نحسدهم على برودهم

في بداية تعرفي على ثنايا المجتمع في بريطانيا، لمست أنهم يفكرون بطريقة أشبه بمن يصنف الكتب في المكتبات. كل كتاب قائم بذاته ويأخذ مكانه.
الأربعاء 2018/10/31
الحياة تسير ببساطة

تتعلم من خلال العيش بين الإنجليز أن تحسب الأمور بطريقة أفضل. لدى الشعب البريطاني قدرة لافتة على تفصيل الأشياء وعدم الخلط بينها. البرود الإنجليزي في مواجهة تفاصيل الحياة مستفز لكثيرين، لكنه من سمات المجتمع التي يعتز بها.

في بداية تعرفي على ثنايا المجتمع في بريطانيا، لمست أنهم يفكرون بطريقة أشبه بمن يصنف الكتب في المكتبات. كل كتاب قائم بذاته ويأخذ مكانه، ووجوده لا يلغي الكتب الأخرى.

يستطيع الإنجليزي أن يبيع ويشتري مع شركة وهو يقاضيها في نفس الوقت بسبب الإخلال في الدفع أو المواصفات. لا يعادي زبونه لأنه لم يدفع ما فات، بل يترك الأمر للمحكمة ويستمر بالتعامل من دون بغضاء.

بالأمس قدم وزير الخزانة البريطاني ميزانيته السنوية، وهي ميزانية مرتبكة لاعتبارين. الأول، أنها الميزانية الأخيرة قبل الخروج من الاتحاد الأوروبي. والثاني، لأن على البلاد أن تقرر إن كانت تستطيع الخروج حقا من التقشف في الصرف الحكومي الذي صار واقعا تتعامل معه الدولة.

الطبيعي أن يسعد الناس أو يغضبوا من الميزانية. فأهم ما يمس حياة الشعب البريطاني هو جيبه. لكن الفرد الإنجليزي لا يحسب الأمور بالطريقة التي يمكن أن نراها في دول أخرى. إنه، وبكل برود، يصنفها ويعيد ترتيبها.

 لو تابعت ردود الفعل فستصاب بالدهشة. يرد الإنجليزي على كل بند في الميزانية بطريقة مختلفة وموضوعية. صاحب الراتب الذي يزيد على 50 ألف جنيه سنويا يقول إنه سعيد لأن الميزانية الجديدة ستترك في جيبه أكثر من 500 جنيه سنويا إضافية.  لكنه، وهو المحسوب على أصحاب الدخل العالي، لا يغفل أن يقول إن الوضع الاقتصادي العام هش وإن كلفة الحياة في تزايد وإن أباه كان يستطيع أن يشتري منزلا من راتبه في مطلع الثمانينات، أي كان بوضع أفضل براتب أقل بكثير. لا يعترض على زيادة الضرائب على بعض بنود الإنفاق الشخصي، مثل الكحول والسجائر والبترول، لكنه يريد الحكومة أن تحاسب نفسها على أوجه الإنفاق وأن تصل الأموال إلى المستحقين أو المشاريع الأهم. أي أنه لا يخلط بين موقفه من دفع المزيد من الضرائب، أي فلوس أقل في جيبه، وبين حرصه على أن تنفق هذه الأموال بوجه يرتضيه.  يجادل مع الحكومة إذا كانت تقصقص أجنحة أصحاب الأملاك العقارية، خصوصا إذا كان هو من أصحاب الأملاك، لكنه يعرف أن التوازن مطلوب بين علاقة المالك والمستأجر وأن أرباحا مبالغا فيها من العقار تعني هروبا من المدن الكبرى وضربا للاقتصاد.

تعليقات الصحف لا تقل تصنيفا للحقائق وعدم الخلط بينها. ليس هدف الصحافة استثارة الناس ضد الحكومة أو التطبيل لقراراتها، بل أن تحافظ على تهكم بناء، مؤيد أو معاد، لكل بند من القرارات التي ينتظرها البريطانيون كل سنة في هذا الموعد.

التعميمات التي جئنا نحملها من بلادنا إلى بلد المهجر ترافقنا ونسمعها بين أبناء الجالية من الجيل الأول من المهاجرين. أبناؤنا أكثر موضوعية وأكثر برودا. برود نحسدهم عليه، كما كنا، ولا نزال، نحسد الإنجليز.

24