نحن لم نحقق التحرير اللازم حتى يكون في وسعنا الكلام عن مرحلة ما بعد الاستعمار

الأربعاء 2014/10/01
الأسوأ بالنسبة إلى المثقف هو أن يحاول الازدواج بين حياته وطموحاته في السياسة

لندن – تكاد هذه الفقرات تكشف جانبا مهما من طريقة تفكير المفكر الراحل أدوارد سعيد نعيد تقديمها هنا على لسانه.


من نحن

نحن لم نحقق التحرير اللازم حتى يكون في وسعنا الكلام عن مرحلة ما بعد الاستعمار. طبعا هناك ملامح ومحاولات، في الاقتصاد، خصوصا، وفي الفكر السياسي والفكر الإسلامي، والديني عموما، لكن هذه كلها مجرد ملامح، من دون أن يعني ذلك أننا بصدد طريقة تحليل جديدة، وأظن أن العامل الحضاري (الإسلامي العربي) هو إحدى الإشكاليات، فمن ناحية نحن نحاول أن نجيب عن السؤال حول ما هو الإسلام، ومن نحن كذات حضارية، ومن ناحية ثانية نحن في غمرة دفاع عن هذه الذات بإزاء تحديات “الخارج” و”الآخر”، من دون أن نخوض في تحليل معمق. وبالتالي نحن في مأزق هائل.


قراءة " الاستشراق"


تأثير كتاب “الاستشراق” في الهند أو اليابان أو في جنوب أفريقيا يبدو لي أكثر عمقا على مستوى التحليل، من تأثيره في العالم العربي. فالمدرسة التاريخية “دراسات التابع” في الهند مثلاً، والتي هي، في تقديري الشخصي، أهم مدرسة في العالم الثالث منتجة للخطاب ما بعد الكولونيالي في كتابة وتحليل التاريخ… الخ… وهذه تأثرت كثيرا بكتابي “الاستشراق”، هي مدرسة واسعة إلى درجة أن ليس هناك دائرة علوم تاريخية في جامعات أميركا إلا وفيها أحد ممثليها. والحقيقة أن ليس هناك شيء من هذا القبيل في حقل الدراسات المتعلقة بالتاريخ العربي أو الإسلامي، علماً أن تيار “دراسات التابع” أثر في اتجاهات تحليل وكتابة التاريخ الأميركي نفسه، وفي مدارس أخرى في العالم، وبالتالي، فإن كتابي، على ما أظن قرئ في أماكن أخرى من العالم بطريقة أعمق مما حصل في العالم العربي.

السبب أن كتابي استخدم من قبل قرائه العرب كوسيلة صراع، أساساً، وليس على سبيل تطوير فكر تحليلي مبني على الأفكار المطروحة، إلى درجة أن الكلمة نفسها “الاستشراق” صار لها وقع الإهانة. فإذا كنت تريد أن تهين شخصا تقول له أنت “مستشرق”. وهذه من النتائج السلبية جداً للقراءة الكاريكاتورية لكتابي، وهي قراءة معاكسة له، لأنني لا أقول الشيء نفسه، ولا حتى ألمح إلى هذا.

(….) وعلى الرغم من أن شهادتي مجروحة قليلا، فإن أهم ما في الكتاب هو أسلوب التحليل والتفكير والإطار النظري الذي تنتظم فيه النتائج، وليس النتائج السلبية نفسها التي لا يجوز تبسيطها إلى درجة يكرهنا… الخ…. والذي يخيل إلي، في النهاية أننا كمجتمع عربي – وأنا ربما منه- ما زلنا أسرى أنماط التفكير والصراع نفسها، لأننا ما زلنا لم نتمكن من أن نبتكر شيئا جديداً يساعدنا في التحرر من الماضي المظلم.

فكر الراحل نظرة ثاقبة والتماعات يجدر بقراء العربية، اليوم، في ظل المخاض الكبير الذي نعيشه، أن يقفوا عليها


شكوى المفكر


دعني أضيف شيئا، وهو أن “الاستشراق” صدر في العام 1978، وخلال السنوات العشرين اللاحقة على ذلك كتبت حوالي عشرة كتب وبينها، خصوصا، كتاب “الثقافة والإمبريالية” الذي صدر العام 1992، وهي تتوزع على حقول النقد الأدبي والفلسفة، وغير ذلك. المؤسف أن أياً من كتبي هذه ما زال لم يترجم إلى العربية، حتى الآن، وهي، بالتالي، مؤلفات مجهولة بالنسبة إلى العالم العربي. وهذا أمر يزعجني، لأن ذلك يعني أن أفكاري يجري تناولها ضمن إطار محدود.


لا وقت لدي


أظن أن على الكاتب، باستمرار، أن يحاول الإتيان بجديد، وأن يدعو إلى التركيز على مجمل ما لديه، بحيث لا يجري اختزال عمله، وهذا يستدعي معرفة بحلقات نتاجه المختلفة بحيث يمكن معرفة التطورات التي استجدت في تفكيره وبحثه من منطقة إلى أخرى، ومن حلقة إلى سواها.

أنا مهتم كثيرا أن يقرأ الناس أعمالي. لكن اهتمامي الأكبر ينصب على الكتابة، وليس على إعادة النظر في ما كتبت. أعني أنني أريد أن أتابع مسيرتي قليلا…

(…) إضافتي اللاحقة إلى “كتاب الاستشراق” جاءت بسيطة ومحدودة جداً، وكان يمكن أن تكون أوسع كثيراً، لكنني كما سبق وعبرت، ليس لدي وقت كبير أصرفه في إعادة النظر.


المثقف والوقائع


مشكلتي الشخصية أنني أعيش في شيء من العزلة عن المنطقة، وعملي اليومي والأسبوعي، والشهري والسنوي هو، بطبيعة الحال، متعلق بالمجتمع الغربي الذي أعيش فيه. وباستثناء الجامعات الأميركية في المنطقة (في القاهرة وبيروت) لم تقم بيني وبين أي جامعة عربية، للأسف، علاقة تمكنني من معرفة الوضع اليومي للباحث أو الأستاذ، أو المثقف العربي، إلا ما هو مبني على زيارات سريعة جدا، لذلك أحس نفسي في وضع من يجهل الأوضاع بدقة، لكنني من خلال المعطيات المتوافرة لدي، أستطيع أن أستنتج أن الأحداث تجري بسرعة كبيرة، وليس هناك وضع فكري يشير إلى انعكاس حي لها في الفكر إلى درجة تمكن من التأثير في الوعي، ومن ثم في المجريات بصورة خلاقة.

سعيد: ما أراه أن ظاهرة الهيمنة المباشرة موجودة في العالم كله


المثقف والسياسي


يخيل إلي، عموما، أن هناك في صفوف المثقفين العرب تماهيا بين ممارسة وظيفة المثقف من ناحية، ولعبة السياسي من ناحية ثانية. والذي أراه في هذه الفترة، أن هناك حاجة ملحة إلى فصل مطلق بين الاثنين وبكل تواضع، أرى أن الأخطر والأسوأ بالنسبة إلى المثقف هو أن يحاول الازدواج، أو المماهاة، بين حياته السياسية وطموحاته في السياسة (وضمناً تطلعه إلى المناصب)، وبين وظيفته كمثقف… هناك تكريس لمثل هذه الصورة، الآن، إلى درجة تلوث معها الخطاب المثقف، وأدى ذلك بالتالي –كما تقول- إلى اتهام المثقف بالتواطؤ، وهذه ليست تهمة فارغة أبدا.

المثقف العربي أعطى قبوله السريع جداً للتحول من موقعه المعارض إلى مساهم في الحكم، من دون أي مقابل حقيقي يحفظ له مكانة مستقلة، أو يبقي له مسافة تكفي لأن تحمي موقعه كمثقف حر.

وهذه الحالة نجدها سائدة بين المثقفين الفلسطينيين واللبنانيين والمصريين، على حد سواء، وهي حالة خطيرة جداً ومفسدة لمصداقية المثقف عند الناس، وأمام نفسه.

(…) أرى أن على المثقف – خصوصاً في هذه الفترة- أن يتكلم ويقول الحقيقة التي يراها بطريقة بسيطة جداً وواضحة، ومن دون أدنى تفكير بالعواقب.

طبعاً المثقف يريد أن يكون مؤثراً، وهو قادر في بعض الحالات، لكن ليس عن طريق السلطة، وإنما من خلال الشعب مباشرة. عليه أن يخاطب الناس عبر الصحافة، والكتاب، وبشتى الوسائل والأساليب الممكنة والمتاحة. لكن أن يحاول ذلك من داخل السلطة ومن منطق الولاء لها، أو حتى من منطق مشاركتها، فهذا سوف يؤدي، بالضرورة، إلى تورطه أكثر فأكثر


الأكثر غرابة


ليس الاستشراق الروسي فقط هو ما استبعدت درسه، وإنما الألماني والإسباني أيضا أهملتها، أو لنقل لم أتمكن من تغطية كل هذا. لكن اسمح لي أن أسجل هنا فرقا مهما بين الإمبراطورية الروسية والإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية. فتوسع الإمبراطورية الروسية كان دائما يتم من خلال فتوحاتها للأراضي المتاخمة لروسيا والواقعة، عمليا، في المدى الجغرافي المباشر. بينما ذهبت الامبراطورية البريطانية، مثلا، إلى استعمار الهند، التي تقع على بعد عشرة آلاف ميل من الجزيرة البريطانية.

ولك أن تتخيل المسافة بينهما، وما أراه أن ظاهرة الهيمنة المباشرة، كما في المثال الروسي، هي ظاهرة موجودة في العالم كله، لكن الظاهرة الأكثر غرابة، هي الظاهرة الاستعمارية البريطانية تحديدا. من هنا أعطيت في “الاستشراق” دورا مهما جدا للخيال، ولك أن تتصور شخصا يجلس في لندن ويتخيل كيف سيدير أمور الهند التي ليس في وسعه الوصول إليها إلا بعد ثلاثة أشهر، هذا هو الفرق الشاسع، وهذا ما لم يحصل إلا مع الإمبراطوريات الكبرى. الإسبان والبرتغاليون في القرن السادس عشر فتحوا، بدورهم، الثروة، وعندما لم يعد هناك ذهب انسحبوا من هناك، ورجعوا إلى بيوتهم.

ادوارد سعيد: علينا كمثقفين أن نركز على الحقائق الملموسة ونتجنب الأبعاد الميثولوجية

واختياري التركيز على “الاستشراق” الغربي لارتباطه، خصوصاً، بما هو خيال، وبالتالي بالثقافة نفسها التي تمنح فردا يقيم في بقعة من بريطانيا، مثلا، حقا، وإمكان أن يحكم من هناك العالم كله، وأن يجتاز على سبيل تحقيق ذلك البحار والمحيطات والعقبات الطبيعية والمناخات المختلفة، وصولا إلى ما يؤكد خياله ويجسده، بالمقابل فإن الروسي يركب حصانه، ويسرح في الأراضي المجاورة في آسيا أو أوروبا الشرقية.


هل أنا ماركسي؟

مسألة الماركسية لا أحب التعرض إليها، لأنني لا أريد أن أتورط في إشكاليات اصطلاحية، أي من قبيل ما هي الماركسية، وهل أنا ماركسي أم لا؟ المدارس لا تهمني من قبيل الانخراط العضوي فيها. ما أراه هو شيء آخر، تماما. وكمثقف مستقل وحر، أنا لا أعطي إلا أهمية دنيا لمسألة “الشعار” (ماركسي أو غير ماركسي). لكن لا شك في إن التحليل الماركسي، أو لنقل المادي، يحتوي على عبر وعناصر مفيدة جداً للوضع الذي نعيشه الآن، خصوصا في ما يمس العلاقات الاقتصادية. من الممكن مثلاً الإفادة من تحليل السلطة الذي لم يفكر فيه ماركس بالذات، لاستخدامه في الوضع الراهن، فما يلزمنا ليس إعادة الماركسية التقليدية، ولا استعادة الشعارات، ولكن أن ننتقي عناصر محددة ونعيد صياغتها في مقترب مبتكر عبر خطاباتنا الجديدة.

اختياري التركيز على "الاستشراق" الغربي لارتباطه خصوصاً بما هو خيال


رفض الواقع

معارضتي تتبلور من خلال مقالاتي التي أواصل كتابتها حول الوضع. إنني أحاول التعليق على الوضع في الأراضي المحتلة، وخصوصا وضع السلطة نفسها التي هي سلطة غير ديموقراطية، والتي أعتقد بأنه غير مسموح لها بممارسة السيادة، بحيث تصبح سلطة شاملة ومعبرة بعمق عن وجود الشعب الفلسطيني وروحه بالمعنى الديموقراطي العميق للكلمة. وضع هذه السلطة لا يسمح الآن، ولن يسمح بما هو أفضل، لاحقا وبناء على موازين القوى الراهنة، نحن عاجزون وبلا قوة. و”إسرائيل” تمتلك كل القوة إلى جانب الدعم الأميركي بلا حدود.

لذلك علينا، من جهتنا، أن نجد شيئا آخر. والمهم في رأيي -وهنا الفرق بيني وبين كثيرين ممن يتفقون حول الوضع الراهن- هو أن نعالج هذا الوضع بطريقة تمكننا من التغلب على الشروط المجحفة واللاإنسانية التي يجري طرحها بصفتها الممكن الوحيد أنا، من جهتي، أرفض الوصف القائل بأن هذا هو الواقع ولا بد من التعامل معه. الواقع دائما في تحول، ونحن أما أن نتفق مع الواقع المرفوض، بما يعنيه ذلك من رضوخ يسحق وجودنا، وإما أن نقف ضده، ولا خيار ثالث بين هذين.

أنا أرفض هذا الواقع، وأفعل ذلك، وسأظل أفعله، مستدركا كل المعطيات الفاعلة فيه، وليس عن سذاجة، أو توهم يوتوبي. إذ يمكن التعامل مع الوضع بطريقة متحركة ومبدئية معاً.

إنما أنا لا أستطيع أن أتعاون مع السلطة الفلسطينية بوفاق. لا يمكنني، استنادا إلى قائمة طويلة من الأسباب، أن أتعاون معها. وما يجب أن نفعله كمثقفين هو أن نخلق وضعا جديدا في الأراضي المحتلة، أعني مؤسسات جديدة مدنية، مستقلة، تيارات انتقادية نشطة، يمكنها معارضة الوضع، بحيث لا يتمكن من تجسيد نفسه أكثر فأكثر كحل مسخ للقضية.


المقاومة الضميرية

أعمل عن بعد، من نيويورك. وبداهة، فإن جهدي متواضع وبعيد عن صورة المعجزة. طبعا أنا لست تحت الضغط اليومي المباشر، لكن الناس الذين قبلوا بالوضع، هم الغائبون. أما القول إن هذا هو الواقع وهذه هي الحقيقة، فأنا أرفض هذا التفكير.

مفكر حر لم يهادن أخلاقيا، ومثقف موسوعي رفيع الموهبة والمقدرة النظرية، كرس نفسه قامة فكرية معاصرة

ليس في وسعي أن أقدم برنامجا كاملا، أنا لست مصنع أفكار، ولا فيلسوفا سياسيا، ولا ساحراً، أنا أستطيع أن أصف بطريقة صارمة ودقيقة الوضع الذي نحن فيه. ومن ثم أنتقد هذا الوضع استنادا إلى أساس وإلى تاريخ، وكذلك إلى مجتمع محدد.

المقاومة ليست شيئا خياليا ولا شيئا مستحيلا أو غير ممكن. وسأواصل بالطريقة نفسها في محاولة إقناع أكبر عدد ممكن من الناس بأفكاري، ممن يبدون لي مدعوين إلى مناقشة هذه الأفكار وتحليلها وتطويرها، أو نقدها وتقديم تصوراتهم المختلفة في السياق نفسه، ومن أجل الهدف نفسه، بالطريقة التي تسمح بتجسيد فحوى هذه الأفكار وبطبيعة الحال فإن ما أطرحه يبقى ناقصا ومحدودا نسبة إلى إمكانات شخص واحد، وأفكار شخص واحد. وحياتي الفكرية أساسها التعليم والكتابة، فضلا عن أنني لست سياسياً محترفا. إن ما ينقصنا باستمرار هو أن نستعيد تاريخنا وما جرى في هذا التاريخ، وأن نرفض تزويره، لأنه لا مناص من أن نحمّل “إسرائيل” مسؤولية ما فعلته بنا. وهذه ضرورة قصوى ليس مسموحا لأحد بتجاوزها. إن أهم ما قدمه أوسلو لـ”إسرائيل” هو إعفاؤها من ماضيها البشع معنا.

دوري الأساسي في هذا السياق هو تذكير الناس، خصوصا القيادة الفلسطينية ذات الذاكرة الضعيفة، بأننا نحن الفلسطينيين مارسنا تاريخا ارتجاعيا ونحمل أنفسنا و”إسرائيل” المسؤولية عن المأساة والآلام والاحتلال وتدمير المجتمع الفلسطيني وبقية السلسلة الطويلة من الوقائع العصيبة التي شهدها تاريخنا الفلسطيني الحديث. يجب أن يكون هناك حساب.

تفكيك الظواهر التسلطية والإخضاعية بأدوات فكرية بالغة الرقي، ووفق نظرة شمولية


الضحية الغائبة


في رأيي أن أهم نتيجة أبرزها الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي في السنوات الخمسين الأخيرة هي عدم تأثيرنا الجذري داخل الوعي الإسرائيلي بوجودنا كشعب يطالب “إسرائيل” بحقه وبمسؤوليتها عن الأضرار والكوارث التي ألحقتها بنا. ولأذهب إلى لب الموضوع وأقول إنه حتى الآن، ما يزال في الإمكان القول إن حقول التفكير الإسرائيلي بقيت غامضة جدا إلى درجة رفض نظرة الآخر، كليا، إلى السلام وإلى المساواة معه. وهناك استعداد نفسي لدى الإسرائيلي أن يصبح وحده في العالم، وأن يمحو الوجود الفلسطيني، فكريا، على الأقل، بطريقة جذرية. هو ذا البرهان على انتصار الغطرسة الصهيونية، وفشلنا نحن في الصراع كطرف مساو للإسرائيلي.

وفي نظري، إننا إلى أن يتحقق وجودنا كطرف مساو، على مستويات عدة، سنظل نحن الضحية، وتحديداً الضحية الغائبة غير المعترف بها، ما خلا بعض التدابير.

(…) إن “إسرائيل” وأميركا يمكن لهما أن تهملا قضيتنا جذريا من دون أن تكونا متأثرتين حقا بعواقب سياسية تصدر عن أحد. واقع كهذا ينبغي أن يتغير، وهو في المحصلة ثمرة عمل صادر عن قرار إسرائيلي يشمل اليسار واليمين معاً، بدعم أميركي مفتوح.


حدود الخسارة

اليهود يدعون أن تاريخ علاقتهم بفلسطين يعود إلى ثلاثة آلاف سنة، وأنه تم نفيهم عن فلسطين وتشردوا منذ نحو ألفين وخمسمئة سنة. أما نحن الفلسطينيين فتاريخ تشردنا عن فلسطين بدأ بالأمس فقط، هو أقصر كثيرا. لكن ينبغي أن لا ننسى أن التاريخ الرسمي الصهيوني الذي نهض على “الدياسبورا”، وأفكار المنفى الدائم، هذا التاريخ يستهلك أساطير كثيرة. أظن أن علينا كفلسطينيين أن نتجنب الأساطير.

ويخيل إليّ أن علينا كمثقفين تحديداً، أن نركز على الحقائق الملموسة والتاريخية، ونتجنب بالمقابل الأبعاد الميثولوجية. فأنا ليس في وسعي أن أقبل فكرة أن اللاجئ الفلسطيني سيبقى لاجئا إلى الأبد. بل إنني ممن يفكرون أن لا قيام لحل واقعي ما لم يعالج هذا الحل الوضع الملموس للفلسطينيين كلاجئين. والسؤال هو: هل من الممكن أن نسترجع ماضينا ونعيد التاريخ إلى ما قبل 1948؟ أنا أشك في ذلك. إذن هناك خسارة حلت بنا. نحن شعب يمكن أن يقال فيه أنه خسر المعركة مرحليا. والسؤال الأساسي هو: إلى أي حد؟ ولا أظن أن أحدا يملك، منذ الآن، جوابا نهائيا عن هذا السؤال. وما يتوجب علينا أن نفعله، حقيقة، هو أن نحد من هذه الخسارة.


أساطير المخيلة

في العربية أنا أستعمل المفردة العربية لهذا المصطلح “الشتات” رغم حذري الدائم ونقدي المستمر لكثير من المصطلحات التي تأسست على أساطير المخيلة. وأرفض بطبيعة الحال استعمال مفردة “الدياسبورا”. إلا أن المصطلح نفسه يمكن استخدامه، ولا أرى هناك ما يمنع ذلك. اليهود استعملوه بطريقة تلبي المخيلة الخاصة بهم، لكننا نتكلم على حالة أخرى لدى الفلسطينيين هي المجتمع المتمنى، وهي حالة خاصة بالفلسطينيين.

إقرأ أيضا في العرب:



عقد وعام على رحيل إدوارد سعيد: لم يقرأني العرب كما قرئت في العالم

15