نحن عبيد ما نعتاد عليه

نحن "عبيد" لما نعتاد عليه. حتى من يبادر إلى "تحريرنا" إنما يستفز فينا ما يبدو طبعا إنسانيا راسخا.
الأربعاء 2021/06/02
درس للمستقبل

مع كل تغيير تجريه في موقع من مواقع مؤسسة “العرب” على الإنترنت، تصلك الكثير من التشكيات من قراء اعتادوا على الشكل “الحالي” ولا يريدون “الجديد”. يجدون أخبارهم حيثما يعرفون أين يجدونها ولا يتوقعون أن تزحف خانة الآراء إلى مكان آخر من فرشة تصميم الموقع. البعض يوجه رسائل عدوانية شديدة اللهجة بأن هذا ليس من حقكم وأن التعديل أو التطوير أو التجديد يجب أن يتم بالتنسيق مع القارئ. المسؤول أمام خيار الصبر والانتظار لحين تعود القارئ. ولكن في كثير من الأحيان تعود المؤسسات عن قرارات التجديد وتسترجع القديم لأنها لا تريد أن تغضب القارئ، زبونها الأول.

أطرف ما في الموضوع هو وضع المسؤول نفسه. من أية فئة هو؟ هل هو مجدد حقا أم كلاسيكي من فئة القارئ المحتج؟ كان هذا اختبارا فشلت فيه. في العادة أجلس مع المسؤولين الفنيين لاقتراح بعض العناصر في التصميم الجديد لأحد المواقع. نظريا، أنا منفتح على “الجديد”. ثم يأتي الاختبار. تتصفح موقع صحيفة فاينانشيال تايمز قبل يومين فتجد أن هناك تغييرات في الشكل والتوزيع. يا للصدمة.

مواقع الصحف عادة تحاكي الورق وتقسم صفحة المدخل بطريقة تتناسب مع انسياب التبويب للصفحات الورقية. المؤسسات الإعلامية التي بدأت رقمية فقط، تتخيل أن هناك صحيفة لها تحاكيها وتصمم الموقع على أساسها. وهذا ما فعلته الصحيفة البريطانية لحد الآن. لكنها قررت التغيير. فجأة صار مقال الرأي بجوار الموضوع المعني. تقرير صحفي عن تركيا مثلا، ستجد إلى جواره مقالة الرأي ذات العلاقة. هناك مجموعة من التقارير والآراء مجمعة سوية عن كوفيد مثلا. وفي مساحة الرأي المعتادة، تركوا مقالات الرأي “اليتيمة” التي لا تشير إلى موضوع محدد آخر في الصحيفة. للحظة أحسست بأني تهت. وقد تهت فعلا. ما نفعله بالناس، صرنا “ضحايا” له.

لم يطل الأمر كثيرا. يبدو أن زبائن الفاينانشيال تايمز من القراء أقوى من أن تهمل آراءهم. خلال يومين، عاد الموقع إلى صورته الأولى. هدأت النفوس ونفسي منها. وتعلمت الدرس للمستقبل.

الاعتياد على شيء من أهم صفات الإنسان. وما شب عليه شاب عليه كما يقول المثل. تسمع من يتذمر إذا دخل السوبرماركت ووجد أن المتجر غير موقع الخبز أو الحليب أو الشاي. تاه المتسوق بين جزر المعروضات والممرات التي تفصل بينها. تاه بين ما اعتاد عليه وما تختزنه ذاكرته من مكان وموقع كل شيء. بعض المتاجر لا تفعل هذا أبدا. تمر عشرات السنين وعلبة الشاي في مكانها لا تغادره حيث يتوقع أن يجدها المتسوق. القارئ متسوق لبضاعة من نوع آخر لكن طبعهما سواء.

نحن “عبيد” لما نعتاد عليه. حتى من يبادر إلى “تحريرنا” إنما يستفز فينا ما يبدو طبعا إنسانيا راسخا.

24