارب من أجل سرتا، وبونا تحارب من أجل عنابة، وكانت مراهنة الماضي المجمد في جزء يبدو ضائعا تمثل البلاء الوحيد لأبطال قادمين.

هكذا تصور كاتب ياسين الهوية الجزائرية متداخلة بين الماضي والحاضر وبين الأمكنة والسياقات، تحفر عميقا في روافد التاريخ والحضارة وتؤصل عبرها هوية الحاضر والمستقبل، لا أحادية في الهوية إلا للمتزمتين أو للجاهلين أو لكليهما. وهو مع ذلك يسقط شهود الماضي على زمن الرواية، فرشيد أحد أبطال الرواية يتصور نفسه يوغرطة الذي أضاع وطنه وشعبه، ونجمة البنت- المرأة المعشوقة من الجميع رغبة واشتياقا، ليست سوى النسخة الراهنة من صالامبو سليلة الملوك والآلهة والتي خضع تحت أقدامها الملوك والأمراء… وفي الحالتين يتأوه رشيد خائفا من مصير خسارة الوطن مرتين، مرة بسبب الاستعمار وما أكثر المحتلين، وأخرى بسبب ضياع نجمة الشابة الندية الشجية لفرط وكثرة العاشقين وطارقي أبواب قلبها.

تحويل القبيلة إلى أمة

كاتب ياسين تصور الهوية الجزائرية  تحفر عميقا في روافد التاريخ، لا أحادية في الهوية إلا للمتزمتين أو للجاهلين أو لكليهما
كاتب ياسين تصور الهوية الجزائرية  تحفر عميقا في روافد التاريخ، لا أحادية في الهوية إلا للمتزمتين أو للجاهلين أو لكليهما

أورد ياسين على لسان رشيد، خشية رفيق سي مختار الأب المرجح لأكثر من غيره لأبوة نجمة، والأب الأقل ترجيحا لكمال صديق رشيد، وهو فوق ذلك الشيخ الشرير الذي باتت بين أحضانه ما لا يحصى ولا يعدّ من الخليلات والعاشقات، ولئن كانت في القرية من دماء مختلطة وأنساب متمازجة حدّ التهجين، فإن الأمر لا يعود فقط إلى الاحتلال الذي هجّر الآباء وقتل الأبناء بل أيضا إلى الليالي الحمراء لسي مختار، الذي وقع في شراك عشق أم نجمة.

وأم نجمة هي فرنسية ذات ديانة يهودية جاءت إلى القرية على حين غرّة، فتشابكت القلوب والأعين عليها وتعرضت للاختطاف ثلاث مرات وللاغتصاب أكثر من مرة، قبل أن تترك نجمة لمربيتها للّا فاطمة ويتركها كاتب ياسين دون مصير واضح.

هي خشية إذن ينفثها كاتب ياسين بين قارئيه من الضياع الناعم للوطن، وتخوّف يبديه من الورثة العاجزين عن حفظ حلم الأجداد وعلى رأسهم الأمير عبدالقادر الجزائري.

هذا الأخير اعتبره كاتب ياسين الشخصية الوحيدة التي تملّكت حلم تحويل الجزائر من قبائل إلى أمة وتوحيد العشائر تحت راية الأمة، إلا أن التدخل الفرنسي حال دون حلم الأمة ومن قبله فعل الأتراك.

وبذكاء الراوي الذي يستحيل في بعض الفصول إلى عالم اجتماع ودارس أنثروبولوجيا، يسرد كاتب ياسين أسباب أفول الأمم وضياعها وينثرها بين صفحات الكتاب وعلى أكثر من لسان من الشخصيات المحورية في الرواية.

أسباب الترهل والسقوط الحضاري

رغم بذر أسباب السقوط الحضاري أشتاتا على طول النص، إلا أن المتابع الدقيق يرصد خيطا ناظما رابطا لأسباب الترهل والاهتراء الحضاريين.

أولها ما ينعته كاتب ياسين بالتقلبات التي يفرضها الغزو على أصحاب الأرض، وهي أمور تبدأ من اقتسام الأرض وإرضاء كبار قادة القبائل ومنحهم الأبهة والمكانة الرمزية والاجتماعية والاقتصادية وتركيز الخيرات في صناديق بعض القبائل، ارتخاء ورخاوة السكان المدنيين، وكلها خيانات يقول عنها ياسين “لا تتسم بشيء من الإفراط”، ولكنها سياسة أمر الواقع والواقع المر.

ثانيها، خيانة الأحفاد للأجداد من الفرسان الذين جابوا مع الأمير عبدالقادر الجزائري الأرض طولا وعرضا تأصيلا لكيان الأمة، أو عجز الأحفاد، أحفاد كبار الفلاحين والمزارعين والقادة، على تجاوز عار وفضيحة التعامل مع الغزاة وتقاسم الأرض معهم وتسهيل التوطين والاستيطان.

هؤلاء الذين عجزوا عن إصلاح الخطأ ودرء الفضيحة وتكريس النسيان، فما كان منهم إلا أن انتقموا اجتماعيا وجماعيا في أحضان أنصاف سيدات المجتمع وعبر الولائم، وطيش المغلوبين، وطاولات القمار واللعب، والأسفار في الدرجة الأولى باتجاه الحاضرة، بحيث غدا الشرق الجزائري المستعبد بؤرة حانات للرقص، نساء الموثقين الفرنسيين عبرن البحر في الاتجاه الآخر مسرورات في الواقع بحدائق للبيع، وكانت من بينهن أم نجمة.

ثالثها، التدخل المباشر لضرب أي مشروع من مشاريع الأمة الواحدة، وقد أحبط الفرنسيون مشروع الأمير عبدالقادر في تحويل الجزائر من قبيلة إلى أمة.

رابعها، النسيان التدريجي للهوية عبر الطمس المتكرر وضرب المقومات الحضارية، واللعب على التجانس والتزاوج لتجاوز الجذور، فلا النوميديون ولا البربر استطاعوا أن يتناسلوا مطمئنين في أرضهم، وتركوها عذراء في صحراء معادية، في حين تعاقب عليها المحتلون والمغتصبون ودون حب ودون سبب.

خطيئة الشيخ الشرير

رواية نجمة بقيت إلى يوم الناس هذا مدار نقاش لأنها جاءت بمثابة الزلزال الذهني لتراكمية نفسية فرنسية، شاركت الذهنية الاستعمارية في بنائها ووجدت في سلوكيات بعض المغاربة
رواية "نجمة" بقيت إلى يوم الناس هذا مدار نقاش لأنها جاءت بمثابة الزلزال الذهني لتراكمية نفسية فرنسية، شاركت الذهنية الاستعمارية في بنائها ووجدت في سلوكيات بعض المغاربة

بحب وبألف سبب، تعاقب العاشقون على قلب نجمة، الفتاة البهية بنت الفرنسية اليهودية التي اختطفها سي مختار واغتصبها في ذات المغارة التي وجد فيها والد رشيد مقتولا وسلاحه ملقى أمامه.

هي نجمة خطيئة وكبيرة الحاج سي مختار بين حجّتين اثنتين ورحلتين حجازيتين إلى البقاع المقدسة، الأولى كانت حقيقية حيث ذهب مع الحجاج والمعتمرين لرجم الشيطان في منى وللطواف حول بيت الله الحرام، والثانية كانت للتمويه ولتمكين رشيد الهارب من الجندية من التفصي من أعين العسس.

هي نجمة التي اختطف أبوها المفترض، سي مختار، أمها أولا، قبل أن يخطفها ثانية من زوجها كمال، ويبعدها عن أعين أبناء القرية رفقة رشيد العاشق الولهان.

هي نجمة ورثت عن أمها استدرار العاشقين وتله المحبين وعن أبيها المفترض مسلكية تعدد الأزواج، فسي مختار كان مؤمنا بمقولة تعدد الأزواج لخليلاته من المتزوجات، فكان لهن الزوج الثاني، ولئن عاش أقرانه تجربة تعدد الزوجات فقد عاش الشيخ الشرير حالة تعدد الأزواج، وها هي نجمة اليوم تخوض ذات التجربة من مقعد الأنثى اللعوب الرافضة لأي سرير دائم ولأي حضن مستمر ولأي زواج كاثوليكي.

وهي فوق كل ذلك نجمة، هاجس شباب الرواية، والخيط الناظم لأبطالها وشخصياتها.

اختلف النقاد حول هوية نجمة؛ هل هي الجزائر الأرض التي استقبلت كل الطامعين والطامحين والمحتلين والغزاة، مرة تحت اسم الفاتحين وأخرى تحت عنوان الحماية، وكما أنها لم تصد أحدا إلا أنها بقيت عصية على التطويع الهجين والتركيب المختلق، أم هي نجمة بنت عم كاتب ياسين في الواقع والتي أسرت قلبه في الواقع وقلمه في الرواية والمسرح، أم هي حفيدة صالامبو والكاهنة ابنتي الأرض السمراء ولبناتها، أم هي المحصلة لكل ما سبق جميعا، فهي الجزائر الواقعة تحت احتلال لا ينتهي، كل استعمار مفتون بثرواتها قبل أن تنهيه وتخرجه بثوراتها الأبية. وهي التجربة الشخصية للكاتب حيث تصير الكتابة استدرارا لتجارب الإنسان وأفكاره وآماله وآلامه، وهي أيضا الماضي متلبسا في ثياب الحاضر، جينات الكبار تولد معنا وتكبر مع أيامنا.

وأيا كانت شرعيات الأسئلة والاستفسارات وقيمة الفرضيات، فإنه بالتأكيد أن جزءا من الإجابة موجود في متن النص، فنجمة المختطفة من عائلتها والمعشوقة من أنصاف إخوتها، تعرضت للأسر من قبل زنجي شبقي رآها تستحم في النهر، فاتنة ومفتونة.

فما كان منه إلا أن أطلق النار على نصف أبيها، سي مختار، وهدد نصف أخيها رشيد بالتعذيب والتنكيل، واستفرد بنجمة لنفسه ولقبيلته “كبلوت”.

هكذا تضيع نجمة عن عائلتها وتتعرض للأسر، من قبل قبيلة أكثر ما فعلته أنها حافظت على كيانها، حتى وإن لم تتحول إلى أمة.

وهكذا تضيع أكثر من دولة ومن سلطة ومن استقلال ومن سيادة بفعل تنافس واحتراب أبناء الأرض، ليأتي الاحتلال تحت مسميات وعناوين كثيرة غاصبة للبلاد والعباد، وهكذا نصح كاتب ياسين قبل استقلال الدول المغاربية، وعلى عكس دعوته ونصيحته سارت عجلة بناء دولة الاستقلال في كافة الدول المغاربية.

بلا شك، نجمة، واحدة من أكثر النصوص تعبيرا على الواقع وتفسيرا له، وهي أيضا واحدة من أولى الإشارات المعبرة عن خطر الهويات وضرورة الالتفات إلى مخاطر الأحاديات الهوياتية، سواء تلبسا بهوية الاحتلال أو التباسا بهوية مضادة له.

بقيت رواية نجمة عقودا طويلة رهينة احتفاء النخبة الفرنسية بها ولم تقع ترجمتها إلى اللغة العربية إلا مؤخرا، مع بداية الألفية الثالثة، يقول كاتب ياسين هل أن روح رواية نجمة أفلت وأزهقت لأنها كتبت باللغة الفرنسية، وحبرت بغير لغتها الأصيلة، لا نظن صراحة، ولكن ما نعتقده أن الرواية تقرأ مرتين واحدة باللغة الفرنسية وأخرى بالعربية، ففيها من التناص وقوة الفكرة والعبارة ما تعجز الترجمة عن إيفائها وإن اجتهدت في الكثير من الفصول.

والرواية في الأخير تحمل من نجمة الكثير من السمات، رواية تقرأ عشاقها وتنال منهم ولا تسمح لأحدهم بمغادرتها إلا متيّما وطالبا للقاء آخر ومصافحة ثانية، رواية تقتحم عالمك وتصوراتك بلا إذن، وتتركك متشوفا ومتشوقا لفصول ثانية عن نجمة وأحوالها.

لنجمة أربعة عاشقين في القصة وآسر واحد، وفي الواقع لنجمة مئات الآلاف من المأسورين والعاشقين.

16