نجم الدين أربكان أبو الإسلام السياسي التركي الذي قتله أبناؤه بكاتم الصوت

الأحد 2014/02/09
صاحب السبعة أرواح أنقذ الإسلاميين من كل الانقلابات العسكرية فانقلبوا عليه

نجم الدين أربكان زعيم حركة “مللي جوروش” الإسلامية التركية، وتولى رئاسة حزب الرفاه ورئاسة وزراء تركيا من الفترة بين 1996 و1997 عرف بتوجهاته الإسلامية.

هل يمكننا أن نستجلي كل الملامح الغامضة لشخصية نجم الدين أربكان (29 أكتوبر 1926- 27 فبراير 2011)؟ وبأي معنى يمكننا أن نعيد رسم صورة هي ناصعة بفعل الأضواء وباهتة جراء الكتمان والإخفاء، حيث نكمل ما بقي من خطوط ناقصة دون المساس بالحقيقة؟ وهل يمكن أن يكون لاعب مراوغ على الدوام موضوعا لبورتريه يقول عنه كل شيء؟ وبأي معنى يمكن أن تكون الكتابة هادفة عن رجل قليلا ما كانت أهدافه واضحة؟ مجمل القول، الكتابة عن الرجل لن تكون أمرا يسيرا، فإنها بالأحرى تحتاج إلى نَفس روائي؛ ذلك أنّ الأمر يتعلق بشخصيّة دراماتيكية بكل المقاييس.

الوجه الدراماتيكي لأربكان

أربكان هو والد الإسلام السياسي التّركي الذي قتله أبناؤه بكاتم الصوت، فكانت جريمة قتله كاملة وبلا أثر أو دليل، هو المحرك الأوّل لتيار تدفق بقوة حتى تخلى عنه في الأخير، منح المشروعية للإسلاميين الأتراك لكنه خسر مشروعية كل الأحزاب التي أسسها بدءا من حزب النظام الوطني، وحزب الإنقاذ الوطني، وحزب الرفاه، ثم حزب الفضيلة. مثّل الجميع ومثّل على الجميع وفي الأخير حرمه الإسلاميون أنفسهم من مشروعية تمثيلهم. أنقذ بمناوراته البارعة الإسلاميين من كل الانقلابات العسكرية ونجا منها جميعها لدرجة أن لقّبته الصحافة التركية بـ”صاحب السبعة أرواح”، لكنه لم ينج أخيرا من انقلاب الإسلاميين عليه.

حاول الجمع بين قارتين قارة الإسلام الصوفي وقارة الإسلام السياسي فاتهمه الصوفيون بالإفراط في السياسة واتهمه تلاميذه من الإسلاميين “الجدد” بنقص الحيلة وقلة الدهاء، في مرحلة حكمه حمل فكرة عظمى تتعلق بنهوض اقتصادي إقليمي بديل عن النظام العالمي، وكان منتظرا أن يأتي مشروعه من حجم الفكرة، عالما ثالثيّا على منوال باندونغ مثلا، لكنه حصره فقط على الدول الإسلامية “الثمانية الكبار”، تركيا، إيران، إندونيسيا، ماليزيا، نيجيريا، إلخ ! فيه شيء من جمال عبد الناصر ومهاتير محمد وسوكارنو، لكن فيه أيضا أشياء من حسن البنا وسيد قطب ويوسف القرضاوي. هذا الرجل المثير للجدل، المثير للاستغراب، سقط كثيرا ونهض كثيرا أمام خصومه من “العلمانيين” قبل أن يسقط بالضربة القاضية أمام إخوانه من “الإسلاميين”!


الله أكبر على الشيوعيين والصهاينة

في عام 1970 كان نجم الدين أربكان يعمل أستاذا جامعيا للهندسة الميكانيكية، وفي نفس الوقت كان يملك مصنعا لصناعة محركات الديزل، مصنع “المحرك الذهبي” والذي لا يزال يعمل إلى اليوم وينتج نحو ثلاثين ألف محرك ديزل، وكان الرجل يحمل طموحا كبيرا لتطوير الصناعة التركية، دون أن يخفي في لقاءاته رغبته في أن تركز تركيا على الصناعة الحربية. في ذلك العام، أي 1970، أعلن أربكان عن تأسيسه لحزب جديد تحت اسم حزب النظام الوطني. وكانت تلك هي البذرة الأولى للإسلام السياسي في تركيا.

وفي المؤتمر الأول لحزب النظام الوطني، بعد عام عن التأسيس، ألقى نجم الدين أربكان كلمة في المؤتمر قال فيها: “إن أمتنا هي أمة الإيمان والإسلام، ولقد حاول الشيوعيون بأعمالهم المتواصلة أن يخرّبوا هذه الأمة ويفسدوها، ولقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد، فالتوجيه والإعلام بأيديهم، والاقتصاد تحت سيطرتهم، وأمام هذا الطوفان ليس أمامنا إلا العمل معا يدا واحدة وقلبا واحدا حتى نستطيع أن نعيد تركيا إلى سيرتها الأولى، ونصل تاريخها المجيد بحاضرنا الذي نريده مشرقا”.

وفي اللقاء الصحفي الذي عقده عقب تأسيس أول حزب إسلامي في تركيا، أعلن أربكان يوم 27 يناير 1970 بأن حزب النظام الوطني يقبل عضوية كل الأشخاص ما عدا الشيوعيين والصهاينة (!) وتلك أوصاف تستعمل للشيطنة السياسية، وقد تحيل إلى الآخر المختلف أو غير المقبول.

لكن عاما بعد ذلك تدخل الجيش لفرض استقالة حكومة سليمان ديميريل ومنع حزبي النظام الوطني الإسلامي والعمال اليساري، وأجريت تعديلات دستورية استهدفت تعزيز سلطة الدولة على وسائل الإعلام، وفرضت حظرا متشددا على استخدام الدين في السياسة، ومنحت صلاحيات أوسع لمجلس الأمن القومي. لكن، سرعان ما عاد “صاحب السبعة أرواح” إلى العمل السياسي باسم حزب الإنقاذ الوطني.


المناورات والنوايا

في انتخابات 14 أكتوبر 1973 فاز حزب الشعب بزعامة أجاويد بأغلبية الأصوات، لكنه احتاج إلى التحالف مع إحدى الكتل النيابية لأجل تشكيل الحكومة. وبعد أن فشلت محاولاته مع عدة كتل بقيت أمامه في الأخير إمكانية التحالف مع حزب الإنقاذ الوطني، وهكذا وجد أربكان نفسه يحتل منصب نائب الرئيس في حكومة يقودها أجاويد. وهو المنصب الذي مكنه من فتح الأبواب أمام تغلغل الإسلاميين في المجتمع وداخل الدولة واتساع رقعتهم.

غير أن الائتلاف الحكومي لم يعمر طويلا إذ سرعان ما ظهرت الخلافات. ووقع أول خلاف عندما أخل حزب نجم الدين أربكان ببروتوكول الائتلاف والذي يقضي بالعفو العام عن جرائم الفكر والاعتقاد، فصوّت نواب حزب الإنقاذ ضد العفو عن أصحاب الأفكار اليسارية، فشكّل هذا الموقف خلافاً كبيراً ضد حزب الإنقاذ، سرعان ما أُضيفت إليه خلافات أخرى أفضت في النهاية إلى انهيار الائتلاف الحكومي. وفي يوم 6 سبتمبر 1980، شعر نجم الدين أربكان بأن شعبيته بدأت تتآكل، وهو ما أكدته نتائج الانتخابات، فدعا إلى مؤتمر كبير تحت عنوان (تحرير القدس)، وكانت المظاهرة ضخمة تخللتها شعارات مناهضة للعلمانية، وداعية إلى تحكيم كتاب الله. وليس المقام هنا للتذكير بأن الشعار إياه والذي استهلكه الخوارج قديما قد اعتبره علي بن أبي طالب كلمة حق يراد بها باطل.

حاول الجمع بين قارتين قارة الإسلام الصوفي وقارة الإسلام السياسي فاتهمه الصوفيون بالإفراط في السياسة واتهمه تلاميذه من الإسلاميين "الجدد"بنقص الحيلة وقلة الدهاء

وفي 12 سبتمبر 1980 حدث انقلاب أعاد الحياة السياسية إلى مرحلة الصفر، لكن “صاحب السبعة أرواح” بقي على قيد الحياة السياسية، بل استطاع النجاة من كل الانقلابات العسكرية التي شهدتها سنوات السبعين والثمانين من القرن الماضي، وذلك من خلال الأسلوب الذي كان بارعاً في انتهاجه: حين يُمنع حزبه يتركه ويتجه لتأسيس حزب جديد.

مجد قصير

في أواخر سنوات الثمانين بدأ يطرأ وعي لدى المؤسسة العسكرية بالحاجة إلى استيعاب الحقل الديني. فرأى العسكريون في تورغوت أوزال رجلا مناسبا، رجل الاقتصاد الليبرالي الذي تحدر من عائلة محافظة، والذي تولى رئاسة الوزراء في الفترة الممتدة بين 1983 و1991. وخلال فترة أوزال شهدت تركيا أكبر حركة للانفتاح الاقتصادي، واكبها بعض من الانفتاح السياسي والاجتماعي، لكن وفي المقابل، تزايد أيضا عدد المدارس الدينية، كما دخل الإسلاميون حقل الثقافة والإعلام بتأسيس عدد من الصحف ودور النشر ومحطات الإذاعة والتلفزة الخاصة.

وفي انتخابات 1996 كان المناخ ملائما لكي يفوز حزب الرفاه بزعامة نجم الدين أربكان في الحصول على أكبر كتلة برلمانية، وكان نجاحا غير مسبوق، ما جعله مؤهلا لتشكيل حكومة ائتلافية.

تطلب ذلك من أربكان مباحثات طويلة قبل أن يتوصل إلى اتفاق مع السيدة تانسو تشلر رئيسة حزب الطريق القويم على أساس توليه رئاسة الوزراء نصف الفترة البرلمانية، يتخلى بعدها عن الموقع لتشلر نصف الفترة التالية. غير أن مرحلة أربكان لم تعمر طويلا.

وفي كل الأحوال، فقد تمثلت مشكلة أربكان الأساسية خلال مرحلة حكمه في نزعته الإرادوية والتي جعلته يتجاهل مسألة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي ويعمل بجهد جهيد على توجيه الاقتصاد التركي نحو المنطقة العربية والعالم الإسلامي، وفق نزعة عثمانية واضحة. لكنه في نفس الوقت زار إسرائيل لدعم التعاون العسكري، وسمح للطيارين الإسرائيليين بالتدرب في الأجواء التركية، وأيضا حاول توجيه تركيا نحو تحول استراتيجي سريع حين دعا إلى قيام مجموعة اقتصادية من الدول الإسلامية الرئيسة، وهي انعطافة سريعة لم تكن تحتملها التوازنات الإقليمية والدولية.

هكذا، لم يستمر أربكان في موقعه سوى عام واحد فقط، ليجد نفسه في صيف 1997مرغما على الاستقالة.

ما جنته يداه

في عام 1998 تم حظر حزب الرفاه من العمل السياسي، وبدأ القضاء التركي في ملاحقة أربكان وعدد من قادة حزبه بتهم مختلفة تتعلق بانتهاك مواثيق علمانية الدولة وإهانة رموزها. ثم لجأ أربكان مرة أخرى إلى نفس الأسلوب الذي يتقنه، فأسس حزبا جديدH باسم الفضيلة. ثم تعرض حزب الفضيلة هو الآخر للحظر سنة 2000، وبلا كلل عمد أربكان إلى تأسيس حزب آخر هو حزب السعادة.

وتوبع مجددا، لكن هذه المرة بتهمة اختلاس أموال حزب الرفاه المنحل، وحكم عليه بسنتين سجنا، قبل أن يصدر الرئيس التركي عبد الله غول عفوا رئاسيا عنه في 18 أغسطس 2008 بسبب تدهور صحته.

غير أن “صاحب السبعة أرواح” وقبل أن يعلن هذه المرة رسميا عن تأسيس حزبه الجديد، السعادة، كان جيل من الشباب البارزين والطموحين والمناورين على منواله قد شرع في الانقلاب عليه. وهكذا نجح الثنائي أردوغان وأوغلو في إخراج نجم الدين أربكان من المشهد وتأسيس حزب العدالة والتنمية، الذي سيقود الإسلام السياسي في تركيا دون أربكان.

هذه المرّة لم يحرز حزب أربكان الجديد، السعادة، أيّ نصر يذكر؛ فلقد سحبت العدالة والتنمية من تحت قدميه البساط كله. ورغم إصرار أب الإسلاميين الأتراك على اتهام كوادر حزب العدالة والتنمية بخدمة المشروع الصهيوني، فإنه لم يجد هذه المرّة من يأخذ كلامه على محمل الجد. فلقد أفرغ ذخيرته على طواحين الهواء، وارتدّ سلاحه على نحره، ووقع صريع المناورات التي كان هو صانعها.

8