نحاسيات قاهرية.. فنان مصري يستلهم الأسطورة

الأحد 2014/02/02
فن السجيني لا يمكن تحليله

القاهرة - في معرضه الأخير الذي أقيم بقاعة الفن بجاليري الزمالك، أضاءت مطروقات الفنان “جمال السجيني” سماء القاهرة بنحاسها المطلي بالعسل. السجيني الذي يُعد من رموز الحركة الوطنية في الفن والإبداع لم تحظ أعماله بالاهتمام الكافي من قبل الدولة، مما دفع مجموعة من ملاك قاعات الفن الخاصة أن يحتفوا بأعماله الفنية في مناسباتٍ عدة.

تقول “ناهدة خوري” المسؤولة عن قاعة الفن بجاليري الزمالك: “إن قاعة الزمالك للفن لها الفخر أن تنظم هذا المعرض التاريخي الذي يضم الأعمال الفنية من النحاس المطروق والميداليات والعملات التذكارية للفنان الكبير جمال السجيني”.

إن أعمال السجيني لا تقف عند محطةٍ واحدةٍ بل تتخطاها نحو أفق متسع من الفن والخيال، وعندما نركز على مطروقاته النحاسية فإننا بصدد تسليط الضوء على فترة بالغة الأهمية في حياته الفنية وتكوينه الجمالي.

يقول الناقد التشكيلي “محمود بقشيش”: “إذا كانت مصر عند محمود مختار فلاحة وحسب، فإنها تتعدد وتتنوع عند جمال السجيني في صورتها المرئية، وفي الحالات التي توحي بها."

لهذا استعار السجيني وسيطا آخر غير (المرأة/ الأم) في التعبير عن العفة والخصوبة، وبذلك استخدم (عروسة المولد)، وهي في واقعنا تعد رمزا للبهجة، وفي لوحاته تفاجئنا بحالاتٍ تعبيريةٍ غير متوقعة تتراوح بين الانكسار والتحدي والانتصار”.

إن المتتبع لجمالية العروسة في هذا المعرض، يجد أنها تحيل الطاقة البصرية على جماليات النقش ورمزية الخصوبة، ففي لوحة العروسة (89×64 صم) تقف العروسة في منتصف اللوحة بجوارها مجموعة من عرائس المولد الصغيرة كتعبير فطري على الخصوبة والتجدد، كما تشير تلك اللوحة إلى عبقرية السجيني ورشاقته في استلهام الموروث الشعبي.

إن صياغة الجمال في مطروقات السجيني النحاسية لا يتوقف على التكوينات الأولية والزخرفة الشكلية فقط، بل تتخطى ذلك إلى الفكرة والواقع والموروث البيئي الذي تأتي في إطاره هذه المجسمات

في هذا المعرض يبدو السجيني أكثر حرصا على استنباط عنصري الحزن والألم لدى الإنسانية، فلوحته البديعة هيروشيما (36×80 صم) تطفح ويلات الحروب وآثار القنبلة الذرية على جسد المواطن الهزيل، والذي لم يجد مفرا سوى أن يقف بائسا مستكينا تعتصره الدموعُ بعد أن دُمرت قريته وفقد أحد ذراعيه.

في لوحة أخرى بعنوان الليل (66×97 صم) تتداخل عناصر وتنفصل في نقاطٍ عدة، فهذا الليل الذي يكدح فيه أحد الفلاحين في الحقل، ويحمل الزرع فوق رأسه ليضعه في شاحنات البضاعة، هو أيضا الليل ذاته الذي يجلس فيه أحد الغرباء في البار وحيدا ليحتسي كأسه وينظر في صمتٍ أسفل قدميه، وهو أيضا الوقت الذي يسرق فيه العاشقان لحظاتٍ من أجل ممارسة الحب عندما يرمي جنديٌ الرصاص على الطرف الآخر من الجبهة.

إن مطروقات السجيني النحاسية (Hammered Copper) لا يمكن التعامل معها بوصفها خربشاتٍ في صدر معدن فقط، بل إنها حالة من التماهي والتتابع نحو استخلاص الشوائب العالقة بالذات من خلال اختزان العلاقة الحميمية مع الآخر.

هذا الآخر الذي قد يتلخص في وجه فتاة ريفية بشوش، أم الأم التي تقبّل رأس طفلها في آخر النهار، أو ربما يكون نوستالجيا الحب والعرفان عند وجه الزوجة هدى.

إن صياغة الجمال في مطروقات السجيني النحاسية لا يتوقف على التكوينات الأولية والزخرفة الشكلية فقط، بل تتخطى ذلك إلى الفكرة والواقع والموروث البيئي الذي تأتي في إطاره هذه المجسمات، ففي لوحته رمضان (1966) تمتلئ حروف الإزميل بجماليات الفن الإسلامي والشعبي معا، حيث تظهر الأسرة المصرية الريفية البسيطة في نشوى وحبور بالأجواء الرمضانية التي تفوح من أجزاء اللوحة من خلال الأيقونات كالفوانيس، مدفع الإفطار، المسجد، والهلال.

إن فن السجيني لا يمكن تحليله على المستوى البصري فقط، لأنه يحاول دائما المزج بين عنصري (المكان/ الزمان)، ففي لوحة خطوة (36×77 صم) حاول أن يسلط الضوء على أحد أهم الفترات في الحياة المصرية، وهي قيام ثورة 1952 والتي بدورها أنهت فترة الحكم الملكي بمصر، وتبعتها أحداث مهمة شكلّت المجتمع وتوجهاته في ذلك الوقت، وأكدت لوحة شجرة المصير (133×75 صم) هذه الحالة، فقد أظهرت أحد الفلاحين وهو يجتز شجرة علّقت عليها مشانق دنشواي، اختلال العدالة الاجتماعية، قسوة النظام الملكي، شبح الفتنة الطائفية بالإضافة إلى خطر الصهيونية.

يبرز السجيني التناقض في الحياة من خلال اختزالها في طرفي (الحياة/ الموت) في إحدى لوحاته والتي يؤكد فيها أن المرأة تعدّ معادلا موضوعيا للخصب والتجدد. فكما تنتهي الحياة عند ظهرها، تبدأ مرة أخرى من ساعدها الأيمن حيث الطفولة والأمل، وقد خرجت هذه المطروقة النحاسية إلى النور في المرة الأولى عام 1967.

فن السجيني لا يمكن تحليله على المستوى البصري فقط، لأنه يحاول دائما المزج بين عنصري (المكان/ الزمان)

في كلمته عن المعرض يضيف الفنان التشكيلي والناقد “أحمد نوار”: إن المثّال السجيني برع في إبداعه المتفرد (النحت البارز) في خامة النحاس، كما برع في منحوتاته ثلاثية الأبعاد، وعندما نتأمل تاريخ جمال السجيني ومسيرته، تصحبنا الذاكرة البصرية والتاريخية إلى المرجعيات الفنية التي أسست ما يُسمى بالهوية الذاتية للسجيني، فنكتشف عمق ثقافته وتأمله للفن المصري القديم وكذلك فن العمارة الإسلامية والمدرسة الأوروبية. مرجعيات شكلت رؤية السجيني الفنية وبمهارة المفكر المبدع استطاع بإعمال العقل استلهام بنية هذه الحزمة الحضارية كونها جزءا لا يتجزأ من مفهوم الكتلة في الفراغ.

وهذه هي سمة الفنانين العظماء الذين يمتلكون الموهبة والقدرة الخلاقة لإضافة قيم جمالية جديدة للعائلة البشرية.

في الجزء الأخير من المعرض عُرضتْ مجموعة نادرة لأبرز العملات المعدنية التذكارية (Commemorative Coins) التي قام السجيني بطرقها في مناسباتٍ مختلفةٍ لتخليد ذكرى هذه التواريخ والشخوص، فكانت أبرز الوجوه الحاضرة كوكب الشرق أم كلثوم والملك فيصل بالإضافة إلى ميدالية أخبار اليوم وعيد العلم.

السجيني الذي عاش بجوار النيل وفيا ومخلصا له، في فورة من فورات غضبه على الوضع القاسي للفنان الحقيقي داخل مصر، قام بقذف مجموعة من تماثيله إلى جوف النيل، وبالرغم من ذلك مرّ هذ الحدث مرور الكرام بمزيد من الإهمال والصمت.

13