نجيب محفوظ الضحية الهادئة: عشر سنوات على الرحيل والأكاذيب

الأحد 2016/09/11
نجيب محفوظ: عصي على النسيان

تابعت طوال شهر أغسطس الذي تتجدّد فيه ذكرى رحيل نجيب محفوظ (1911 ــ 2006) وفي هذا العام يتمُّ مرور عقد من الزمان على رحيل الكاتب العالميّ، ما كتب في الصحافة الثقافية أو ما يصدر عن المؤسسة الرسمية بخصوص كيفية الاحتفاء بقامة الأديب العالمي، فخاب رجائي دون أن أجد جديدًا يختلف عن الأعوام السابقة. كل الصحف أطلت قبل أيام من ذكرى رحيله وفي صباح الـ30 من أغسطس بذات العناوين السابقة عن الغياب، ومقالات رثاء، وبعضها بحث في سرّ عبقرية الكاتب، ربما الجديد والمميز هو ما كتبه الروائي والصحافي وجدي الكومي في موقع “جريدة المدن” عن أسخف الأسئلة التي طرحت على نجيب محفوظ، فالكاتب في مقالته يُظهر الاستهجان من أسئلة المذيعين التي تصل إلى حدّ السخافة كعن حبّه الأول، وبماذا تشعر لو خلعت نظاراتك، أو ما هي الصورة العالقة عنك شخصيًا من زمان؟ وبقدر ما أظهرت نوعية الأسئلة سخافة المذيعين، إلا أنّها كشفت في المقابل عن صورة من شخصية نجيب محفوظ الصابرة والحكيمة في الردود وكذلك كثيرة التواضع والاحترام لمن يحاورها على الرغم من تفاهة أسئلته.

وبالمثل يدخل في إطار الجديد ما قدمته “جريدة الخليج” خاصة صفحتها الثقافية بإشراف عزمي عبدالوهاب، الذي نشر رسائل نجيب محفوظ إلى كبار الكتَّاب، وهي الرسائل التي ضمّها كتاب غالي شكري «نجيب محفوظ من الجمالية إلى نوبل»، والرسائل كانت عبارة عن إجابات لأسئلة وجهت إلى الكاتب وأعماله وأفكاره، وهي رسائل إلى رشاد رشدي صاحب دعوة «الفن للفن»، وأنيس منصور، ولويس عوض، ورجاء النقاش، ولطيفة الزيات، أما بالنسبة إلى التحقيقات فيأتي تحقيق محمد ناصر المولهي في صحيفة “العرب” بعنوان «بعد عقد من الغياب محفوظ مازال في الطليعة» ويعرض فيه لكيفية رسوخ اسم نجيب محفوظ مع الزمن، وكيف أنّ الكاتب جعل من عصره مادة روائيه عبر الزمن، ووقوف نجيب محفوظ عند شرائح المجتمع المختلفة دون استثناء بما في ذلك الحرفيون والمهمّشون، مصوِّرًا صراع الطبقات فيما بينها. وينتهي الكاتب إلى السّر في خلود أعمال محفوظ إلى اليوم، متمثلاً في ربط جسور مع قرّاء مختلفين عبر مرافقة الواقع إلى القارئ وليس اقتياده إليه وهي الوصفة السّحرية التي لا يُنازعه فيها أيّ كاتب، وأيضًا جعلت من أعماله مادّة ثرية للسينما والدراما كما يقول المولهي.

أما وسائل التواصل الاجتماعي فاحتفاء أحباء محفوظ فيها بذكرى رحيله جاء عاديًّا ومكرَّرًا وتمثل هذا في تغيير صور بروفايلاتهم بصور نجيب محفوظ أو صور لأغلفة أعماله، وأيضًا بعبارات شهيرة له على لسان أبطال رواياته، وبعضهم أورد ذكريات عن علاقته بمحفوظ.

أما المؤسّسة الرسميّة فاقتصرت على الاحتفال بأمسية ثقافية عقدها المجلس الأعلى للثقافة في ليلة الذكرى (30 أغسطس) وشارك فيها نُخبة مِن كبار النُّقاد والكتَّاب والفنانين كعزت العلايلي والمخرج أحمد صقر، والأمسية تضمنت عرضًا للفيلم التسجيلي “حارة نجيب محفوظ” الذي يتناول حياة الأديب الراحل نجيب محفوظ وهو من إخراج سميحة الغنيمي، علاوة على تنظيم معرض لأعمال محفوظ بتخفيض يصل إلى 50 بالمئة.

المتأمّل في الدعوة والشخصيات التي هي المتحدّث الرئيسي في الندوة سيكتشف أنهم نفس الأشخاص الذين يتحدّثون منذ حياة محفوظ إلى الآن، كما أن الفيلم التسجيلي قديم أُنتج بعد حصول الكاتب على نوبل، والمعنى الصحيح أن ما تعقده المؤسّسة الرسمية وهي وزارة الثقافة ممثلة في المجلس الأعلى للثقافة، هي أشياء “بايتة” بالمعنى الحرفي للكلمة والمستهجن أيضًا، ومفتقرة للجدة وللإبداع أيضًا.

اسم محفور في الذاكرة المصرية

فأيّ مناسبة أخرى تليق بنجيب محفوظ لتجهّز له المؤسسة الرسمية احتفالية تليق باسمه ومكانته العالمية، مثل مرور عشر سنوات؟ أليست ذكرى محفوظ أجدى من تجديد الخطاب الثقافي الذي دُعي له كلّ مَن اشتاق إلى القاهرة؟! الأعجب أنّ كلَّ الوعود التي قُطعت يوم رحيله من شخصيات ثقافية كانت ملازمة للأديب الكبير في حياته حتى لحظة وفاته، صارت سرابًا، وأشبه بالمسكنات التي تستخدم للترويج الإعلامي، فعند أيّ مناسبة تتصدّر تصريحات المسؤولين عناوين الصحف الثقافية، عن مشروعات مستقبلية تحتفي بنجيب محفوظ! فأين متحف نجيب محفوظ الذي أعلنت عن إقامته وزارة الثقافة بعد رحيل نجيب محفوظ تخليدًا لاسمه ولأعماله؟ ثمّة تصريحات جديدة هذه السنة جاءت على لسان وزير الثقافة حلمي النمنم تشير إلى افتتاح المتحف خلال شهر ديسمبر المقبل في ذكرى ميلاد الكاتب. وبالمثل أين مشروع المزارات المحفوظية الذي تبنته محافظة القاهرة بعد اقتراح طرحه الروائي الراحل جمال الغيطاني، وهو المشروع الذي تشكلت له لجنة تضم محمد سلماوي ويوسف القعيد وسعيد الكفراوي، والمشروع كما اتفقت اللجنة يهتمّ بتسجيل الأماكن التي ارتبط بها محفوظ مثل المقاهي والمنازل والأماكن الأثيرة لديه، بالإضافة إلى تحديث وترميم الأماكن التي دارت فيها أحداث رواياته وعاشت فيها شخصيات الأعمال كأحمد عبدالجوّاد في الثلاثية وحميدة في زقاق المدق.

الأغرب من هذا أن سلسلة نجيب محفوظ التي يُشرف عليها الأديب يوسف القعيد تمّ إلغاؤها مؤخّرًا لعدم انتظامها في الصدور وافتقارها لموضوع محدّد وخطة نشر طويلة المدى وكذلك لعدم وجود دراسات جيدة عن نجيب محفوظ كما علّل رئيس الهيئة المصرية للكتاب هيثم الحاج علي.

المثير للاستياء أن الجامعات المصرية على الرغم من أن كثيرًا من أصدقاء نجيب محفوظ أساتذة بها، لا يوجد بها قسم لدراسات نجيب محفوظ على الأقل في مرحلة الدراسات العُليا، وإن كان ثمة اجتهادات شخصية من بعض الباحثين لكن دراساتهم لا تتعمق في إبداع محفوظ بقدر ما هي مجرد تجميع من دراسات سابقة، وتوسيع لمحاور ناقشها النّقاد في مقالات ودراسات محدودة. لكن أن يوجد قسم مستقل يُشرف على الدراسات التي تتناول أعمال نجيب محفوظ سواء الروائية أو مقارنتها بما أنتج تلفزيونيا أو سينمائيًا، فمع الأسف لا وجود له.

مات نجيب محفوظ ومازال أثير عبارته في أولاد حارتنا يتردّد في أجواء المدينة «آفة حارتنا النسيان».

كاتب من مصر

15