نحات مصري يحرض الجمهور على تحطيم المسلّمات

ناثان دوس: الإنسان المعاصر كائن الأقنعة التي يكسرها النحت.
الأحد 2020/12/06
منحوتات تفكر وتحس

ليس النحت مجرد محاكاة للواقع أو استعادة لبورتريهات أشخاص أو مجسمات حيوانات أو غير ذلك من الرموز المتفق عليها، إنه فن أبعد من كل ذلك، حيث له وسائله الجمالية وطاقته الروحية ومخزونه الثقافي وأفكاره التي يعبر عنها، لذا فإن العمل النحتي فن يجمع بين ما هو جمالي وفكري، فن له رسالة يريد إبلاغها بتحويل الأفكار والمشاعر غير المادية إلى مادة ماثلة أمام المتلقي، دافعة إياه إلى التفكير وإعادة التفكير. وهكذا هي أعمال النحات المصري ناثان دوس.

لا تُعد المنحوتات بالنسبة إلى الفنان ناثان دوس تماثيل جميلة أو تحفا، بل هي أعمال متكاملة مُحملة بمضامين فكرية لها دلالات سياسية واجتماعية وسيكولوجية، من هنا كان اختياره عنوان “أيديولوجيات” ملائما لمعرضه الأخير بقاعة الزمالك للفن بالقاهرة.

وراء كل منحوتة في المعرض، الذي يختتم في الـ30 من نوفمبر الجاري، حكاية أو جملة حداثية تعبر عن قضية ما تمس الإنسان المعاصر، في وطنه أو منطقته العربية المسكونة بأزمات وطروحات عديدة مصيرية ومشتركة.

ومن تمثال إلى آخر يغوص الفنان في أفكاره وهمومه وإشكالياته التي لا تنتهي، ويشبعها بضمير وإخلاص شديدين، ويرفدها بالكثير من أفكاره وإرثه الفني الممتد إلى الحضارة المصرية القديمة، والممتزج بثقافته الريفية الأصيلة في جنوب مصر، ما يساهم في نسجها نحتيا وبلورتها عبر تقنية مبهرة.

يظن المتابع لمعارض الفنان أنه قد بلغ ذروته الفنية وقد يكرر نفسه، كما قد يكون من الصعب على دوس في المعرض القادم أن يقدم جديدا، بعد أن عصر رحيق عقله واستنفد أدواته الفنية، إلا أنه يجد أن ما فات لم يكن وافيا للفنان الذي لا يزال قادرا على طرح أشكال مدهشة ومُحفزة على التفكير، تتدفق منها الأحاسيس المتباينة.

إعمال العقل

صورة

يؤكد ناثان دوس لـ”العرب” أنه قبل البدء في عمل جديد لا بد أن تكون هناك فكرة تلح عليه، يلبسها شكلا نحتيا، فالمنحوتة بكل خاماتها من برونز أو رخام أو غرانيت أو غير ذلك، ليست قطعة يزدان بها المكان أو تضيف جمالا لديكور المنزل، وتتحول مع الأيام إلى تحفة أو قطعة أنتيك.

ويضيف “المنحوتات عندي ليست مجرد بورتريه يجسد إنسانا، أو حصانا أو قطة أو حتى بطة جذابة في شكلها، دقيقة في نسبها، إنما أسعى إلى تقديم إبداع، وهو شيء مختلف، إنه المرحلة الأصعب، ومثل الكاتب الذي يؤلف عملا إبداعيا جميل الكلمات، عميق الأفكار، تكون أعمالي عبر محاولتي المستمرة لتقديم طروحات فكرية محرضة ومحركة للجمهور من خلال تقنية حديثة متجددة”.

وبدلا من المعالجات الفنية المجردة في المطلق نلتقي في المعرض الذي يضم 35 عملا نحتيا، بالعديد من القضايا التي نحياها، ففي “إعمال العقل” على سبيل المثال نشاهد شكلا مجزأ إلى قسمين، يجسد العقل، جزء يظهر فيه الدماغ لا يملأ الفراغ في رمز إلى أنه قد أصابه الضمور، وجزء آخر مكون من حجرات مُفرغة يملأها الفنان بأوراق لامعة، كدلالة على أن البعض يزحم عقله بأفكار أو موروثات تبدو براقة، لكن في النهاية من ورق، لا يمثل سوى مضمون هش.

يقول دوس “في لغتنا الدارجة نقول على الإنسان الذي لا يقرأ ويبحث ويفكر جيدا إن ‘دماغه فارغة‘، ويُعد التمثال جرس إنذار لنبذ كل ما ينتقل إلينا عبر التراث من خزعبلات قد ينسبها البعض بالخطأ إلى الدين أو التقاليد، في حين أنها لا تمت بصلة إليهما، كما أنه دعوة إلى إعمال العقل وإلا سيتحول إلى سلة مهملات”.

من اللافت في أعمال المعرض وجود تعمد مسبق لتحميل المنحوتة قضية بعينها من قبل البدء في العمل

وما يزيد من قوة رمزية التمثال أن القاعدة التي يستند إليها هي أيضا مليئة بالفراغات، في إشارة إلى ضعف المرجعية وعدم اتساقها العلمي، ويتشابه معه بشكل آخر تمثال “المثقف” مقدما قضية ادّعاء الثقافة من خلال رأس حين نحاول دخولها نصطدم بواقعها المخزي.

أما تمثال “نيران صديقة” فيعبر عن الخيانة وازدواجية المواقف في السياسة، فالتمثال الذي استوحاه ناثان دوس من خيانة يهوذا للسيد المسيح يسرد خيانة أميركا للسوريين والعراقيين معا، على حد تعبير الفنان، قائلا “كانت تعلن العداء لداعش، في حين نقرأ على الأسلحة عبارة: صنع في أميركا، لنتأكد أن داعش صناعة أميركية بإتقان”.

يلاحظ المشاهد أن التمثال الذي يجسد صديقا يهاجم آخر على قاعدة، يستند إلى صندوق ذخيرة لطلقات الدبابة كتبت عليه عبارة: زنة 58 كيلو كقوة تدميرية، وقد جلبه الفنان من مخلفات الجيش، ليكسو العمل بطاقة القتل والحرب قصد إبراز مفهوم الخيانة، وهو من باب إعادة تشغيل مخلفات الواقع لإبراز الفكرة الفنية.

المناضل الإلكتروني

من قضية الخيانة الخارجية إلى خيانة أبناء الوطن يأخذنا الفنان عبر منحوتة تعكس “النضال الوهمي”، سواء بهدف التآمر وكسب المال، أو لنقص الوعي لدى المواطن، وتحمل اسم “المناضل الرقمي”، وتبرز المناضلين الإلكترونيين أو “الديجيتال” المختبئين وراء شاشات هواتفهم أو أجهزة الكمبيوتر، ليبثوا الشائعات، والطاقة السلبية ويوجهوا الانتقادات، ويقدمون آراء ودراسات تحليلية في كل الأمور من دون معلومات أو خبرة كافية، وكأنهم محللون سياسيون محنكون.

عبر الفنان المصري عن ذلك من خلال شخص يتحوّل معه درع المحارب في عمله إلى ما يشبه شاشة المحمول، قائلا لـ”العرب”، “وجدت نفسي أنحت تمثال الرجل بشكل يظهره مرتعشا ومهزوزا، مستندا إلى دائرة القاعدة، في إشارة إلى أن المشكلة لا تنتهي، ولن نتخلص منها، فهؤلاء الذين يكيلون الشتائم للوطن من الخارج ماذا يقدمون لأوطانهم، ولماذا يحتمون بقوى خارجية، أين الشجاعة في ما يفعلون، وأين طروحاتهم الفكرية والسياسية المقترحة والمفيدة”.

 وراء كل منحوتة حكاية
 وراء كل منحوتة حكاية

ويضيف “كذلك هؤلاء الذين يتركون أعمالهم وتطوير أنفسهم، في الداخل، بدلا من المساهمة في البناء تراهم يجلسون وفي يدهم مشروب ساخن، ويلتحفون بالغطاء في الشتاء، دون عمل أو تغيير حتى للنفس”.

أراد ناثان دوس، من خلال هذا العمل أن يقول “علينا أن ندعهم في طريقهم، ونمضي نحن في طريقنا دون أن نلتفت إليهم”. في المقابل قدم تمثال “المناضل التقليدي”، الذي يقرأ صحف اليوم كلها، بينما يجلس مهموما بالشأن العام.

من اللافت في أعمال المعرض وجود تعمد مسبق لتحميل المنحوتة قضية بعينها من قبل البدء في العمل، ما يثير بدوره قضية فنية شائكة، طالما شغلت النقاد والمبدعين حول القصدية في الإبداع، بمعنى هل ما يدفع الإبداع الحقيقي هو محرك ما أو فكرة
مكتملة الأركان يقوم الفنان بصياغتها وهو في كامل وعيه الفني والوجداني، أم أن الأمر يتم لا شعوريا ودون قصدية أو هدف مسبق حين تتدفق الأحاسيس أو الأفكار على مسطح اللوحة أو الصفحة البيضاء بالنسبة إلى الكاتب؟

ويقدم ناثان دوس إجابة صادمة حين يقول “لا بد أن تكون لدى الفنان قصدية، وألا يكون الأمر عبثا، ففي الفن التشكيلي من يرسم دون قصدية كمن ربط فرشاة في ذيل حمار وحشي وتركه يخبط بها بشكل عشوائي على المسطح، وللأسف يصرّ البعض على التنصل من القصدية وكأنها عار أو إهانة، ويعلنون أنهم لم يتعمدوا شيئا محددا، وعلى المتلقي أن يفهمها وحده، وهو ما أعتبره تعاليا على المتلقي، أو ربما يكون العمل مجرد انفعال لوني وضبط إيقاع”.

التجميع من الداخل

صورة

 لم يكتف الفنان في المعرض بالقصدية السياسية، كما في عمله “المناضل الإلكتروني” و”نيران صديقة”، لكنه تطرق إلى القصدية الاجتماعية في خضم انشغاله وبحثه في الشكل واستنطاقه، محاولا الإجابة عن تلك الأسئلة التي تشغله. مع منحوتة “في انتظار الفارس” نعيش فكرة موجعة في المجتمع المصري، وهي فكرة الانتظار، أو بمعنى أدق طول الانتظار، عبر تجسيده لفتاة تتطلع إلى أعلى في انتظار فارس الأحلام على حصانه الأبيض، حتى تُصدم

الفتاة والمتلقي معا حين يُقدَّم لهما فارس ضعيف يمتطي حصانا هزيلا، لم يستدعه الفنان من الأساطير أو إحدى روائع الأدب العالمي، إنما شكّله من نسيج واقع لم يعد يعترف بالانتظار دون عمل، ودون تطوير للنفس، لنكتشف أن الفتاة ليست سوى رمز لكل من يركن إلى الراحة في انتظار تحقيق معجزات السماء.

وفي “الرجل والقناع” نجد أنفسنا أمام تساؤلات أخرى يطرحها الفنان منها “لكم هو صعب أن نظل نرتدي الأقنعة طوال اليوم، لكن هل يمكن أن نواجه الحياة من دون قناع؟”.

يعلق ناثان دوس في حديثه قائلا “الإنسان أصبح دوما يرتدي الأقنعة، بل يبدلها بحسب المواقف التي يواجهها على مدار حياته، وعلى مدار يومه، ذلك ما تعمدت أن أبرزه”. في إطار قصدية دوس، نجد أنه أراد عبر هذا التمثال توجيه دعوة إلى الظهور بشخصياتنا واحتياجاتنا الحقيقية دون تزييف، إلى حد أنه جاء بقناع مفرغ يتخذ شكل القضبان، في دلالة على تحوله إلى سجن لصاحبه بعد أن تعوّد عليه.

استخدم الفنان خامة البرونز في أعماله التي ضمها المعرض، معتمدا على الشمع المباشر، مقدما قطعة واحدة من كل تمثال بلا قوالب، “لا أضيع وقتي في الصب في قوالب أخرى، بدلا من ذلك أقدم أفكارا جديدة وتقنية جديدة”.

في هذا المعرض احتفى دوس بالفراغ الداخلي له، كما عمل على تكسير التمثال وإعادة تجميعه من الداخل، كما في تمثال “عصف ذهني” كي يخدم الفكرة، وهي هنا التركيز على الصراع الداخلي العنيف للإنسان، لتحقيق التناغم بين الكتلة والفراغ ما يخدم الشكل النهائي الحداثي له.

14