"نجومية"عن"نجومية" تفرق!

السبت 2014/02/01

فَلْنَتَفق، منذ البداية، على أنَّ مفهوم “النجوميّة” ليس واحداً في نَظَر مَن يستخدمونه في توصيف الكُتّاب والكاتبات.

فـ”النجم”، بحسب الذين يتعرفون على الأدب والأدباء عبر الصحافة اليوميّة، هو مَن تتواتر أخباره وصوره وتُكتب عنه المقالات. أو ذاك الذي يشغل تلك الصحافة بقصةٍ ذات صلة بكتابٍ قام بنشره هي أقرب إلى الإثارة، أو خرَق المألوف الأخلاقي أو الديني أو القِيَمي، مما أدّى إلى ذيوعه بسببٍ منها، وما تلاها من قضايا كمنع نشر الكتاب، أو مثوله أمام القضاء.

والملاحظة العامة المتعلقة بهذه “النجومية” تتمثّل في أنَّ غالبية الذين يتداولون “الاسم” يكتفون بترديد المسألة الخاصّة به دون قراءة الكتاب موضوع الإثارة، أو يقتصرون عليه دون سِواه من الكتب.

أمّا الذين يتابعون ويتقصّون كتبه، فتراهم وقد حدّدوا قراءاتهم به وبأمثاله ممن يشغلون الصحافة بقضايا مثيلة، جاهلين تماما كتابات مجموعة كبيرة من الأسماء ذات الصلة بجنس الكتابة نفسه (الرواية/ الروائيون مثلا) يتحلّى البعض منها بأهميّة أكبر منه، وفق المعايير الأدبيّةـ الفنيّة.

“النجوميّة” في هذا السياق، كما أرى، لا تعدو أن تكون مؤقتة أو هَشَّة، لأنَّها لم تستند على روافع من داخل النصّ، ذات صلة بالكتابة ككتابة، وإنما على “شُهرة” طارئة لم تكن فنيَّات الكتابة هي السبب فيها. وبذلك هي، بحسبي، “نجوميّة شعبويّة”.

غير أنَّ هذا لا يحول دون التشديد على أنَّ عددا كبيرا من الأسماء، وبسبب من تراكم أعمالها المتصفة بالإبداع وفق المعايير الأدبيّة، باتت تتصف بـ”النجوميّة” أيضا. لكنها نجوميّة ذات بُعد تكريميّ تقديريّ من أصحاب المعايير البعيدة عن ضجيج الإثارة وغبار “الفضيحة”!

الأمر الذي أودّ الإشارة إليه: إنّ التعرض لقضايا الجنس، والدين، والسياسة في الكتابات الأدبيّة لا يشكّلُ مأخذا عليها؛ إذ هي المناخات الطبيعيّة التي يتحرك خلالها النصّ الأدبي ويحفرُ في طبقاتها. غير أنّ الابتذال في معالجتها (وهذا لا يتأتى إلاّ من قِبَل المواهب الناقصة، والرؤى الفقيرة، واللغة المسطحة) هو الأمر المرذول. وهو، للأسف الكبير، المادة التي تتغذّى عليها “شُهرة ونجوميّة” مَن أسميتهم بـ”النجوم الشعبيون” بدعم، واع وغافل معا، من الرقابات ضيقة الأفق وبعض الصفحات الثقافيّة! وهنا تحديدا يُطرح السؤال عن “المسؤوليّة الأدبيّة” للقائمين على الترويج في الصحافة. سؤال المعرفة الحقّة لدى الذين ينبغي عليهم التفريق بين السطحي والعميق: بين الزائف الوقح والحقيقي الخجول: بين الكتاب الذي يحمل وزنه “الثقيل” من داخله، وذاك “المحمول” على وزن وثِقَل ضجيجه وزوابع غباره. النجوميّة، في النهاية، وبعيدا عن الصحافة ذات الترويج، هي الكامنة داخل النصوص المحترمة لشروطها الفنيّة، وصدق الذين يكتبونها. وهي الناتجة، بطبيعة الحال، عن قراءات محترفة وذائقة ثقافية تدرك الفروق الأساسيّة بين كتابة غايتها لفت انتباه قُرّاء الرقابات والمحظورات الرخيصة خفيفة الوزن، وأخرى لا تهدف لغير انسجام صاحبها/ صاحبتها مع نفسه/ نفسها.

ملاحظة أخيرة: ليس كل ما هو ممنوعٌ من التداول تَقَصَّدَ صاحبُه الإثارة، أو لا يحملُ في داخله قيمةً معرفيّة أو أدبيّة. فكثيرة هي الكتب التي طالها المنع تتصف بالعمق المعرفي والمستوى الأدبي الرفيع، غير أنّ أُفق الرقابات المحدود خنقها وجعلها موضع إثارة. ومن هنا تبرز خطورة المساواة بين هذا الممنوع وذاك، رغم البون الشاسع الفاصل لهما.


* كاتب من الأردن

16