"نحن أولا" نهج يهدد العمل الدولي ويمهد لاندلاع الحروب

الخميس 2016/12/29
تجاوز الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ينذر بالصدام

باريس – لا تخفي الأوساط السياسية الفرنسية خشيتها من تشكّل نظام دولي جديد لا يقيم وزناً للروح التعددية التي سادت العالم منذ الحرب العالمية الثانية سواء من خلال فكرة عصبة الأمم وتطورها إلى منظمة الأمم المتحدة، أو من خلال قيام مؤسسات دولية سياسية وعسكرية واقتصادية، تعمل وفق مبدأ دولة واحدة صوت واحد، لإدارة هذا العالم بأوسع مشاركة ممكنة ووفق قواعد قانونية ثابتة.

وتستنتج الأوساط الأوروبية صعودا لتيار أيديولوجي بدأ يلقى رواجاً لدى العامة يدعو إلى الدفاع عن حدود ومصالح الدولة الأمّة وجعلها أولوية على قواعد العمل الأوروبي الجماعي.

ويرى خبراء السياسة في بريطانيا أن التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في يونيو الماضي جرى وفق شعار “بريطانيا أولاً” وأتى صدى لدعوات اليمين المتطرف الأوروبي الذي راج في فرنسا وفق شعار “فرنسا أولاً” و”الفرنسيون أولاً”، وهو تماما ما انسحب على خطاب اليمين المتطرف داخل دول الاتحاد الأوروبي.

ويرى مختصون في حركات التطرف الأوروبي أن شعار تمييز “أهل البلد” كان يستهدف الجاليات المهاجرة، إلا أن الأمر بات يستهدف مؤسسة الاتحاد الأوروبي كفكرة عابرة للحدود، بحيث بات الأصل بالنسبة إلى اليمين المتطرف هو حدود الدول في حقبة ما قبل المشروع الأوروبي، وإسقاط لاتفاقات جماعية يتيح البعض منها استخدام العملة الواحدة والتنقل الحرّ بين البلدان الأعضاء.

ويعتبر مراقبون في ألمانيا أن البريكست البريطاني كان بإمكانه أن يكون حدثاً بريطانيا محلياً وحادثة في تاريخ البنيان الأوروبي، إلا أن انتخاب دونالد ترامب وصعود نجم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جعلا من الحدث زلزالاً يعكس تسونامي دوليا يهز الكيانات الجماعية للدول، بما بدا أنه بات يهدد الأمم المتحدة كأكبر مؤسسة للعمل الجماعي الدولي.

ويعتبر خبراء فرنسيون أن تجاوز الأمم المتحدة مسؤولية تتحملها أيضا دول غربية، مذكرين بغزو العراق عام 2003 رغم الفيتو الفرنسي وبالتدخل حديثا في ليبيا، ناهيك عن أن التدخل في يوغسلافيا السابقة لم يعر المنظمة أيّ اهتمام.

ويدعو مراقبون لشؤون الأمم المتحدة إلى ملاحظة ردود الفعل على تصويت مجلس الأمن الأخير ضد المستوطنات الإسرائيلية لجهة مجاهرة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعدم التزام بلاده بذلك القرار، ولجهة تغريدة دونالد ترامب التي وعد فيها بأن أمور منظمة الأمم المتحدة ستتغير بعد أن يتولى الرئاسة في الـ20 من يناير.

ويرى دبلوماسيون غربيون أن المقاربة التي يقترحها بوتين لحل الأزمة السورية تطالب علناً بآلية مفاوضات في أستانة عاصمة كازاخستان بعيدا عن الأمم المتحدة.

وتجد هذه الأوساط في اعتماد الأمر على ثلاثية روسيا وتركيا وإيران أنه يؤسس لديناميات إقليمية تعمل في ملفات معينة ووفق أمزجة انتقائية دون سقف دولي جامع.

وتحذر أوساط أوروبية متمسكة بالخيار الأوروبي من رواج تيار “الواقعية السياسية” الذي يعبّر عن ودّ تجاه زعيم الكرملين.

ووفق تلك الواقعية يبشر ترامب بالتعاون مع روسيا بوتين، ويدعو المرشح اليميني للرئاسة الفرنسية فرنسوا فيون للتعاون مع الكرملين كما مع الرئيس السوري بشار الأسد.

ويحذر سياسيون فرنسيون من مغبة الاستخفاف بالانزلاقات الراهنة المهددة للعمل الجماعي الدولي، ليس فقط خوفاً على مؤسسات تمّ التوصل إليها بعد قرون من تطور الفكر السياسي، بل لأن هذه المنظمات المتعددة هي التي أوقفت مسلسل الحروب، وأن النزوع الحالي نحو الشوفينية ومنطق “نحن أولاً” هو وصفة آلية نحو صدام افترض العالم أنه صار من ذاكرة عصر قديم لن يعود.

1