نجيب ميقاتي.. ملياردير لبناني يفتقر إلى الحلول ويصمت عن قول الأسباب

نجيب ميقاتي هل آن أوان تطبيق مبادرته التوافقية؟
الأحد 2021/08/01
ما الذي قد يكون بوسع ميقاتي فعله ولم يفعله من قبله الحريري؟

يتساءل اللبنانيون هذه الأيام وبعد تكليف رئيس الوزراء الأسبق نجيب ميقاتي الذي تقدّر مجلة فوربس ثروته بـ2.7 مليار دولار، وتصنّفه كواحد من أغنى ستة رجال أعمال في الشرق الأوسط لهذا العام، بتشكيل الحكومة إثر اعتذار الرئيس سعد الحريري، ما الذي قد يكون بوسع ميقاتي فعله ولم يفعله من قبله الحريري، في مهمته المستحيلة لإقناع رئيس الجمهورية ميشال عون ومن خلفه صهره رئيس التيار الوطني جبران باسيل بتسهيل تشكيل الحكومة، تلك التي أريد لها وفق المبادرة الفرنسية أن تكون حكومة اختصاصيين لا حكومة محاصصة.

إشاعة الإيجابية

ميقاتي يحاول إمساك العصا من المنتصف، حين يعطي إشارة إيجابية نحو فريق عون من جهة، وإشارة مقابلة نحو بيئته السنية من جهة أخرى، بإعلانه أنه سيوقّع على مقترح تيار المستقبل برفع الحصانات عن كبار المسؤولين.
ميقاتي يحاول إمساك العصا من المنتصف، حين يعطي إشارة إيجابية نحو فريق عون من جهة، وإشارة مقابلة نحو بيئته السنية من جهة أخرى، بإعلانه أنه سيوقّع على مقترح تيار المستقبل برفع الحصانات عن كبار المسؤولين.

منذ اللحظات الأولى لتكليفه ظهر ميقاتي متفائلاً يحاول مسك العصا من المنتصف، يعطي إشارة إيجابية نحو فريق عون من جهة، وإشارة مقابلة نحو بيئته السنية من جهة أخرى، بإعلانه أنه سيوقّع على مقترح تيار المستقبل برفع الحصانات عن الرئاسات الثلاث والوزراء وكبار المسؤولين لتذليل العقبات أمام التحقيق في تفجير ميناء بيروت الذي وصفه الحريري بأنه ثالث أكبر انفجار في التاريخ.

ميقاتي وبحكم خبراته الطويلة في عالم الاقتصاد، ودخوله على الخط السياسي في لحظات حرجة، احترف مهنة بث الإيجابية وطمأنة الأطراف المعنية مادام في موقعه، بعد أن يفشل لا يقول الكثير، لكن طالما هو في المكان الذي يتطلب منه أن يقدّم برامج حكومته القادمة بشكل قوي، فهو لن يتردّد في فعل ذلك. وعلى هذا الأساس كانت تصريحاته الخميس الماضي حول المرحلة القادمة التي أكّد على ملامحها. ومن ذلك قوله إن حقيبتي الداخلية والعدل لا يمكن أن تكونا بين أيدي وزيرين سياسيين، وهذا الأمر يبدو في ظاهره موضوعياً، لولا أنه يعكس أن بقية الوزارات يمكن، حسب وجهة نظر ميقاتي، أن يتولاها وزراء من تيارات سياسية متحاصصة، ما يعني ببساطة خروجاً مباشراً على المبادرة الفرنسية حتى قبل تشكيل الحكومة.

كما قال ميقاتي بمجاملة سياسية قد لا تنطلي على عون وباسيل، إن رئيس العهد لا يجوز أن يحصر بثلث الوزراء. بمعنى أن الثلث قد لا يكون كافياً لإرضاء باسيل الذي يصرّ على احتكار القرار في تمثيل المسيحيين في لبنان وسط غض طرف ورضا ضمني من جانب القوات اللبنانية وزعيمها سمير جعجع.

تأكيد ميقاتي على أن حقيبتي الداخلية والعدل لا يمكن أن تكونا بين أيدي وزيرين سياسيين، يعكس النوايا حول أن بقية الوزارات يمكن أن يتولاها وزراء من تيارات سياسية، ما يعني خروجاً مباشراً على المبادرة الفرنسية حتى قبل تشكيل الحكومة

لقاءات ميقاتي بعون وبعده باسيل الذي زعم أنه لم يتطرق خلال الحديث معه إلى تشكيل الحكومة، خطوات تعكس حماس الرجل للعودة إلى الساحة السياسية من بوابة زعامة السنة بعد تراجع الحريري الذي يعاني داخلياً وخارجياً. وفي الوقت الذي ينتقد فيه أهل الشمال اللبناني ممثلهم ميقاتي ينتقد أهل بيروت وصيدا الحريري على خذلان السنة وتحويل مقام رئيس الحكومة إلى حالة هزلية يتلاعب بها الرئيس المسيحي الذي يريد أن يزداد قوة على حساب السنة، بينما يتحالف مع حزب الله الشيعي ويتلقى أوامره منه.

تأكيد ميقاتي على أن عون وعده بقبول مقترحاته، وتسمية حزب الله له تعني أن الضوء الأخضر قد صدر من طهران بتشكيل الحكومة، وأن الهدف كان استبعاد الحريري وكسب الوقت لا أكثر.

من جهة ثانية يرى مراقبون أن الطريق أمام ميقاتي لن تكون ممهدة، فما يطلبه عون وباسيل لن يمكّن أي رئيس حكومة مهما كان مرناً من حرية التصرّف واتخاذ القرارات اللازمة لآخر فرصة قد تكون تبقت أمام لبنان قبل الانهيار الكبير.

الظروف الإقليمية والدولية لم تتغيّر كثيراً عن الأسابيع القليلة الماضية التي فشل فيها الحريري في الفوز بموافقة عون على تشكيلة حكومته المقترحة، فلماذا سيحرص المهتمون بلبنان اليوم على الضغط على عون ومن وراءه فيما لم يفعلوا من قبل؟ بينما تتنبأ الأوساط السياسية اللبنانية بأن وتيرة مسار التأليف مع ميقاتي ستتميز بسرعة قياسية، بالنظر إلى كثافة الاجتماعات التي يجريها، ومع ذلك فإن هذا لا يحجب حقيقة أن المخاض للتأليف شاق ولكنه بدأ عملياً.

العارف بالخفايا

سياسة "النأي بالنفس" وسط صراعات المنطقة وبالأخص سوريا، تعود إلى عهد ميقاتي. ورغم قتال ميليشيات حزب الله مباشرة هناك، قال ميقاتي الذي يتمتع بعلاقات شخصية وثيقة مع الأسد إن "هدف هذه السياسة هو الحفاظ على وحدة لبنان"

 يعرف ميقاتي الذي ولد عام 1955 ودرس إدارة الأعمال في الجامعة الأميركية ببيروت، ثم في معهد أنسياد بفرنسا وجامعة هارفارد بالولايات المتحدة، ما الذي ينقص الأوضاع في لبنان أكثر من غيره، فقد تولى حقيبة وزارة الأشغال العامة والنقل في ثلاث حكومات متعاقبة وانتُخب مطلع الألفية نائبا عن طرابلس.

وفي عام التحولات الصعبة 2005 كُلّف برئاسة حكومة لتشرف على الانتخابات النيابية، ليعود إلى رئاسة الحكومة بعد ستة أعوام. حينها لم يحتمل الدرجة التي بلغت فيها التدخلات في عمله، فقدّم استقالته وبقي يصرّف الأعمال فترة طويلة إلى أن تشكلت حكومة جديدة، واتُهم ميقاتي في ذلك بأنه مجرّد “دمية” لدى حزب الله.

في عهده ولدت فكرة ”النأي بالنفس“ وسط الصراعات التي ضربت المنطقة وبالأخص في سوريا، ورغم تدخل ميليشيات حزب الله مباشرة في الأعمال القتالية هناك. قال ميقاتي الذي يتمتّع بعلاقات شخصية وثيقة مع رئيس النظام السوري بشار الأسد إن “هدف هذه السياسة هو الحفاظ على وحدة لبنان“.

 اللائحة السوداء

اللبنانيون في طرابلس ينتقدون ممثلهم ميقاتي مثلما ينتقد أهل بيروت الحريري على تحويل مقام رئيس الحكومة السني إلى حالة هزلية يتلاعب بها عون الذي يحلم بأن يكون رئيساً قوياً على حسابهم لحماية مصالح حزب الله.
اللبنانيون في طرابلس ينتقدون ممثلهم ميقاتي مثلما ينتقد أهل بيروت الحريري على تحويل مقام رئيس الحكومة السني إلى حالة هزلية يتلاعب بها عون الذي يحلم بأن يكون رئيساً قوياً على حسابهم لحماية مصالح حزب الله.

 لم يستقل ميقاتي في وجه الانتفاضة الشعبية التي رفعت شعار ”إسقاط الكل يعني الكل“ في العام 2019، لكنه استقال أمام ضغط الخصوم والحلفاء، واليوم يعود ليواجه اللبنانيين الذين لم يستثنوه حين قالوا إنهم رفضوا الطبقة السياسية برمّتها. وقد ورد اسمه عدة مرات في ملفات تتهمه بالفساد ولوحق قضائيا بتهمة “الإثراء غير المشروع”، إلا أنه أنكر أيّ تورّط له في ذلك.

شركة “أنفستكوم” التي يملكها ميقاتي مع شقيقه طه قام بإنشائها في ثمانينات القرن الماضي، وهي شركة ذات استثمارات كبيرة في حقل الاتصالات في عدد كبير من دول الشرق الأوسط وأفريقيا، إلى جوار مجموعة “أم 1” الاستثمارية متعددة الاختصاصات التي تمتلك أسهما في شركة “إم تي إن” العالمية، وتعمل في قطاع العقارات والغاز والنفط وغيرها. ويملك أيضاً مع شقيقه العلامة التجارية “فاسونابل” للألبسة الجاهزة. وفي العام 2021 اشترت شركة “أم 1” فرع مجموعة الاتصالات النرويجية “تيلينور” في بورما، المدرجة على اللائحة السوداء لحركة “حملة بورما ـ بريطانيا” التي تحصي الشركات الدولية ذات الارتباط بالمجلس العسكري الحاكم بعد الإطاحة بالحكومة.

وكانت ”العرب“ قد نشرت في أكتوبر الماضي تفاصيل مبادرة تقدّم بها ميقاتي لوضع حدّ للفراغ، وسط تردّد الرئيس الحريري في طرح اسمه كمرشّح، حينها كان العائق في وجه ميقاتي، بالإضافة إلى الحريري، معارضة حزب الله، الذي لم يكن راضياً عن ممارسة ميقاتي للسلطة في الماضي. والحساسية التي تشكلت لدى الحزب من دوره في ما يعرف باسم “نادي رؤساء الحكومات السابقين” الذي يضمّه والرؤساء الحريري، فؤاد السنيورة وتمام سلام، وهو الدور الذي يقول الثنائي الشيعي الممثل بـ“حزب الله” و”حركة أمل” التي يرأسها الرئيس نبيه بري، إلى جانب فريق عون إنه كان يلعب دوراً في الخلفية في التأثير على مجريات الأحداث، معترضاً على إسناد وزارة المالية إلى شخصية شيعية. وكل ذلك أثناء تكليف السفير مصطفى أديب بتشكيل الحكومة، الأمر الذي لم يكتمل بسبب اعتذار الأخير عن إتمام المهمة.

كان ميقاتي وراء تسمية أديب لرئاسة حكومة تتولى تنفيذ برنامج الإصلاحات الضروري الذي تضمنته المبادرة الفرنسية، وأديب كان قد تولى في السابق منصب مدير مكتب ميقاتي.

كانت مبادرة ميقاتي تقوم على تشكيل حكومة من 20 وزيراً على أن يكون فيها ستة وزراء دولة يمثلون الفرقاء السياسيين و14 وزيراً يتولون الحقائب الوزارية. غير أن ترشّح الحريري قطع الطريق على ميقاتي آنذاك. فالحريري اعتبر أن موقف ميقاتي يمثّل “خدمة” يقدّمها لعون وحزب الله.

من يريد ميقاتي؟

[ القوات اللبنانية تؤكد أن ميقاتي تعمّد خلال الأيام الماضية إرسال رسائل دقيقة ومحدّدة إلى عون، بغرض ”مباغتته وإفقاده زمام المبادرة”.
القوات اللبنانية تؤكد أن ميقاتي تعمّد خلال الأيام الماضية إرسال رسائل دقيقة ومحدّدة إلى عون، بغرض ”مباغتته وإفقاده زمام المبادرة”.

 يردّد البعض أن الفرنسيين لا يهمهم من يتولى الحكومة في لبنان بعد كل ما جرى، المهم هو أن تتدفق الأموال بسرعة، بعد وعود الرئيس الفرنسي للشركات الكبرى أنها ستستفيد من أموال ”سيدر“، لبناء المشاريع في لبنان، وقطع الطريق على الروس الذين يتقدمون لملء الفراغ الذي يخليه الأميركيون في المنطقة، خاصة بعد أن رأى الفرنسيون والألمان ظهور استثمارات روسية كبيرة في النفط العراقي، بالإضافة إلى هيمنتهم على سوريا. كذلك يتصور الفرنسيون أنهم سيكون بوسعهم إيقاف الانهيار الأمني الذي يدركون أن حزب الله وإيران يبحثان عنه.

القوات اللبنانية سرّبت أن ميقاتي تعمّد خلال الأيام الماضية إرسال رسائل دقيقة إلى عون، بغرض ”مباغتته وإفقاده زمام المبادرة”، مضيفة أن تأكيده على أنه والحريري، واحد، ولا ثلث معطلاً، وأنه يحظى بدعم دولي للحكومة التي يريدها، يضع عون في الزاوية في حال بادر إلى عرقلته. من جانب آخر كثرت التأويلات للموقف السعودي من ميقاتي، بعد أن استدعت الرياض سفيرها في بيروت وليد البخاري للتشاور في الفترة ذاتها التي كُلّف فيها ميقاتي، حتى بدأت تبرز عناوين في الصحافة اللبنانية من نوع ”السعودية تخرّب مهمة ميقاتي“ وأنها تتعمّد إحراجه، ولذلك خلص المراقبون إلى أن موقف السعودية سيتناغم مع موقفها السابق من حكومة ميقاتي في العام 2011 على أنّها ستكون حكومة حسن نصرالله، الأمر الذي رفضه الحريري مراعاة لرؤية الرياض.

08