نجومية الشاعر

المآلات الراهنة للشعرية العربية هي امتداد للحالة الشعرية الجديدة، وما طالها من تغييرات مهمة في البنية والعلاقة مع المتلقي.
الثلاثاء 2018/04/03
نجم غائب

الفراغ الذي خلفه غياب الشاعرين الكبيرين نزار قباني ومحمود درويش، لم يستطع أي صوت شعري آخر أن يملأه. والسؤال هو هل هي أزمة نجومية شعراء، أم أزمة شعر. قبل الإجابة لا بد من تناول المسألة في سياق التحولات التي طالت واقع الشعرية العربية، في السنوات الماضية، بصورة جعلت التعاطي مع هذه المفاهيم التي كانت سائدة، غير ممكنة الآن في الوقت الراهن.

لكن قبل كل شيء لا بد من القول إن هذه الظاهرة تتجاوز حدود الشعرية العربية، إلى الفضاء الشعري العالمي الراهن. البحث عن أسماء تملأ الفراغ الذي خلفه أمثال بودلير ومالارميه وبيرس وإليوت وإيلوار وبابلو نيرودا والكثير غيرهم، يكشف عن اختفاء هذه ظاهرة الشاعر النجم، التي كان يمثلها هؤلاء الشعراء في الشعر العالمي.

يحيل البعض نجومية هذه الأسماء الكبيرة إلى الدور الذي لعبوه في رسم مسارات الشعر العالمي الجديدة، أو بالعلاقة التي كانت تربطهم بالقضايا الإنسانية الكبيرة، وبالجمال الذي منحوها لها من روحهم وموهبتهم.

إن غياب النجومية لا يعني أن تلك القضايا اختفت، وأن الشعر خسر رهانه على الأسماء الجديدة. قراءة ذلك يجب أن تتم خارج المواضعات السابقة للدرس النقدي حول وظيفة الشعر، ولغته وعلاقة الشاعر بالعالم. إن تحول الشعر إلى تجربة فردية بأبعادها ودلالاتها النفسية والوجودية والجمالية، يعد جانبا هاما في هذا التحول الذي طرأ على موقف الشاعر ورؤيته لوظيفية الشعر.

المآلات الراهنة للشعرية العربية هي امتداد للحالة الشعرية الجديدة، وما طالها من تغييرات مهمة في البنية والعلاقة مع المتلقي. لذلك فإن دلالة غياب الشاعر النجم كما كان سابقا يمكن أن نفهمها أيضا، في إطار الحضور الذي بدأت تتقلص مساحته بالنسبة إلى القصيدة الجديدة من جهة. ومن جهة أخرى بانغلاق أفق مرحلة شعرية هيمنت فيها قصيدة التفعيلة على المشهد الشعري العربي، مع صعود وانكسار حلم النهوض العربي. هذا القول لا علاقة له بالمفاضلة بين التجربتين، لأن قصيدة النثر كانت جزءا أصيلا من مشروع الحداثة الشعرية العربية منذ أكثر من نصف قرن.

الأسباب التي تقف في خلفية المشهد الراهن للشعر تدل على تحول طال ذائقة القارئ، بقدر ما طال فهم الشاعر نفسه لمغامرة الكتابة الشعرية، ما يعني أن هناك تحولات أزاحت الشعر، وليس الشاعر النجم وحده عن موقع الصدارة، في الثقافة العربية.

لذلك فإن قراءة هذه الظاهرة باتت تستدعي قراءة نقدية مغايرة، تتخلّص فيها من أشكال مقارباتها التي سادت سابقا، في إطار الوعي الجمالي والفكري الذي ظل يعبّر عن رؤية تتساوق مع مفهوم القصيدة الناجز ورسولية الشاعر.

15