نجيب محفوظ للمرة الأولى يحلّ ضيفا على مسرح الشباب في مصر

العرض الشبابي "أفراح القبة" يعري الواقع الدامي ويكشف ملابسات الخيانة كما يطرح حياة كاملة داخل الحياة من خلال لغة مسرحية محبوكة.
الاثنين 2020/02/10
كواليس مسرح الظلام والكوابيس

بإصرارها على تجسيد وجه محدد للحقيقة الختامية، بدت مسرحية “أفراح القبة”، المعروضة على المسرح العائم في القاهرة، مخالفة لما طرحه نجيب محفوظ في روايته حول تعدد وجهات النظر في سرد الأحداث والتأويل النسبي لتأججها المتنامي حتى الذروة، لكن المعالجة المسرحية الشبابية لها اعتباراتها الفنية في حسم بعض الأمور المعلقة في النص، ورفض النهاية المفتوحة.

القاهرة- لا يزال المسرحيون الجدد يواصلون مغامراتهم التجريبية في مصر، بصيغ مبتكرة وتصوّرات غير نمطية في السيناريو والإخراج والتمثيل والاستعراض والسينوغرافيا وسائر العناصر المسرحية، حتى وإن كان العمل متكئا على نص أدبي شهير لأديب مرموق.

في هذا الإطار من الوعي التراثي المعرفي، وقراءة البوصلة المجتمعية الهادية، والرغبة في إضافة لمسة ذاتية إلى ما هو قائم، قدّمت فرقة “مسرح الشباب” رؤيتها الخاصة لرواية نجيب محفوظ “أفراح القبة” من خلال عمل مسرحي يحمل العنوان ذاته، يعج بالدراما المتصاعدة والصراعات المحتدمة والاستعراضات الحركية، ويتحدث لغة مسرحية محبوكة.

يبقى استناد عمل مسرحي جديد إلى نص معروف سلاحا ذا حدين، فمن جهة هناك داعم قوي لفرص النجاح، خصوصا أن النص هنا لأديب نوبل نجيب محفوظ، ومن جهة أخرى فإن سقف هذا النص المكين وجدرانه الراسخة والمفاهيم المسبقة المستقرة لدى الجمهور هي بمثابة قيود قد تحد جنون الصياغة الجديدة وتكبح جماح الخروج عن الإطار والنسق.

جاءت مسرحية “أفراح القبة” لتواجه مأزقا ثنائيّا، فهناك إلى جانب رواية محفوظ الشهيرة، التي صدرت في عام 1981، مسلسل تلفزيوني كذلك بالعنوان نفسه أعدّه دراميّا محمد أمين راضي ونشوى زايد وأخرجه محمد ياسين وجرى عرضه عام 2016 محققا نجاحا كبيرا، الأمر الذي وضع صنّاع المسرحية أمام تحدّ حقيقي، ولعل هذا ما دفعهم إلى عدم الالتزام الحرفي بالعمل الأصلي، مع الحفاظ على فلسفته قدر الإمكان.

صولوهات تمثيلية بارعة
صولوهات تمثيلية بارعة

تحلّى فريق عمل المسرحية بروح الشباب، وقد تألف من كاتب السيناريو والمخرج يوسف المنصور، ومصمّم الديكور والإضاءة عمرو الأشرف، وعبير بدراوي (أزياء)، وأحمد نبيل (موسيقى)، ومناضل عنتر (استعراضات حركية)، ومجموعة الممثلين، ومنهم: حمزة رأفت، سمر علام، محمد تامر، فاطمة عادل، أحمد صلاح، مينا نبيل، محمد عبدالقادر، جيهان أنور وغيرهم.

على الرغم من اتفاق المسرحية مع كل من رواية محفوظ والمسلسل التلفزيوني، في تحديد الشخصيات الأساسية كأبطال للعرض، وهم مجموعة الممثلين في فرقة مسرحية، وفي تعيين الزمان، سبعينات القرن الماضي، والمكان، كواليس أحد المسارح، وفي السواد الأعظم من المواقف والأحداث، فإن الخلاف الجوهري تمثّل في حجم مساحات الوهم، حيث مالت المسرحية إلى تقليص هذه المساحات الملتبسة بعض الشيء، تكريسا لفكرة أن صراعات الحياة المعاصرة لم تعُد تقبل التفسيرات المتعددة، وأن الواقع قد افترس الخيال تماما، لصالح الملموس الأسْود.

وتمسّكت المسرحية في بعض جوانبها ومشاهدها بفلسفة النص الأصلي، من حيث الخلط بين أحداث المسرحية التي يلعبها أبطال الفرقة وبين شخصياتهم الحقيقية في كواليس المسرح وأسرارهم في حياتهم الخاصة، ومن حيث رؤية كل شخص للحقيقة من وجهة نظر مختلفة، ورواية كل فرد للموقف ذاته بمنظور مغاير، بما يعني التشكك وانحسار اليقين، لكن المسرحية لم تسر على هذا النهج حتى النهاية، بل إنها فعلت النقيض بمحاولتها فضح الحقيقة في واقعة مقتل تحية بطلة الفرقة وما تلاها من أحداث، وكشف اللثام عن جُملة “شرور” سرحان الهلالي، مالك المسرح، الظالم القاتل، الذي دفع جميع الشخصيات إلى الجنون والضياع والموت، ومن ثمّ خراب المسرح.

أرادت المسرحية تعرية الواقع الدامي وكشف ملابسات الخيانة، والتفرقة بين الشرف والرذيلة، والقناعة والطمع، فأوقعتها هذه الرغبة في تسمية الأمور بأسمائها في فخ الابتعاد عن عُمق العمل الروائي، القائم في جوهره على الضبابية ورفض المسلّمات، فلا مجال للاتفاق على أي شيء، حتى في ما يتعلق بالشرف، فالنساء الثلاث اللاتي عملن بالفرقة، كل واحدة منهنّ

ترى ذاتها أشرف من الأخريين وكل واحدة تتّخذ قناعا تتخفى وراءه، رفض إقامة علاقة غير شرعية مثلا، في حين أن كل واحدة لها من النقائص والسقطات ما لها، فلا معنى للأخلاقيات المكتملة، ولا معنى للانحراف الكلّي.

خرجت المسرحية كذلك من المظلة المحفوظية بتركيزها على واقعية الشخصيات والأحداث، في حين أن الفنتازيا تحكم النص الأصلي، إذ تبدو الحكاية كلها لعبة مسرحية، حيث يلعب كل فرد دورا في عمل فني، وهذا الدور يتشابه مع شخصيته الحقيقية، ومع اندماجه في التمثيل يتمادى في الكشف والاعتراف بخباياه وأسراره، ويقرأ المشهد ويسرد الأحداث من وجهة نظره، مدافعا عن تصوّراته، ومنتقدا الآخرين، ومن خلال محصلة الرؤى المتشابكة بكل ما تحمله من أنانية وإيثار للذات تتعين صورة مشوّشة مليئة بالتناقضات أمام المتلقي الحائر، وهذا ما لم تفعله المسرحية، التي مضت في اتجاه التفسير والانحياز، كما أنها تعاطت مع الشخصيات كأفراد حقيقيين أكثر من كونهم ممثلين.

المسرحية عكس الرواية مضت في اتجاه التفسير، وتعاطت مع الشخصيات كأفراد حقيقيين أكثر من كونهم ممثلين

عُنيت المسرحية في المقام الأول بالغوص في فضاء الكواليس، أي حياة الفنانين الخاصة، وليس أدوارهم على خشبة المسرح. ومن خلال هذا الغوص، مضت في تلمس “دراما الحياة”، بوصفها أقسى من أي خيال يمكن أن يدور في خلد مؤلف. في هذا المسار الذي انتهجته المسرحية، برعت في تشريحها الدقيق لقوى الظلم الإنساني على هذه الأرض، ومن أمثلتها سرحان الهلالي، مالك المسرح وصاحب الفرقة، وهو نموذج للانتهازية والاستغلال والتحكم في مصائر البشر، إلى جانب شهوانيته واعتداءاته الجسدية والنفسية على بطلات الفرقة، بالاغتصاب تارة، وبدعوى الحب تارة أخرى، وبالتهديد دائما.

رسمت المسرحية صورا دقيقة لنماذج بشرية مشوّهة، من الذكور والإناث، بفعل مستجدات الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتهلهل منظومة القيم وسيادة المفاهيم الاستهلاكية وطغيان التسليع والمادية، مثل درية بطلة الفرقة اللعوب، وحليمة البطلة المستكينة التي استسلمت لغواية سرحان، ثم تزوجت زميلها كرم لتداري فضيحتها، وكان زوجها السكّير أكثر بشاعة من مغتصبها، إذ أدار بيتهما كصالة للقمار، وحاول القيام بدور القوّاد ليبيع زوجته، لأنه لم يغفر لها في قرارة ذاته أنها وقع اغتصابها، كما أنها تذكّره على نحو ما بأمه، التي يراها في صورة العاهرة.

تمادى الشخوص في الشطط والتصرفات الشاذة، وسط بعض الومضات ومشاعر الحب وتنافُس المؤلف عباس (ابن حليمة وكرم) وطارق رمضان الممثل في حب تحية بطلة الفرقة الشابة، ويستغل سرحان هذا التنافس فيقتل تحية ليثير الشكوك نحو طارق، ويكتب المؤلف في ورق المسرحية أن طارق هو القاتل فتكاد التهمة تلتصق به.

وبعد العودة إلى الحقيقة، وتكشُّف أمر سرحان القاتل الفعلي، يقدم على قتل درية رفيقته القديمة أيضا كي لا يفتضح أمره، ولكي “يُبنى المسرح من جديد على نظافة”، لكن الموت والجنون يصيبان الجميع تباعا، وتنهار الفرقة، ويتلاشى المسرح، وتتبدّد كل الأحلام بزوال الشخصيات.

إلى جانب جرأتها في تقديم طرح جديد، فإن مسرحية “أفراح القبة” جاءت مشغولة فنيا بعناية، من حيث مفردات العملية المسرحية وعناصرها، حيث جاء السيناريو مكثّفا متماسكا، وتميّز الأداء التمثيلي بالاحترافية والقدرة على التقمّص وبلوغ المراد بأقصر الطرق، مع إفساح المجال للتعبير الجسدي والحركي، والرشاقة والخفة في الاستعراضات التي كسرت حدة المآسي المتلاحقة.

17