نحت في الريح

الأحد 2016/07/31

تمثال بدر شاكر السيّاب في البصرة، وهو “ينتظر المطر”، ومحاط بأكياس الرّمل أثناء حرب الخليج الأولى في ثمانينات القرن الماضي، يثير الشهية للخيال.

حتما، لن يهرع بدر التمثال إلى ملجأ هربا واحتماء من قذيفة طائشة، لكنّ عشّاقه خافوا على حياته بعد موته، وحوّطوه بأكياس الرّمل.

ماذا لو هرب بدر التمثال، بجلده وعظمه البرونزيين، واحتمى في ملجأ آمن ملتقيا بتمثال ابن بلدته، أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ.. ما عساه عندئذ، أن يكون الحوار بين صاحبي الوجهين النحيفين، بين صاحب “المومس العمياء” و”يا عراق”، وصاحب “البيان والتبيين” و”البخلاء”؟

السيّاب الذي قرّب الشعر إلى النثر، والجاحظ الذي حرّر النثر من الشعر، فماذا يمكن أن يقوله شاعر حزين، مات تحت الوجع والسّيروم وهو عليل، لمفكّر معتزليّ قضى نحبه تحت ركام الكتب وهو مفلوج؟.. وما الكتاب السّميك الثقيل الذي سقط فوق الجاحظ فقضى عليه.

ما لي وللجدل المسرحي، سأعود إلى النحت والتماثيل التي أعشقها، وأكاد لولا إيماني أن أتهم نفسي بالوثنية، ولو كانت لديّ عضلات مفتولة، تقوى على مسك المطرقة والأزميل، ومقارعة الصخور وصهر المعادن وصبّها، لأصبحت نحّاتا، فمن لم يستطع أن يكون نحّاتا في حياته فليصر تمثالا في مماته، ولكن.. كيف لي أن أتحمّل نفسي تمثالا ينظر إلى هذا العالم بحدقة من معدن وملامح ثابتة، ثمّ إنّي لا أطيق عدسات المصوّرين، ولا سماجة السائحين، وقد لا أتمالك نفسي أمام معجبة، كما أنه قد يوجد واحد أرعن من أحفادي، لا همّ له سوى التباهي بمآثر جدّه.. آسف، ليس لديّ الآن أيّ مأثرة غير أحلام اليقظة.

من يا ترى يكون النحّات الذي سوف يتقن صنع أخطائي التشريحية، ويقترب من كلّ جسدي بإزميله ومطرقته دون أن أتألّم أو أنزعج أو أتدغدغ؟

قد يتغيّر حاكم المدينة، ويأتي آخر لا يطيق رؤيتي، فيأمر بإتلافي أو إرسالي إلى مستودع الخرداوات، أو إلى حيّ أشعر بالغربة فيه، أو يعاد صهري وتذويبي، ليصنع منّي سلاسل أو سكاكين، قد يسرق الشهرة منّي نحّات بارع، ويوقّع بالأحرف الكبيرة اسمه تحت قدمي أو على خاصرتي، قد تهددني فؤوس السلفية، فأضطرّ للهروب إلى ملجأ أجد فيه تمثال حاكم أكرهه، أو امرأة كنت أحبّها.

أيّها النحّات الذي سوف يأتي، لا تصنع لي تمثالا من معدن نفيس، قد يشتهيه الأصدقاء والأعداء على حدّ سواء، لا تجعلني من شمع، أنت تعرفني سريع الذوبان أمام كلّ المغريات، ما رأيك في أن تصنعني من الشوكولاتة.. أجل من الشوكولاتة.. وليتقاسمني الأطفال والبدينات والباحثون عن الحنان.

لا.. لا تصنعوا لي تمثالا، اصنعوا لي إزميلا، ينحت في الريح ما يقوله الحالمون والمتألّمون، إزميل ينتقم لي من الريح العابثة بدفاتر العشّاق وأكواخ الفقراء.

24