نجم عبدالله كاظم.. ناقد أنجز أهم فهرست للرواية العراقية

الراحل نجم عبدالله كاظم عاش شاهدا نقديا على متون الرواية العراقية.
الثلاثاء 2020/08/04
ناقد بلغت مؤلفاته نحو ثلاثين كتابا

على مدى ثلاثة عقود قدم الناقد العراقي نجم عبدالله كاظم الكثير للرواية وفن القصة في العراق وفي العالم العربي، حيث قدم قراءات كثيرة لإضاءة السرد العربي وخاصة العراقي، وبالأخص من زاوية تأثره بالأدب الغربي على غرار كافكا، وغيرها من المقاربات التي واكبت الكتابة السردية وكانت قوة دفع لها لتتطور أكثر.

رغم أن الناقد العراقي نجم عبدالله كاظم، الذي وافته المنية الأسبوع الماضي عن عمر 69 عاما، ينحدر من أسرة فلاحية في بلدة بهرز بمحافظة ديالى، مثل الكثيرين من أدباء العراق، فقد تشكّل وعيه الأدبي مبكرا، بعد انتقاله إلى مدينة بعقوبة، مركز المحافظة، القريبة من بغداد، لإكمال تعليمه الثانوي، وتفاعله مع وسطها الثقافي، حيث كان الكِتاب والاهتمام بالأدب جزءا من هوية العشرات من الشبّان فيها.

وما إن دخل كلية الآداب في جامعة بغداد لدراسة اللغة العربية وآدابها، حتى توجه إلى كتابة المقالات الأدبية والنقدية والقصص القصيرة، ونشْرِها في مجلات وصحف مختلفة نهاية سبعينات القرن الماضي. إلا أنه عدّ بدايته الحقيقية والجادة، ولاسيما من الناحية الأكاديمية، بعد نيله شهادة الدكتوراه عام 1984 من جامعة إكسترا البريطانية، وعودته إلى العراق.

كتب نقدية

كان أول كتاب نشره كاظم عام 1986 بعنوان “التجربة الروائية في العراق”، ثم “الرواية في العراق 1965 - 1980 وتأثير الرواية الأميركية فيها” في العام الذي تلاه، وهو ترجمة لأطروحة الدكتوراه المكتوبة أصلا باللغة الإنجليزية.

وواصل بعدئذ إنتاج الكثير من الأبحاث والدراسات والكتب المكرسة للرواية والقصة القصيرة والشعر والأدب المقارن حتى بلغت مؤلفاته نحو ثلاثين كتابا، منها “هذا الجانب من مكان صاخب: الجوهر المتكرر في الرواية العربية”، “هذا الجانب من زمان عاصف: متغيرات وتحولات في سرد الرواية العربية”، “التجربة الروائية في العراق في مرحلة الريادة الفنية والنضج”، “نحن والآخر في الرواية العربية المُعاصرة”، “الفراشة والعنكبوت: دراسات في أدب ميسلون هادي القصصي والروائي”، “مشكلة الحوار في الرواية العربية”، “الآخر في الشعر العربي”، “جماليات الرواية العربية”، “الناقد العربي وإشكاليات النقد الحديث”، “فهرست الرواية العراقية 1919 - 2014”، “كافكا والكافكوية والرواية والعربية والبحث عن الخلاص”.

تتبع للنتاج الروائي العراقي على مدى أكثر من 35 عاما
تتبع للنتاج الروائي العراقي على مدى أكثر من 35 عاما

كما كتب رواية واحدة بعنوان “دروب وحشية” نُشرت في بغداد عام 2007، وكان هدفه من كتابتها أن يعيش تجربة الروائي عموما، وعملية الخلق الروائي، كما قال.

وقد تُوّجت جهود عبدالله كاظم النقدية بمنحه جائزة الإبداع الأدبي لمؤسسة الفكري العربي في بيروت عام 2014، وذلك عن كتابه “نحن والآخر في الرواية العربية المُعاصرة”، وجاء في مقدمته “أن الأدباء عموما في العصر الحديث قد تمثلوا اللقاء بين الشرق ممثَّلا غالبا بالعرب، والغرب ممثَّلا بشكل خاص بأوروبا، لكنّ الروائيين كانوا أكثر هؤلاء الأدباء فعلا لذلك، بالرغم من حداثة الفن الروائي في الأدب العربي، مقارنة بالشعر مثلا… ومن هنا تأتي أهمية صور العلاقة ما بين الشرق والغرب كما تمثلتها الرواية العربية”.

وشكّل كتاب كاظم “هذا الجانب من زمان عاصف: متغيرات وتحولات في سرد الرواية العربية” امتدادا لكتابه “هذا هو الجانب من مكان صاخب”، حيث أن الزمان، الذي يسميه “العاصف” في الكتاب الأول هو زمان العالم العربي بمتغيراته الكثيرة والصاخبة خلال العقود الأخيرة، وهو وراء المتغيرات في الروايات التي يتناولها الكتاب الثاني، وعددها ثماني عشرة رواية صدرت خلال العقود الثلاثة الأخيرة، مع التركيز في تحليل أغلب هذه الروايات على التغيرات التي شهدها السرد الروائي العربي عموما، والوقوف على الخصائص والظواهر والقضايا التي حضرت في كلّ رواية على حدة.

لكنها تتناول، على نحو أو آخر، ما يسمى بالجوهر المتكرر، الذي يشرحه جبرا إبراهيم جبرا بأنه الجوهر المتكرر للإنسان أو الشاعر أو الكاتب، والمتمثل بفكرة أساسية يحاول كلما يكتب أن يعيدها، أو ينميها، أو يضيف إليها جوانب أخرى، وذلك على امتداد مسيرته الروائية، مع إضافات وأشكال وأطر جديدة تسهم، في النتيجة، في إكمال هذا الجوهر الذي سيمثل الكاتب الروائي. وقارب كاظم في كتابه “كافكا والكافكوية والرواية العربية والبحث عن الخلاص” النزعة الكافكوية التي تحولت إلى ما يشبه “العدوى” في  تاريخ الرواية، ومنها الرواية العربية، حيث وجدت في عوالم كافكا شغفا بمواجهة محنة الإنسان المطارد، ومحنة الضمير المعذّب، الذي يدفع قارئه إلى هواجس البحث عن التطهير، مثلما استغرقتها بعض روايات كافكا.

كما وجدت في “الفانتازيا الكافكوية” تمثلاتها النفسية والسردية، على مستوى ترميز الرعب، والخوف الذاتي، أو على مستوى نقد السلطة والأدلجة والعنف في الواقع العربي، وعبر ثيمات لامعقولة اجتماعيا ونفسيا وحتى سياسيا. وضم الكتاب، فضلا عن ذلك، ملحقين احتوى الأول على أسماء عدد كبير من الكتّاب العرب الذين تأثروا بنزعات كتابة اللامعقول، واحتوى الثاني على أهم تلك النزعات التي استغرقت مجالات التجريب الروائي، وهوس الرواية العربية بأزمة البطل المطارد، والبطل المغترب، من خلال تقنيات التجريب والواقعية السحرية وغيرها.

الرواية في العراق

تناول عبدالله كاظم، في كتابه “الرواية في العراق 1965 - 1980 وتأثير الرواية الأميركية فيها” فيه نشأت القصة العربية الحديثة وتطورتها، خاصة في مراحلها الأولى في ظلال القصة الغربية، وتحت تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة.

وبيّن أن الأدب القصصي في العراق وقع، شأنه شأن مثيله في الدول العربية الأخرى، تحت التأثيرات المباشرة من خلال ترجمة الأعمال الأجنبية، وغير المباشرة من خلال الأعمال القصصية العربية الحديثة الوافدة من الدول التي سبقته في هذا المضمار، وبالتحديد مصر وبلاد الشام. وقد سبق اللبنانيون والمصريون غيرهم من العرب في التعرف على أدب القصة وفي الكتابة فيه، ولذلك أسباب عديدة أهمها حركة الترجمة، التي بدأت عن الفرنسية بعد حملة نابليون على مصر، لتنهض بعد ذلك على نحو أكثر فاعلية.

جهود عبدالله كاظم النقدية توجت بمنحه جائزة الإبداع الأدبي لمؤسسة الفكري العربي في بيروت عام 2014
جهود عبدالله كاظم النقدية توجت بمنحه جائزة الإبداع الأدبي لمؤسسة الفكري العربي في بيروت عام 2014

 وتضمن الكتاب تمهيدا تناول فيه الناقد مسيرة الرواية العراقية من النشأة حتى بداية الستينات، مع التفاتات إلى تأثيرات الآداب الأجنبية والعربية. وانقسم الكتاب إلى قسمين، اشتمل الأول على خمسة فصول حلل فيها كاظم أعمال أربعة روائيين وجدهم بمثابة الممثلين الرئيسيين لصورة الرواية في الستينات والسبعينات.

 واختص القسم الثاني بتأثير الرواية الأميركية من خلال ثلاثة فصول. وفي نهاية الدراسة وضع الناقد قوائم بالروايات العراقية التي درسها، مع أهم الروايات العربية التي استعان بها، والروايات الأميركية التي درس تأثيراتها، إضافة إلى الأعمال العالمية غير الأميركية التي تطرّق إلى مكانتها وتأثيراتها.

وقدم كاظم، في كتابه “فهرست الرواية العراقية 1919- 2014، جهدا ببليوغرافيا على مدى أكثر من 35 عاما، تتبع خلالها النتاج الروائي العراقي خلال تلك الأعوام، منجزا بمفرده ما كان يتطلب إنجازه فريق عمل من المفهرسين، كما تقول زوجته الروائية والقاصة ميسلون هادي.

لم يكتف الناقد بمسح أكثر من 1300 رواية عراقية صدرت ما بين العامين 1919 و2014، وإنما وصف الكثير من الروايات، واستقرأها، وخرج ببعض النتائج والإحصاءات التي جعلها على شكل ملاحق بما انتهى إليه من نتائج تحليلاته واستقراءاته للفهرست الرئيس والفهارس الفرعية، وهي نتائج إحصائية وتوصيفية طريفة أحيانا، ومهمة أحيانا أخرى. كما لم يقتصر الكتاب على الفهرس العام للرواية، بل احتوى على فهارس فرعية هي: فهرست الرواية النسوية في العراق، فهرست رواية اليهود ذوي الأصول العراقية، فهرست رواية الفتيان العراقية في القرن العشرين، فهرست رواية العرب المقيمين في العراق.

وكان نجم عبدالله كاظم قد عدّ هذا الفهرست طبعة أولى لـ“الفهرست الكامل للرواية العراقية في مئة عام (1919 - 2019)”، لذلك ناشد الباحثين والدارسين والنقاد والروائيين، وعموم القراء بأن يبادروا بإعلامه بالروايات التي فاته إدراجها في الفهرست، مما صدر خلال السنين التي غطاها، وبالروايات التي ستصدر خلال السنوات الأربع القادمة، ليكون أشمل فهرست معني بالسرد الروائي العراقي.

15