"نجمة" قسنطينة ظهرت في الأغاني وتأسطرت في رواية كاتب ياسين

الجمعة 2013/11/15
تبقى "نجمة" ياسين غامضة

الجزائر- هي "أسطورة" الروائي والمسرحي الراحل كاتب ياسين وقد كتبت في عز اشتعال الثورة التحريرية (سنة 1956)، التي تحيل إلى أسطورة أخرى من التراث الموسيقي، وهي الحكاية التي تأخذ أشكالا مختلفة، لكن جوهرها يكاد يكون واحدا في كل الحالات.

قيل إن رواية "نجمة" ظل صاحبها كاتب ياسين يكتبها بأشكال مختلفة، سردا وشعرا ومسرحا، لكن الملاحظ أنها استمرت بعد موته تكتب بأشكال جديدة، ولعل آخرها ما أخرجه الفنان أحمد بن عيسى الذي أعطاها رؤية جديدة تجسدت مسرحيا مع بداية الاحتفال بميلاد المسرح الوطني الجزائري وبقيت تعرض في مختلف المسارح الجهوية، وعن هذه التجربة يقول الفنان أحمد بن عيسى إنه حرص على تقديمها باللغة المحكية المحلية "لتكون قريبة من الجمهور" ووفاء لروح كاتبها الذي يعشق لغة الجماهير.

وبقدر ما ظلت نجمة حاضرة في المشهد الثقافي الجزائري على مدى سنين طويلة، بقدر ما ظلت غامضة غموض الرواية الأصلية المستعصية على القراءة وهي التي كتبت باللغة الفرنسية وترجمت بصيغ مختلفة أكثر من مرة، آخرها ما أنجزه المترجم والكاتب السعيد بوطاجين والصادر عن منشورات الاختلاف، وهو يقول في مقدمة ترجمته تلك: "يجب الاعتراف بأنني لم أواجه نصا ممزقا مثل نجمة، نصا جعل الكاتب عاليه سافله لقناعات جمالية، ليس من السهل الكشف عن قصديتها بدقة متناهية". ويضيف بوطاجين قائلا: "ليست نجمة عملا روائيا وكفى، ليست قصة ننتظر نهايتها، وليست أبطالا بالمفهوم المتواتر؛ إنها سديم حقيقي يقود إلى ما يشبه الهوة الممتدة من المطلع إلى الخاتمة".

ومع تلك الحيرة التي تصيب قارئ الرواية أو مشاهد مختلف المسرحيات التي استوحيت منها، يطرح المتلقي السؤال: "هل نجمة مجرد خيال أم هي من لحم ودم؟" يجيب الكاتب الصحفي احميدة عياشي الذي رافق الروائي كاتب ياسين في سنيّ حياته الأخيرة عن السؤال من خلال كتابه "نبي العصيان.. عشر سنوات رفقة كاتب ياسين"، الصادر عن منشورات سقراط ويقول: "لم يكن ياسين يتحدث عنها إلا قليلا، كانت نجمة ابنة عمه، كانت أخت المخرج والممثل المسرحي مصطفى كاتب، كانت تبدو كشبح قادم من بعيد، عندما يتذكرها كانت الصوت الأسطوري للأسلاف الذين يتحدّث عنهم كاتب ياسين في روايته وفي أشعاره وفي مسرحياته التراجيدية"، ويضيف «يوم مات (كاتب ياسين) رأيت نجمة، كانت من لحم ودم وكانت ترتدي السواد.. كانت عيناها غائرتين.. ذات أنف طويل وملامح تحمل نفس الكآبة التي كانت تظهر على وجه ياسين..".

لقد كانت أسطورة كاتب ياسين تلك من لحم ودم ولم تكن إلا أخت المدير العام للمسرح الوطني السابق الراحل مصطفى كاتب، وقد أعطاها الفنان أحمد بن عيسى من خلال عمله المسرحي الأخير قراءته الخاصة، والتي لخّصها في حكاية رجل كان يحدّث زوجته وهما من قبيلة «الكبالتة» (بنو كبلوت) بالشرق الجزائري ويبشرها بقدوم شاب اسمه «الأخضر» يرث من أجداده الثورة على الاستبداد، ويظهر «الأخضر» بعد ذلك في القبيلة نفسها يعيش قصة حبّ مع «نجمة»، وتتوالى الشخصيات الثورية في الظهور مجسّدة ملحمة الحبّ بمختلف أنواعه.

ولئن عرفت «نجمة» كأسطورة روائية ومسرحية مع كاتب ياسين منتصف القرن العشرين، فهي أقدم من ذلك في الفن الجزائري، من خلال قصيدة «البوغي» التي اشتهر بغنائها الفنان محمد الطاهر الفرقاني في وقتنا وذلك في إطار موسيقى «المالوف»، وقد غنّاها قبله الكثير من الفنانين، وما «البوغي» إلا قصة حبّ مستحيل جمعت المرأة القسنطينية «نجمة» قبل أكثر من قرنين من الزمن بحبيبها المسمى «جاب الله» وهو فنان موسيقي قادم من مدينة عنابة، وقيل إن «نجمة» عندما أحبّت جاب الله كانت متزوجة وقيل أيضا إن أهلها لم يزوجوه إياها، وتنتهي الحكاية عندما تصرّ هي على أن يأتي ليغني في عرسها أو في حفل ختان ولدها، حسب مختلف الروايات، فيأتي جاب الله ويغني حكايته معها وينكشف أمره فيعرض نفسه للقتل ويتحوّل العرس إلى مأتم. ولئن عرفت حكاية «البوغي» من خلال التراث الموسيقي الحضري للشرق الجزائري إلا أن حكايتها المدهشة حوّلها الفنان احسن بوبريوة إلى عمل مسرحي.

وفي كل الأحوال تبقى «نجمة» عصيّة على الإمساك بها، ولا ندري كيف سمّى كاتب ياسين حبيبته بهذا الاسم؟ هل اعتمد على حكاية «البوغي» وتكرّر الحبّ المستحيل من خلال الاسم نفسه، أم كان الأمر مجرّد «صدفة»؟ وفي كل الأحوال، فإن الأسطورة تتجدد مع احتفالات ميلاد المسرح الوطني الجزائري.

15