نجوى جويلي الشباب الثوري العربي في البرلمانات الأوروبية ممولا بالمال الإيراني

الأحد 2016/02/21
أول نائبة برلمانية أسبانية من أصل عربي وأصغر نائبة بالبرلمان

مدريد - المرأة العربية تحصل على جوائز هامة في كل المجالات العلمية والإبداعية. ولكن المجال الأصعب الذي ما زال حقل تحدٍّ بالنسبة إليها هو المجال السياسي. وهو ما لم يكن أحد ليتوقع أن تتفوق فيه امرأة ذات أصول عربية، وأن تصل لدرجة استلام مناصب ذات مسؤولية عالية مثل منصب وزيرة أو نائبة برلمانية، وأن تصبح صاحبة قرار سياسي مستقل ومؤثر في دول العالم المتقدمة والتي تقودها الديمقراطية الحقيقية ويسودها العدل وقانون تكافؤ الفرص.

صحيح أن نساء عربيات، برزن هنا أوهناك كوزيرات بالتعيين، أو مستشارات أو تولّين مناصب قيادية في المنظمات الدولية. لكن اللافت هو أن تحصد إحداهن نتائج ساحقة في انتخابات تسبر الرأي العام وتذهب فيها الأصوات الغربية لصالح تلك الآتية من العالم العربي.

لكن هذه المقدمة تصلح لتكون حديثاً جميلاً عن سياسية بوجه ناصع، إذا لم ير العرب العامل الإيراني في دعم وتعزيز حزب بوديموس الذي فاز بالانتخابات وقدّم النائبة نجوى جويلي كواحدة من واجهاته الشبابية لتحقيق أهداف طهران في محاصرة العرب والتحكم بصناعة القرار في عواصم عالمية.

مصر الشابة

نجوى جويلي هي إحدى الفتيات ذوات الأصول العربية واللواتي استطعن إثبات أنفسهن في مجال السياسة بعمر مبكر جدا. فجويلي المصرية التي تمتلك جنسية أسبانية، والتي لم تكمل بعد الرابعة والعشرين من عمرها، ترأست الشهر الماضي أول جلسة للبرلمان الأسباني وذلك بعد فوزها بأعلى أصوات على مستوى الدولة كلها وبين كل مرشحي الأحزاب في الانتخابات البرلمانية أواخر العام 2015.

استطاعت جويلي الحصول على أكثر من سبعة وتسعين ألف صوت في الانتخابات الأسبانية الأخيرة، وأصبحت بذلك أول نائبة برلمانية أسبانية من أصل عربي وأصغر نائبة بالبرلمان أيضاً منذ تاريخ تأسيسه حتى هذا اليوم، وبما أن القانون الأسباني ينص على أن أصغر نائب هو من يترأس الجلسة لذا فقد ترأست نجوى الجلسة الأولى للبرلمان.

وقد تحولت الشابة المصرية خلال ساعات، إلى نجمة على مواقع التواصل الاجتماعي عقب نشر والدها صورا لها وهى تقود الجلسة الإجرائية للبرلمان الأسباني. لتصبح مصدر فخر واعتزاز لكل المصريين والعرب، بعدما استطاعت الإشراف على انتخابات رئاسة مجلس النواب الأسباني.

حزب "نحن نستطيع"

نجوى الشابة المولدة في العام 1991 تحمل شهادة في علم النفس من جامعة الباسك، إضافة إلى درجة الماجستير في علم النفس التعليمي، متخصصة في علم نفس الأطفال، كانت قد فازت بأحد مقاعد مقاطعة غيبوثكوا الواقعة في إقليم الباسك، شمال أسبانيا، لنواب حزب “نحن نستطيع” حديث التأسيس، والذي تمكن من حصد ثالث أكبر عدد من المقاعد بالبرلمان بإجمالي 69 مقعدا من أصل 350 وبنسبة تصل إلى 20 بالمئة تقريباً.

النظام الإيراني يحاول استمالة الجالية العربية والإسلامية المقيمة في أوروبا، حيث أسست طهران مؤسسة "آل البيت" لهذا الغرض. ومن الوثائق التي تمّ تسريبها إلى الإعلام الأسباني حول هذا تلك التي كشفت عن أن شركة "غلوبال ميديا"المملوكة للإيراني زاده، كانت تعطي فواتير مضخمة لشركات تابعة لزعماء حزب بوديموس مقابل خدمات وهمية

شهدت جويلي وتابعت كما تقول، أحداث ثورة الشعب التونسي أولاً ثم ثورة الشعب المصري عام 2011 وهي ترى أنه بعد ثورات الربيع العربي، كانت قد “بدأت في عدة دول أوروبية مظاهرات غاضبة ضد البطالة وسياسات التقشف وتخفيض الضمان الاجتماعي، وفي مدريد بدأت التظاهرات وامتدّت لمدن أسبانية أخرى. شبان غاضبون يتظاهرون ضد السياسات الاقتصادية والبطالة، ورفضا لهيمنة أكبر حزبين في أسبانيا: الحزب الشعبي المحافظ الحاكم والحزب العمالي الاشتراكي المعارض، مظاهرات متعددة واجتماعات هنا وهناك، يخرج من هذه الاحتجاجات حزب سياسي ثم يخرج آخر”.

تؤمن جويلي أن الكثيرين كانوا يعتقدون أنه لا مستقبل سياسي لأحزاب خرجت من احتجاجات شبابية عابرة متأثرة بحالة احتجاجية ملأت العالم، من العالم العربي حتى وول ستريت في نيويورك. لكنه يحدث ما لم يتوقعه أحد. تقول “بعد أقل من عشرين يومًا من تأسيس حزبنا بوديموس (بالعربية: نحن نستطيع أو قادرون) ينضم للحزب مئة ألف شاب وشابة”. ثم بعدها يجتمع أعضاء الحزب بحثا عن تواجد حقيقي لهم في المؤسسات السياسية الأوروبية، لذا فقد غامر حزب بوديموس وشارك في الانتخابات الأوروبية، التي أجريت في 25 مايو 2014 في أول تجربة انتخابية له، والمفاجأة، أن هذا الحزب الجديد الذي لم يكن أحد يحسب له أيّ حساب قد استطاع الحصول على خمسة مقاعد في البرلمان الأوروبي، وأصبح بذلك “رابع قوة سياسية في أسبانيا، وهذا بحد ذاته زاد كثيرا من شعبية الحزب وهذا ما جعله يحصد هذا النتائج الرائعة في الانتخابات الأخيرة”.

العربية التي تلقفتها إيران

تبدأ حكاية جويلي في أسبانيا منذ أكثر من ستة وعشرين عاما حيث جاء والدها، وهو الشاب المصري القادم من النوبة أحمد جويلي، إلى مدريد في أسبانيا ليكمل تعلم اللغة الإسبانية التي كان قد بدأ تعلمها في المركز الثقافي الأسباني في القاهرة.

بدأ أحمد الدراسة في كلية للسياحة والفندقة، وتنقل بين وظيفة بسيطة وأخرى لتحصيل المال اللازم للدراسة والعيش. وبعد عدة أعوام من العمل الجاد في مجال السياحة في أسبانيا، افتتح شركته الخاصة مع أحد أصدقائه، ليصبح المؤسس والمدير التنفيذي لوكالة سفر وسياحة تسمى “ديستينا. كم”، والتي أخذت تتطور وتتوسع في مجال السياحة والسفر في أوروبا. لم يزر مصر لسنوات طويلة، لكنه حين جاءت ثورة يناير شارك فوراً في تأسيس وتنظيم مسيرات في أسبانيا تأييداً للثورة ورغبة منه في إقناع الحكومة والإنسان الأسباني بعدالة هذه الثورة، كما أنه ساهم بفاعلية في جمع توقيعات للجمعية الوطنية للتغيير.

ذهب مع ابنته إلى مصر أثناء الثورة، و كان حريصًا على المساهمة في تطوير صناعة السياحة في بلده، بما له من خبرات كبيرة -جعلته الآن يصبح نائباً لرئيس اتحاد غرفة السياحة الأسبانية- إلا أن مساهماته واقتراحاته قوبلت برفض من المسؤولين في مصر. والسبب: لا سبب. وظل أحمد مترددا على مصر ومشاركا في أنشطة سياسية، ومعرّفا أسرته الأسبانية على ثورة مصر والبلد الذي ولد من جديد. ولكن بعد تردي الأوضاع السياسية في مصر عاد إلى أسبانيا وقرر ألاّ يعود إلى مصر أبدا، فبلادنا تدفننا أحياء وبلاد أخرى تعطينا الفرص هذا ما يقوله والد نجوى.

تحاول إيران القيام باختراق سياسي لبناء الصداقات والنفوذ. وهذا يتضح من عملها الواسع في أوروبا عبر مؤسساتها الخيرية الموجودة بقوة في عدد من الدول الأوروبية مثل بلجيكا وفرنسا وألمانيا، لكنّ الإيرانيين يركزون على أسبانيا، بشكل خاص، لأن فيها جالية عربية كبيرة من المغرب العربي، وخاصة من المغرب.

الإعلام الأسباني يسخر من إغليسياس زعيم حزب بوديموس ويصوره بعمامة متنعما بالمال الإيراني

استهداف المغرب

تقول نجوى جويلي “لقد آمنت بثورات الشباب العربي في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، ولا بد من أن يأتي اليوم الذي نستطيع فيه أن نبني عالمنا العربي الجديد الذي يضمن حرية الرأي والفكر على كافة مستوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية. لقد ولدت وعشت في دولة أوروبية، وتشربت ثقافة المجتمع الأوروبي الذي يساوي المرأة تماما بالرجل بل ويميزها بحقوق كثيرة، والذي يجعلها فخورة بأنوثتها، مثلما هي فخورة بإنسانيتها وإنجازاتها، ولقد عرفني والدي على شباب مصر في بداية ثورتهم، وقد شاركت معهم وتعلمت منهم الكثير من روح التضحية ومن مفهوم العمل الجماعي ومن الثقة بقوة الشباب وبقدراتهم ضمن ما يحملون من طاقات هائلة في دواخلهم ومن نبل في شخصياتهم، لم أكن أصدق التجربة التي عشتها أيام ثورة مصر، وما تركته في شخصيتي طبعا بالإضافة إلى ما علّمتني إيّاه الحياة في أسبانيا من ثقة بنفسي واستقلالية لشخصيتي وما علمتني إياه دراستي الأكاديمية”.

ولم يتوقف الأمر فقط عند جويلي، فقد وجد الكثير من المهاجرين المغاربة ضالتهم في حزب بوديموس لاعتبارات عديدة أبرزها شعاراته التي رفعها، ودفاعه عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لعامة المواطنين دون تمييز، وخصوصا أن المهاجرين والعائلات المغربية كانت الحلقة الأضعف وتأثرت كثيرا بفعل الأزمة الاقتصادية، حيث هاجر الآلاف منهم من ذوي الجنسية الأسبانية نحو دول أوروبية أخرى، فيما آثرت فئة أخرى العودة إلى المغرب، ورغم ذلك تبقى الجالية المغربية أكبر جالية في أسبانيا، وهي تتأثر بدرجة أكبر من غيرها (من مهاجري أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية) بسياسات الأحزاب الأسبانية، وخصوصا في الشق المرتبط بالاندماج وتسوية الوضعية القانونية. فبرنامج الحزب يبدو إيجابيا وذا بعد إنساني.

لكن وراء ذلك كله، يبرز موقف عدائي تجاه المغرب العربي، خاصة ما يتعلق بتصريحات قادة الحزب وبرنامجه ولقاءاته بمسؤولين عن جبهة البوليساريو.

ففي برنامج الحزب الانتخابي الأخير والمؤلف من 332 صفحة، وفي صفحته رقم 225، فإن الحزب يلتزم بالدفاع عن تقرير المصير في الصحراء ومنح الجنسية الأسبانية للصحراويين الذين يعيشون في أسبانيا. وكذلك تمكين “المينورسو” من مراقبة حقوق الإنسان، والمطالبة بتعيين مبعوث أوروبي خاص للمنطقة، وهو ما قد بدأ الحزب فعليا في الدفاع عنه، خصوصا في البرلمان الأوروبي، حيث يمثل الحزب بخمسة نواب.

الاستثمار السياسي

صحيفة “أوكيدياريو” الأسبانية تقول إن الحكومة الإيرانية موّلت قناة “هيسبان تي في” -التي تملكها “غلوبال ميديا”- بأكثر من عشرة ملايين دولار خلال السنوات الثلاث الماضية. وحصل بابلو إغليسياس على مليوني يورو من ذلك المبلغ عن طريق شركتي إنتاج يملكهما، وهما “كون مانو إسكيردا” و”لاباراكا”. وأشارت الصحيفة نفسها إلى أن معظم التحويلات المالية الإيرانية تأتي من شركات مقرها في بيروت وقبرص وهونغ كونغ وغيرها.

قانون تمويل الأحزاب في أسبانيا الصادر عام 2007 يحظر تمويلا من حكومة أجنبية يتجاوز 108 آلاف دولار. وتصل عقوبة انتهاك القانون إلى السجن لمدة أربع سنوات، وغرامات تصل إلى خمسة أضعاف مبلغ التمويل الخارجي. وإذا تأكدت وحدة مكافحة الجريمة الاقتصادية والمالية في الشرطة الأسبانية من وجود تمويل غير قانوني فسترسل تقريرا إلى المدعي العام لمكافحة الفساد كي تقوم النيابة العامة بالإجراءات القضائية ضد قادة حزب بوديموس.

يبقى أن نجوى جويلي الشابة، التي تعد خطواتها الأولى بعد عامها العشرين، تبدو كورقة استثمار إيرانية بدلاً من أن يقوم مشروع عربي متطور وواعٍ بالمخاطر بتوظيف تلك الوجوه لصالحه

يبقى أن نجوى جويلي الشابة، التي تعد خطواتها الأولى بعد عامها العشرين، تبدو كورقة استثمار إيرانية بدلاً من أن يقوم مشروع عربي متطور وواعٍ بالمخاطر بتوظيف تلك الوجوه لصالحه.

إيران وبوديموس

اتضح للعديدين في أسبانيا أن حزب بوديموس كان قد تلقى تمويلا من إيران وذلك من خلال شرائها برامج تلفزية سياسية حوارية يشرف عليها زعيم الحزب “بابلو أغلسياس” ، وهذا ما يتسق مع سياسة إيران في التوسّع وبسط النفوذ ليس فقط في الساحة العربية، بل وفي أصقاع مختلفة من العالم.

يقول رئيس حزب بوديموس “كانت نجوى هي المسؤولة عن تواجد الحزب في وسائل التواصل الاجتماعي، وهي المسؤولة أيضاً عن تواصل الحزب مع الإعلام”. ولأنها درست علم النفس في الجامعة، فقد عملت كل يوم على تطوير تواجد الحزب في وسائل التواصل الاجتماعي، وكانت تبسط رسالته السياسية وتجذب أعضاء جددا وترد على الشائعات التي تلاحق الحزب ومؤسسيه.

لكن رئيس مؤسسة الثقافة العربية في أسبانيا سعيد إدى حسن يؤكد أن ما أوردته التقارير الإعلامية ليس شائعات واتهامات، وإنما هو وقائع صرح بها صديق وشريك رئيس حزب بوديموس، وهو من كشف التورط الإيراني بعدما أبلغ مصلحة الضرائب الأسبانية بالموضوع. مشيراً إلى أن النظام الإيراني يعمل بذكاء شديد على التغلغل في أسبانيا، وهو يتجه إلى الأحزاب اليسارية، لعلمه بأنها أصبحت قوة حقيقية داخل المجتمعات الأوروبية، مثل حزب بوديموس الذي حصل على خمسة ملايين صوت خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة.

علاوة على أن النظام الإيراني يحاول استمالة الجالية العربية والإسلامية المقيمة في أوروبا، حيث أسست طهران مؤسسة “آل البيت” لهذا الغرض. ومن الوثائق التي تمّ تسريبها إلى الإعلام الأسباني تلك التي كشفت عن أن شركة “غلوبال ميديا” المملوكة للإيراني محمود علي زاده، كانت تعطي فواتير مضخمة لشركات تابعة لزعماء حزب بوديموس مقابل خدمات وهمية.

عمل شبكة زاده، قام على وضع خطة للترويج لمبدأ التقارب بين الثقافتين الأسبانية والإيرانية، فبدأ بتأسيس شركة فرعية تحت مسمى “360 غلوبال ميديا إس أل”، لتمويل الإنتاج. ثم ديوان للترجمة، المتخصصة في دبلجة الأفلام والبرامج الإيرانية من الفارسية إلى الأسبانية. وفي الأثناء اختفى صاحب الشركة عن الأنظار وعاد مدرساً جامعياً في جامعة آزاد، التي يعتبرها كثيرون وكراً رئيسياً للمخابرات الخارجية الإيرانية. ولا يذكر سجلّ الجامعة أن زاده قد قام فعلاً بالتدريس فيها في يوم من الأيام. ما يشير إلى دور المخابرات الإيرانية في المشروع كله.

8