نحافة المرأة في ميزان المتغيرات العصرية

الأحد 2016/05/01
مقاييس الجمال تحركت تجاه نحافة زائدة

القاهرة - كانت بدانة المرأة في دول عربية عدة من أهم عناصر جمالها في نظر العديد من الرجال، ومظهرا لثراء العائلة وكرمها، وحتى وقت قريب كان مهر الفتاة يحدد أحيانا بوزنها وقطر حبل يتم لفه حول عضدها.

تغزل الشعراء العرب بالقوام الممتلئ و”البضة”، وكانت المرأة الخدلجة (ممتلئة الذراعين والساقين) مفضلة لدى الرجال، حتى وصفوها بـ “البرمادة” (تهتز من بدانتها) ليس هذا وحسب، بل كانوا يتعوذون بالله من المرأة الزلاّء (النحيفة) التي قلّ لحمها وشحمها وكأن ثوبها “عُلّق على عود”.

بدانة الفتاة قبل الزّواج دليل دامغ على قوّتها ومقدرتها على إدارة حياتها الزوجية، لذلك اتّبعت نساء عربيات منذ الصغر “تسمينا قسريا” من خلال إجراءات مشددة للحصول على جسد سمين وطلة بهية، عبر تناول كميات كبيرة من الطعام الدسم، وعدم قيامها بأعمال منزلية والبقاء لوقت طويل في وضع منبطح لتكبير الردفين وأسفل الظهر.

الحال تغيرت منذ خمسينات القرن العشرين، وزحفت موضة النحافة، من خلال تشجيع وسائل الإعلام للفتيات في الدول العربية على ذلك، وهجر قطاع كبير من الرجال المعايير الخاصة وتبنوا مقاييس الجمال الوافدة.

وساهمت الأعمال الفنية في تغيير صورة المرأة العصرية، وأصبحت النجمات النحيفات نموذجا “للجمال والأناقة والرشاقة”، ومنحت المرأة النحيفة الرجل إحساسا بالقوة والرغبة في حمايتها.

زادت معاناة البدينات مع دخولهن ميدان العمل بتميز النحيفات عليهن، ما دفعهن إلى دخول معركة مع أجسادهن عن طريق البحث عن أنماط غذائية معينة (دايت) وأدوية تخسيس وارتداء مشدات (كورسيهات) ليكنّ أقل وزناً وأكثر رشاقة.

ثم تحرّكت مقاييس الجمال تجاه نحافة زائدة عن الحد حلت في فترة ستينات القرن العشرين مع عارضات الأزياء، وربطت مفهوم الأناقة بقوام المرأة النحيفة، وأصبحت الثياب الضيقة رمزا للرشاقة ودليلاً على الصحة، وتحوّل جسد المرأة إلى موضوع جنسي مثير للشهوة وباعث للإعجاب في عيون الرجال.

النحافة صارت عنوانا لتحرر المرأة من قيود أسرتها، حيث أن تحكمها في جسدها كان دليلا على مواكبتها لعصر التحرر والانفتاح على الغرب

مع مرور الأيام صارت النحافة عنوانا لتحرر المرأة من قيود أسرتها، حيث أن تحكّمها في جسدها كان دليلا على مواكبتها لعصر التحرر والانفتاح على الغرب.

وأرجعت سامية قدري الخبيرة في علم الاجتماع تحول المرأة للنحافة إلى تزايد حدة الانتقادات المحيطة بالبدينات والسخرية الدائمة من سمنتهن، مرورا بصعوبة إيجاد ملابس مناسبة لمقاسهن، ووصولا إلى تهديد دائم بعنوسة اجبارية.

وأشارت قدري إلى أن أغلبية الوظائف الآن أصبحت تشترط امتلاك المرأة لجسد نحيف وقوام متناسق وهو ما يتنافى مع ممتلئات الجسد. وقالت لـ”العرب” إن النحافة الزائدة تحولت إلى ظاهرة مرضية تفشت لدى كثير من الفتيات، فالمراهقة تمرّ بتغيرات نفسية تدفعها إلى اللجوء لنموذج تراه أمامها وتحاول تقمصه، وبما أن هذا النموذج يأتي من وسائل الإعلام كان من الطبيعي تقليده.

واعترضت سامية قدري على أن المجتمعات العربية تحكم على المرأة وفقا لمواصفات عارضات الأزياء أو ملكات الجمال، قائلة “هذا لا يناسب المجتمعات في كلّ زمان ومكان، فالمقاييس متباينة ومختلفة بتغيّر الثقافة والمناخ، ونموذج النحافة كمثال لجسد المرأة الجميلة ليس النموذج الأوحد، فالجمال ليس سلعة استهلاكية ليتم إخضاعه لقوانين دخيلة”.

وحسب رأي بعض الخبراء فإن النساء سيتحررن من وباء النحافة ويتقبلن أشكال أجسادهن عندما يتوقف الرجل عن التحديق في النحيفات اللائي يتصدرن أغلفة المجلات والمواقع الإلكترونية.

وأضافت ياسمين أشرف، الباحثة في علم النفس أن الاعتقاد السائد بأن المرأة النحيفة أكثر جمالا، أثّر بشكل سلبي على الفتيات وأصابهن بهوس النحافة، وعدم الرضا عن أشكالهن، وكثيراتٌ من البدينات يخجلن من رؤية أجسادهن في المرآة ويتجنبنَ ذلك ما استطعن.

وأشارت إلى أن المرأة وصلت إلى الاقتناع بما تروّجه كتبُ ومجلات الرشاقة والجمال وغيرها وأن الطريق الوحيد للتخلص من مشاعرها السيئة وما يقابلها من مواقف اجتماعية، هو إنقاص وزنها أو تغيير مظهرها بامتلاك جسد نحيف.

وأكدت أشرف لـ”العرب” أن النحافة تحولت من فكرة دخيلة إلى وسواس يهاجم المرأة في مراحل عمرها، والتخلص منه لن يتم إلا بمساندة الأهل والمجتمع، ومنح المرأة ثقة بنفسها، عن طريق تدريبات سلوكية معرفية حول كيفية تقبل جسدها وإعادةِ تطبيع العلاقة معه في كل أحواله.

وكشفت هايدى إسماعيل استشارية السمنة والنحافة، لـ”العرب” أن التناغم سرّ الجمال الجسدي، بغض النظر عن محاولة تسيّد نمط بعينه، وجاذبية النساء تكمن في تناسق أجسامهن بشكل يتناسب فيه الطول مع الوزن وحجم الصدر والخصر.

ومن الضروري أن تعلم الباحثات عن النحافة أن التقليد الأعمى لن يفيد فلكل شخص نسيج يخصه، وبما أن بصمات الأصابع تختلف، فكذلك الأجسام لا تتماثل وما يصلح لامرأة كوزن مثالي قد لا يصلح لأخرى.

20