نجيب بلخوجة رسام تونسي بعمق وعالمي بضراوة

السبت 2016/12/24
شيء من عاطفته أربك التجريدية

لندن - لديه من الزمان روحه ومن المكان مادته. غير أنه حين يمزج الزمان بالمكان يصل إلى نتائج جمالية يتفوق من خلالها على عاطفته.

كان حروفيا، غير أنه لم يكن كذلك تماما حين يضع جماليات الحرف في خدمة ما يراه واقعيا. بالقوة نفسها كان رسام مدينة، غير أن حريته في الذهاب إلى الخلاصات الجمالية جعلته يتجاوز تلك الصفة.

بين الحرف والمدينة

ما فعله التونسي نجيب بلخوجة يمكن تلخيصه بالعلاقة الحرة التي أنشأها الرسام بين ما لا يظهر من جمالياتي الحرف العربي ومعمار المدينة التونسية. وهما جماليتان اخترقهما بلخوجة فاتحا ليصل إلى ما لا يُرى من جنّاتهما.

ولهذا فإن رسوم بلخوجة توحي أكثر مما تقول. فضاء الوحي فيها هو أكبر من مساحة الكلام. هناك شيء خفي يقف بيننا وبين إمكانية الدخول إلى مدنه. ذلك الحارس الجمالي لا تقنعه كلمة سرّ واحدة للسماح لنا بالدخول.

تعيدك رسومه إلى تونس. إنه رسام المدينة التونسية من الداخل. ولكنه الداخل الذي يتشبه بموسيقى الروح. فإذا ما كان بلخوجة يستعير مشاهد منتقاة ومصفاة ليبني بها أسيجة مدينته فإن الدخول إلى تلك المدينة لن يكون ممكنا إلا من قبل أرواح هائمة، قُدّر لها أن تحلق بقوة غيابها.

من الخارج تبدو مدن بلخوجة غير مأهولة. وهو حكم يتراجع أمام الأصوات التي يسمعها المرء ما إن ينفتح أمامه واحد من أبواب تلك المدينة التي تحصن نفسها بأدعية ساكنيها.

يكرر كمن يهذي شعرا

مدينة بلخوجة هي طبقات من الأبنية التي يمتزج من خلالها النظر بالعاطفة. ذلك المزيج يأخذنا إلى مناطق بوح، جعل منها الرسام حدائق خلفية لبلاغة صوره. فهو إذ يكرر مشاهده بطريقة تقبل الخطأ المقصود فإنه يصنع صوريا ما يشبه اللعثمة في اللسان. شيء أشبه بالهذيان الذي يلذ للمرء في لحظة إلهام مُتْعويّ أن يمارسه.

هذا فنان يرسم بأناقة لافتة أشياء، يمكننا العثور عليها في الواقع من غير أن تكون هي بالضرورة الأشياء التي يرسمها. لعبته الهندسية ليست جاهزة تماما. هناك استعارات واضحة من العمارة التونسية، غير أن الأسلوب الذي اتبعه بلخوجة في تعامله مع تلك الأشياء المستعارة ينفي إمكانية إعادتها إلى أصولها الواقعية.

مفرداته الشكلية القليلة لم تقف حائلا بينه وبين الغنى البصري الذي تنطوي عليه العلاقات الشكلية التي كان يقيمها بين تلك المفردات. وهنا بالضبط يكمن سر عبقريته الاستثنائية في صنع حياة جمالية هو سيدها

ولد نجيب بلخوجة في تونس العاصمة عام 1933 من أب تونسي وأم هولندية تعمل في مجال الموسيقى، وهو ما ترك أثرا عميقا على مزاجه البصري. لم يدرس الفن، غير أن شغفه به قاده إلى روما نهاية الخمسينات من القرن الماضي، بعد أن كان قد بدأ بعرض رسومه عام 1956. في روما اكتشف رسوم معلمه غير الرسمي فابيو ركشجيانو الذي تأثر به وعرض معه في معارض جمعتهما بآخرين. لقد تعلم يومها لغة مختلفة هي اللغة التي استطاع من خلالها أن يشكل من خلالها عالمه المستلهم من سفره البصري اليومي وهو يتأمل مفردات العمارة التونسية. لقد حوّل بلخوجة ما تعلمه من فابيو إلى لغة بصرية شخصية مستعينا بإرث فني لا يزال حيا. عام 1963 أسس مجموعة الستة التي كانت بمثابة حاضنة لحوار عميق، انفتح بلخوجة من خلاله على حاجة اللوحة التونسية إلى أن تشق طريقها إلى المحيط بطريقة مختلفة عن الطريقة التي كانت سائدة، بتأثير من الفن الاستعماري.

كان بلخوجة في البدء تشخيصيا بطريقة تكشف عن بساطة بدائية في الأشكال وفي التعبير، غير أنه سرعان ما اهتدى إلى هندسة خياله. وهي هندسة تعلمها تلقائيا من شغفه البصري بشكل المدينة التونسية الخارجي. ولكن ذلك الشكل لم يكن سوى الأساس الذي سيبني عليه عمارته، وهي عمارة عاطفية اجتهد الرسام في تنقيتها من كل ما يربك صفاءها التصويري.

رسومات تحمل في خطوطها بصمات تونسية

مفرداته الشكلية القليلة لم تقف حائلا بينه وبين الغنى البصري الذي تنطوي عليه العلاقات الشكلية التي كان يقيمها بين تلك المفردات. وهنا بالضبط يكمن سرّ عبقريته الاستثنائية في صنع حياة جمالية هو سيدها. لقد صنع من القليل عالما شاسعا، لا يملّ المرء من تأمله والعودة إليه طمعا بلذة جديدة.

نقلة في التجريد الهندسي

“كانت السماء حمراء” (1991) اللوحة التي رسمها الفنان المتوفى عام 2007 هي واحدة من أعظم الخلاصات التي انتهى إليها فنه. فبقدر ما هي محكمة في بنائها الهندسي بقدر ما هي عميقة في قدرتها على التعبير عن انفعال، يكاد لشدته أن يتفجر شعرا هذيانيا. تلك اللوحة التي رسمها بلخوجة محتجا على القصف الأميركي الذي كانت مدينة عربية عريقة هي بغداد تتعرض له هي من وجهة نظري تشكل نقلة عظيمة في مجال التجريد الهندسي الذي يعدّ الهولندي بيت موندريان علامته البارزة، فنيا وتاريخيا. في لوحته تلك وضع بلخوجة تجربة موندريان على الرف ليلحقها بالتاريخ.

للوهلة الأولى تبدو تلك اللوحة مختلفة عن العالم السكوني الذي دأب بلخوجة منذ تحوله إلى نهجه في بناء لوحته معتمدا مبدأ التكرار الماكر في اللعب على ما يُحذف أو يُضاف منه، لكي يأخذ الإيهام البصري إيقاعه الذي لا يتوقف. غير أن من شأن إعادة تأمّلها بعد أن يخف تأثيرها الفاجع أن يعيد متلقيها إلى تلك العلاقة النادرة من جهة بلاغتها بين الحرف والمدينة، وهي العلاقة التي برع بلخوجة في التنقيب بحثا عن أسرار عناصرها التي كان يعيد تفكيكها ومن ثم إعادة تركيبها كلما أقدم على رسم واحدة من لوحاته التي هي أشبه بالسلسلة التي لا تتشابه حلقاتها، بالرغم من أنها تظل ممسكة باليد التي صنعتها.

أناقة بلخوجة الباذخة لا تحرجه وهو يتصفح أوراق عاطفته علنا. هذه تونس التي شغف بها رسامون كبار من أمثال بول كلي وماكه وماتيس غير أنهم لم يروا سوى شمسها ونظام بيوتها المعماري من الخارج. ما كان في إمكانهم أن يتسللوا إلى روحها.

بلخوجة يرسم بأناقة لافتة أشياء، يمكننا العثور عليها في الواقع من غير أن تكون هي بالضرورة الأشياء التي يرسمها. فلعبته الهندسية ليست جاهزة تماما. هناك استعارات واضحة من العمارة التونسية

قلب بلخوجة المعادلات بطريقة تبدو يسيرة، غير أنها في حقيقتها كثيرة التعقيد. لقد أقام بذكاء ممرات بين فضاءين جماليين، الواقع والرسم. ولكنه من خلال ذهابه وإيابه بين العالمين أربك ثباتهما فاستفاد من اضطرابهما، ليكسو كل طرف منهما صفات الطرف الآخر. كان هذا الرسام تونسيا بعمق وعالميا بضراوة. ولكن بأيّ معنى؟

ليست المشاهد التونسية هي السبب ولكنها الأرواح الهائمة التي تظل تحلق في سماء المكان مندهشة بألغازه. وهو ليس التمكن الحرفي من التجريد المنضبط ولكنه الاندفاع بذلك التجريد إلى مناطق عاطفية، كانت دائما محل إنكار بالنسبة إلى التجريديين العالميين الكبار، بسبب ما تحمله من شحنة نفسية مائعة.

عبقرية بلخوجة تكمن في أنه استجاب لخياله ولم يخضع لشروط مسبقة في التفكير أو النظر أو إعادة إنتاج ما يفكر فيه أو ينظر إليه.

تونسه التي رآها هي تونسه التي عاشها. وهي تونس لم يرها أحد سواه. لقد رآها بحواسه كلها. وهو ما يعني أنه جعل تجربة النظر إلى لوحاته فضاء يتسع للإنصات إلى تونس وشم رائحتها وتلمس الطريق إليها وتذوق طعمها بعد أن تكون العين قد شبعت من النظر إليها. نجيب بلخوجة هو رسام الحواس كلها.

14