نجيب محفوظ السارد المحلي

السبت 2016/04/16

ونحن نقرأ في بداياتنا روايات المعلم نجيب محفوظ، سبقتنا معلومة تفيد بأن الرجل يحسب للزمن حسابه، وأن أهل الحارة يعرفون الوقت بتمامه عند خروج محفوظ من البيت والعودة إليه.

وهذه المعلومة الحقيقية مدهشة بحسابات تطويق الوقت وعدم تسربه وهي عادة استثنائية في حياة هذا العملاق الساحر، كما أنها الدرس الأول الذي يجب أن نتعلمه من محفوظ في احترام الزمن وكسبه.

مرة كتبتُ في استطلاع عن هذا المفصل المهم أن الضبط الزمني في حياته له دلالته النفسية والواقعية والرمزية، فبالقدر الذي كان هذا سلوكا شخصيا منفردا بخاصيته المحفوظية، فهو مسلك سردي لم يفارق خطابه الروائي والقصصي وحتى الفيلمي، ونعني بالضبط هنا ما أنتجه محفوظ من كم كبير من الروايات والقصص في شبكة سردية معقدة، خلط فيها الواقع بالخيال والتاريخ بالرمز والفلسفة بالوجود فشكّل ملحمة سردية عربية (مصرية) لها قوامها وتاريخيتها وتفريعاتها واستنتاجاتها المتعددة في وحدات زمنية تتقارب وتتباعد حسب ظروف محفوظ النفسية والاجتماعية التي قرأناها هنا وهناك في مجمل إنتاجيته الإبداعية.

نبهنا محفوظ بشكل مبكر إلى الحياة الشعبية والحارة المصرية وجمالياتها المتعددة، فالتاريخ المحلي هو التاريخ السردي لكتابات محفوظ، وشخصياته التي يكشف من خلالها تاريخ المجتمع المصري ومرجعياته اليومية هي شخصيات متوفرة في البيوت والحارات والشوارع والأزقة الخلفية والمساجد والحانات، وبلا شك لا أحد ينسى حتى الآن أحمد عبدالجواد كشخصية متناقضة رهيبة الملامح النفسية أو زيطة صانع العاهات، ولعل ثلاثيته الأشهر(بين القصرين – قصر الشوق- السكّرية) هي التي حفلت بكل ما هو اجتماعي مثير بفلسفة محفوظية دقيقة ارتبطت بالطبقات الفقيرة والهامشية والمتوسطة بصراعاتها اليومية، التي برع محفوظ في تحليلها بموشوره السردي الباهر وتشخيص مشكلة مجتمع مترامي الأطراف في سلوكه وتاريخيته ومجتمعيته، ليكون بامتياز سارد الزمن المحلي الواقعي حتى وإن غادره إلى الرمزية أو الوجودية في “أولاد حارتنا”.

نبهنا محفوظ إلى المخزن الشعبي الحكائي في مسروداته الحرافيشية على سبيل المثال، وأخذ من هذه المجموعات الهامشية الكثير من الحكايات والقصص والخرافات فأعاد إنتاج الواقع بطريقة الواقع المضرّب بالخيال، وهو ما كان مثيرا حتى في تحويل سردياته إلى رؤى سينمائية بَصَرية أو تلفزيونية اجتماعية. وهذه القدرة الفنية في واقعية رسم المكان والزمان هي ما ميّز محفوظ عن جيله الأدبي – الروائي بشكل خاص، مثلما ميزته قدرته على رسم النماذج الإنسانية في مجمل صراعاتها الوجودية والدينية والنفسية والاجتماعية.

وفي كل تجربته الروائية العظيمة يمكن مراقبة تحولاته الكتابية من الواقعية المحض إلى الواقعية الرمزية إلى تجريد الواقع إلى الرمز والفلسفة والدين والكون والتاريخ الفرعوني، في خلطة سردية نكتشف من خلالها مهارات فردية صانعة فرشة من الخيال العجيب لكن عبر بوّابة الواقع المحلي الصرف ومن قاعهِ تماما. وهكذا نكتشف في كل القراءات المبكرة منها والمتأخرة أن نجيب محفوظ ساعة منضبطة ودقيقة في الإنتاج المتعدد، محافظا على نسقية سردية محفوظية غير ملتفت إلى مناهج الكتابة الروائية التي سادت في كل العصور التي جايلها وجايلته، ليكون منهجه وحيدا في تقديم الأثر الروائي الحافل بالموروث البيئي الاجتماعي.

كل روايات نجيب محفوظ هي صانعة أجيال، ولا نظن أن أحدا من الأدباء الذين أصبحوا لامعين لم يمر بهذه التجربة الفريدة، بدءا من رواياته التاريخية الثلاث ومرورا بروائعه في الثلاثية وأولاد حارتنا واللص والكلاب والطريق والسراب والقاهرة الجديدة ورحلة ابن فطومة وقشتمر .. وغيرها.

كاتب من العراق

15