نجوى بركات: الكاتب العربي مهاجر ومنفيّ وضحية الفقر

الأحد 2014/03/16
بركات: الخيال هو ملح البشرية والقصص هي وقود الخيال

نجوى بركات، روائية لبنانية مقيمة بباريس، عملت في الصحافة المكتوبة والإذاعية والتلفزيونية، وأصدرت خمس روايات. وهي تمثّل صوتا سرديا مختلفا عن أصوات عديدة يموج صداها في أرجاء الرواية العربية. وتوصف كتابتها بكونها ذات فضاءات تخييلية بكر كانت سبيلها إلى كتابة نصوص كثيفة الإيحاء. جريدة “العرب” التقت بهذه الكاتبة في حوار طال الرواية والترجمة ومسائل أخرى فكرية.

تراوحت تجربة نجوى بركات الكتابية بين الرواية والصحافة كما لو أنّ الكاتب يحتاج أحيانا إلى “لغتين” كي يقول ما يريده، وحول هذه الأمر تقول بركات: “خلف تعدد لغات التعبير إذا صح القول، يقف أكثر من دافع. فهناك حتما الحاجة إلى تحصيل الرزق، يليها إجادتك لمهنة ما أو خبرتك العملية في هذا الحقل أو ذاك، وأخيرا توفّر فرص العمل المتاحة أمامك. الكاتب العربي إجمالا إما مهاجر، لكي لا أقول منفيّا، أو ابن طبقة متوسطة وما دون، وهو كما نعرف لا يستطيع أن يعتاش من كتاباته الإبداعية، ما يضطره للبحث عن مصادر رزق أخرى.

هذه إجابتي على المستوى الأول. أما وقد قلتُ ما قلت، فإني وبحكم دراستي الفنية، في المسرح ومن ثمة في السينما، فقد كان متاحا لي أيضا أن أخوض مجال الكتابة الصحفية من هذا الباب، أي باب الأدب والفنون المشهدية بحكم إطلاعي ومتابعتي لها، وصولا إلى إعداد برامج إذاعية وتلفزيونية، وكتابة سيناريوهات سينمائية بات أحدها حاليا في طور البحث عن إنتاج أوروبي… وفي العودة إلى سؤالك، أعتقد أن الجامع بين كل أشكال التعبير، هو الرغبة في رواية قصة غالبا ما يكون هاجسها تناول همّ إنساني معيّن.

الخيال على ما أعتقد هو ملح البشرية، والقصص هي وقود الخيال. الرواية تخبر قصة، وكذلك يفعل الفيلم السينمائي والمسرحية واللوحة والأغنية و… كل لغات التعبير أيا كانت، تؤدي بنا إلى هناك”.


الرواية والحرية


حول كلّ ما يروج من قول عن موت الرواية في الوقت الذي يتكاثر فيه الروائيون، تقول بركات: “يقال أيضا إنه زمن الرواية وإنه موت الشعر، لا؟ أعتقد أن المجتمعات العربية بدأت تعي حدة التعقيد والتركيب اللذين باتت عليهما بعد كل التحوّلات التي عرفتها والتي ربما كانت تبلغ اليوم، مع كل ما يجري من حولنا هنا وهناك، ذروتها. الفرد العربي أيضا كأنه بدأ يتحرّك في قوقعته، أو داخل شرنقته.

أقول بدأ لأن تشكّله لم يتمّ بعد ولأنه ما زال يحتاج ربما إلى دفع أكلاف أخرى باهظة كثيرة لكي يتم الاعتراف به، أو لكي ينتزع حقه في الوجود. المجتمعات العربية أجسام خانقة، تجثم على صدر الفرد العربي وتمنعه من التشكّل والانوجاد. فهو لكي ينوجد، يحتاج أن يكون منتميا إلى، ابنا لـ، جزءا من… “.

هاجسي هو بالضبط سلوك الجسم الجماعي. ففي مجمل أعمالي، أنا لم أتعرض إلى شخصيات فردية بوصفها أفرادا، بل كأجزاء مكونة لمجموعة ما

وتضيف بركات قائلة: “يستحيل أن يعرّف عن نفسه بنفسه. هو دائما تفصيلٌ في جسم كلي قد يكون العشيرة أو العائلة أو الحزب أو منظومة اجتماعية ما. هذا ما تسعى الرواية العربية حاليا، في أحد جوانبها، إلى التعبير عنه، أي أنها تتناول تقدّمَ الشخصية الروائية العربية وسط فضاء يمنع عنها الحرية بالمعنى الواقعي والمجازي، لأسباب مختلفة قد تكون سياسية أو اجتماعية أو دينية أو نفسية، الخ. غياب الحرية في معناها الجوهري، يمنع نموّنا كأفراد، وما الموضوع المهيمن في الرواية العربية سوى رغبة تلك الشخصيات بالتحرر والانعتاق والمضيّ نحو مصائرها أيا كانت”.


الجسم الجماعي


أصدرتِ نجوى بركات عدداً كبيراً من الروايات، وهو أمر ينبئ بتطوّر هذه التجربة، ولأن لكلّ تجربة خيطا ينتظم سيرورتها، توجّهنا إليها بالسؤال عن الهاجس الذي يرافق روايتها، فأجابت بالقول: “هاجسي هو بالضبط سلوك الجسم الجماعيّ.

ففي مجمل أعمالي، أنا لم أتعرّض إلى شخصيات فردية بوصفها أفرادا، بل كأجزاء مكوّنة لمجموعة ما، وكعناصر غير مستقلة بذاتها تكمن معضلتها الرئيسة في ارتباط مصيرها بمصير الجماعة. الخيط أو الهاجس كما تقول، لم أستوعبه إلا بعدما أخذت مسافة كافية من رواياتي وبعد أن أُجبرت على التفكير في ما يجمع بينها.

فبالرغم من اختلاف الموضوعات من رواية إلى أخرى، لديّ دائما مجموعة من الأبطال ليس ضروريا دوما أن يكون هناك رابط في ما بينها سوى تواجدها معا في ظرف ما. رد فعل الشخصية الروائية إزاء المجموعة هو ما يشغلني، وبالتحديد سلوك الشخصية حين تصبح هي المجموعة وتشترك مع الآخرين في السلوكيات نفسها، هذا لا يحصل إلا في ظروف استثنائية تعيد كلا منّا إلى ردود أفعاله الغريزية البدائية الأولى.

إن السؤال الذي شغلني في رواياتي وما يزال هو سؤال متصّل بالعنف وبقدرة أناس اعتياديين، أسوياء، على ممارسته والمضيّ به إلى حدود قد تتجاوز الهمجية والبربرية مجتمعتين. هذا ما شهدناه خلال الحرب الأهلية في لبنان وما اتضح فيما بعد أنه يقوم في صلب همّي الروائي”.

مغامرة المحترف مضنية بمعنى ما لأنها تتطلب من المشارك جهوزية وصلابة ومثابرة وطواعية وقدرة على تقبل النقد وأحيانا على رمي ما كتب وإعادة صوغه من جديد

وعن تفاصيل توقيع محترف نجوى بركات منذ فترة اتفاقا مع “آفاق” ليتحول إلى ورشة كتابة روائية، تقول بركات: “محترف نجوى بركات هو نفسه “محترف كيف تكتب رواية” الذي بدأ عام 2009 وأنجز دورة أولى في بيروت ودورة ثانية هي حاليا قيد الإنجاز في البحرين، وأنتج إلى الآن 10 روايات نشرت تسع منها في أهم الدور العربية وأعني بها “دار الآداب” وواحدة في دار الساقي.

منهجي في العمل يبقى هو نفسه، أي اختيار ما بين 6 – 10 مشاريع روائية كحد أقصى والعمل مع أصحابها على إنجازها لتأتي بأفضل النتائج. يستمر العمل عاما كاملا تتخلله 3 ورش أو لقاءات عملية يدوم كل منها ما بين 7 – 10 أيام، على أن تستمر المتابعة والتواصل عبر مختلف الوسائل المتاحة.

اليوم، بات المحترف شريكا لمؤسسة عريقة ومهمة مثل آفاق التي تموّله وتؤطره، وهو ما يشكّل قفزة نوعية واعترافا مهمّا بالجهد المبذول.لقد جرى ما جرى بناء لقرار “آفاق” وليس لقراري أنا، أي أن مسؤولي “الصندوق العربي للثقافة والفنون” هم من قرروا إلغاء المنح في مجال الأدب واستبدالها بمحترفي لكتابة الرواية. لديهم رغبة ربما في إعطاء الكتّاب الشباب فرصة تتعدى مساعدتهم ماديا لتعينهم على بناء شخصيتهم كروائيين.

أنا أتبع في العمل منهجا متكاملا يهدف إلى الأخذ بيد الكتّاب منذ البداية وصولا إلى إنجاز ونشر نتاجهم الروائي في دور نشر مهمة، طبعا إذا كانت أعمالهم المنجزة جيدة وذات مستوى”.


قاطرة اللغة


وفي ظل غياب جهات تقييم للمنجز الأدبي الشبابي، سألنا نجوى بركات عما قد يضيف هذا المحترف للساحة الروائية العربية، فأشارت إلى أنّ “الموضوع هنا يتعلّق بأصحاب تجارب روائية سابقة أو أصحاب مشاريع روائية ينتسبون إلى المحترف بشكل طوعيّ لأنهم يجدون أنهم يحتاجون إلى إنضاج تجربتهم بمغامرة من نوع آخر، خاصة أنهم يعرفون أنه سيتم اختيارهم من بين العشرات، كي لا نقول المئات. مغامرة المحترف مضنية بمعنى ما لأنها تتطلب من المشارك جهوزية وصلابة ومثابرة وطواعية وقدرة على تقبّل النقد وأحيانا على رمي ما كُتب وإعادة صوغه من جديد.

لكنها مغامرة شيقة تمكنهم من إيصال صوتهم ومن أخذ فرصتهم في الانوجاد على الساحة الروائية العربية. لهم هم من ثمة أن يثبتوا أنهم أصحاب أصوات متميّزة وأن يحلّقوا بأجنحتهم نحو النجاح أو الفشل في تحقيق مشروع روائي حقيقي ومتميّز على المدى الطويل.

أيضا ما يسعى المحترف إليه هو خلق أجواء أدبية جديدة ربما تحوّلت لاحقا إلى تيار أدبيّ، وذلك من خلال التلاقي والتفاعل بين مختلف المشاركين وكلهم يأتون من بلدان عربية مختلفة بتجارب متنوّعة، ما يخلق صداقات في ما بينهم وجوّا من التنافس ينعكس بشكل عام إيجابيا على إبداعهم”.

لدي هاجس اللغة وقد تجلى ذلك بأفضل أشكاله برأيي، في روايتي(لغة السر)

وفي ختام الحوار، سألنا إن كانت نجوى بركات ما تزال مسكونة بالهاجس التجريبي اللغوي في نصها الروائي، فأجابت بقولها: “أنا أرى أن اللغة هي اسمنت العمارة الروائية. إن كانت لغتك مفككة، هزيلة، مضطربة أو دخيلة، انهار بناؤك الروائي مهما سخيت على هندسته.

أحيانا أتخيّلها كالقاطرة التي تحمل القارئ إلى الدخول في عالم الرواية. إن كانت مفككة تصدر ضجيجا أو روائح نتنة، فهي ستمنعك من الاستمتاع بالمشاهد التي تمرّ بك عبر نافذتك، مهما كانت رائعة ومدهشة. لا أدري ما هو مقصدك من استخدام عبارة الهاجس التجريبي اللغوي، وربما أفضّل استبدالها بعبارة الهاجس اللغوي.

أجل، لديّ هاجس اللغة وقد تجلى ذلك بأفضل أشكاله برأيي، في روايتي “لغة السر” التي تناولت موضوعة سلطة اللغة، واللغة متى تحوّلت إلى سلطة، لكي تقول إن إقفال أي نصّ هو بمثابة الحكم عليه بالإعدام.

الثقافة العربية هي ثقافة الكلمة والنصّ، لكنها بقدر تمجيدها لهما، بقدر عسفها وظلمها حيالهما. فوراء كل تقديس مبالغ به لنصّ ما، يكمن سعي لتحنيطه والقضاء على ما يحيا فيه، أي جوهره ومعناه، لا بل معانيه. إنني أصدق كل ما تكتبه نجوى لأنها تكتب نصاً يذكرنا أن للغة معنى آخر في كل مرة وأن هناك فكرة قادرة على التحرك وسط مستنقع البؤس والضجر”.

6