"نحبك هادي" حب غير عادي ينعش أيام قرطاج السينمائية

ضمن مسابقة الطاهر شريعة للعمل الأول تابع جمهور الدورة الـ27 من أيام قرطاج السينمائية الفيلم التونسي “نحبك هادي”، والذي شارك قبل عرضه في الأيام في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي، وفاز بجائزة العمل الأول لمخرجه محمد بن عطية باعتباره أول فيلم روائي طويل في رصيده بعد عدد من الأفلام القصيرة كـ”موجة” و”سلمى” وغيرهما، وعنه تحصل الممثل التونسي مجد مستورة على جائزة الدب الفضي لأفضل ممثل في دورة مهرجان برلين الأخيرة.
الجمعة 2016/11/04
حب عنيف يحول البطل الهادئ إلى عاشق متمرد

شارك الفيلم التونسي “نحبك هادي” في مسابقة الطاهر شريعة للعمل الأول، ضمن فعاليات الدورة الـ27 من مهرجان أيام قرطاج السينمائية. وتأتي قيمة الفيلم أساسا من وضوح الرؤية بالنسبة إلى مخرجه محمد بن عطية، الذي تجنب الأخطاء التي يقع فيها غيره في أفلامهم الأولى، والمتمثلة في زخم الأفكار والمواضيع والإشارات التي تتحول في أحيان كثيرة إلى شعارات مملّة.

ويمكن قراءة الفيلم في مستويين، أولهما إنساني ويتعلق بقصة شاب فاقد الإرادة، شديد السلبية يتحول مع تقدم أحداث الفيلم إلى آخر فاعل ومالك لحرية القرار، وثانيهما سياسي في إشارة ربما إلى حالة الإحباط التي استبدت بالشباب التونسي بعد أن خذلت ثورة 14 يناير 2011 أحلامه، ومع ذلك لم يستسلم بن عطية للشعارات الثورية ولم يعتمد على خطاب مباشر، بل حافظ على مدى ساعة ونصف الساعة من عمر الفيلم على خطاب سينمائي بسيط وسلس.

ريم تجسد في الفيلم نموذجا للشباب التونسي الفاعل والمحب للحياة والفن، والذي يحاول أن يترك أثرا ما

عنوان ذكي

عنوان الفيلم “نحبك هادي” مراوغ وذكي، فهادي هو اسم البطل (مجد مستورة)، وهو حامل لمعناه أيضا، فهو شديد الهدوء حدّ السلبية! وكل ما يحيط بالشاب يريده أن يكون هادئا، ومعنى أن “نحبك هادي” ليست تعبيرة عاطفية فقط، فالحب المفاجئ الذي عاشه هادي كان محرضا ليتمرد على كل ما استقر عليه رأيه وطبعه، إلاّ أن البطل هادي من خلال طريقة عيشه اليومية يرضخ إلى جميع الضغوط الذي تريده أن يكون هادئا!

هادي شاب عادي، ولأنه عادي جدا، يعيش تحت سطوة والدته التي خططت لارتباطه بفتاة تجمعهما لقاءات سرية في السيارة، لم يحدث أن مسك يديها بين راحتيه، لم يحدث أن أخذها بين ذراعية، لم يحدث أن قبلها، فهي مثله خاضعة لسلطة العادات والتقاليد، لا تحسن التعبير عن مشاعرها إلاّ متخفية بين سطور الإرساليات القصيرة التي ترسلها إليه من هاتفها الجوال مع سكون الليل. “ما الذي تريدين فعله في حياتك؟”، سؤال مفاجئ أتى على لسان هادي مواجها به خديجة فترتبك، حيث لم يحدث أن سألت نفسها سؤالا كهذا، ولا يهم كثيرا ما تريده من الحياة، يكفي أنها معدة للارتباط بشاب مستقيم من عائلة محترمة، موعودة بحياة “لا روح فيها” ومحكومة بسلاسل العادات والتقاليد.

هادي أيضا لم يكن يسأل فقط، بل كان مولعا بالرسم، وكان يحلم بنشر ما يرسمه، قبل أن يصطدم بريم تقول له ساخرة “هذا مشروع وليس بحلم”!. ريم (ريم بن مسعود) لم تكن مجرد امرأة صادفته في حياته فجأة، لم يكن فقط حبا من النظرة الأولى استوجب شيئا من العنف اللذيذ في علاقة مجنونة، بل كانت اللحظة الفارقة في حياته التي دفعته إلى التحرر أولا من سطوة عمل روتيني لا يحبه والمتمثل في بائع للسيارات، ثم من مصير لا يريده ولم يختره والمتمثل في الزواج، وكانت المواجهة بينه وبين والدته (صباح بوزويتة) نقطة تحول كبيرة في الفيلم وفي حياته أيضا.

فيلم "نحبك هادي" شارك في مسابقة الطاهر شريعة للعمل الأول

ريم كانت بالنسبة إلى هادي رمزا للمجهول، فهي المرشدة السياحية والراقصة المغامرة التي تنتقل من نزل إلى آخر لا تعرف أين سيستقر بها المقام؟ فهل سيغريه المجهول؟ هل سيسافر مع المرأة التي أحبها وأيقظت كل الأحاسيس النائمة فيه؟ لا يهم القرار الذي اتخذه، فالأهم أنه اتخذ قرارا وصار قادرا على ذلك، ولا شك في أنه هذه المرة سيكون فاعلا، ولن يخضع لأي سلطة.

ريم في الفيلم هي رمز للشباب التونسي الفاعل، المحب للحياة والفن، الذي يحاول أن يترك أثرا ما، ولكن على الرغم من كل هذه المحاولات فالمستقبل بالنسبة إليه غامض ومجهول، ولهذا تجيب ريم على سؤال هادي “ماذا سنفعل لاحقا؟ فتقول “هل تحسبني سعيدة وأنا في سن الثلاثين، أتنقل من نزل لآخر، أرقص أمام السياح؟”. ومن هناك نفهم أن المستقبل غامض بالنسبة إلى شباب تونس الذي يلاحق أحلامه المؤجلة، ويرغب في الهروب إلى أوروبا أملا في الحصول على فرصة يضمن بها الآتي من حياته.

أداء متزن

“نحبك هادي” فيلم بسيط لكنه صادق، فيه أيضا الكثير من الاختصار في مستوى الحوار وفي جمالياته البصرية، فهو يذكّر من يشاهده بأفلام الأخوين داردين في سلاسته خاصة وعمق طرحه، مع الإشارة إلى أن الأخوين البلجيكيين ساهما فعليا في إنتاج الفيلم. ويتحمل الممثلون أعباء الفيلم بأداء بارع لجميعهم تقريبا بمن فيهم أصحاب الأدوار الصغيرة، ويمثل مجد مستورة الاستثناء بأدائه البارع لشخصية شاب مسلوب الإرادة، اشتغل بعمق على تفاصيلها انطلاقا من خطواته غير الثابتة مرورا بنبرة صوته المرتبكة وحركة يده المضربة، وصولا إلى نظرات عينه الشاردة، وحين تحولت الشخصية إلى النقيض جاء ذلك تدريجيا، مما أضفى على الأداء حيّزا كبيرا من المصداقية.

ولم يخل أداء ريم بن مسعود من سلاسة في التعبير اللفظي والجسدي بعيدا عن التضخيم والتهويل، مما ينبئ بميلاد نجمة تونسية تجمع بين الإطلالة الرشيقة والأداء المتزن، وهي التي عرفها جمهور الشاشة الصغيرة في تونس من خلال دور الشرطية الصارمة والرصينة في سيتكوم “بوليس حالة عادية” فأحبها وثمّن حضورها. أما النجمة المسرحية صباح بوزويتة فكانت وفية لتألقها المعتاد والذي عوّدت به عشّاق الفن الرابع، لتفاجئ جمهور الفن السابع هذه المرة بإجادتها لدور الأم المتسلّطة، المتمكّنة من مفرداتها وحركاتها الخاصة بها.

اقرأ أيضا:

ثمانية أفلام قصيرة توثق لخمسينية قرطاج السينمائي

النجوم العرب يكرمون يوسف شاهين في تونس

16