نحن نعرف كل شيء

الأربعاء 2017/07/26

من الظواهر التي أصبحت ثابتة ومتكررة يوميا، الكتابة في كل شيء، فقد تسبب الفضاء الإلكتروني وما يسمى بـ”مواقع التواصل الاجتماعي” في أن أصبح لدينا عشرات الملايين من المفكرين والكتاب وأصحاب الرأي والنقاد والصحافيين أو بالأحرى من يعتقدون أنهم كل هؤلاء دفعة واحدة.

وقد تكون هذه ظاهرة إيجابية تعكس انفتاحا كبيرا على العالم، ورغبة من جانب أعداد كبيرة من الشباب بوجه خاص، وهم معظمهم من جمهور “الميديا الجديدة”، في البحث والمعرفة وإبداء الرأي خاصة فيما يتعلق بالشأن العام والأحداث الجارية التي تؤثر في حياتهم بشكل مباشر.

ومع ذلك، ما يلفت الانتباه أن هذا التدافع على الكتابة اليومية بسبب سهولة طبع الكلمات بواسطة أزرار “الكيبورد” التي أصبحت في متناول الملايين، أدى إلى أن أصبح كثيرون ممن لا تتوفر لهم أصلا أدوات المعرفة الصحيحة، أو من لا يبذلون جهدا حقيقيا في القراءة والبحث والإطلاع، والتدقيق في أي معلومة تصلهم، أو خبر ينقل إليهم من مصدر مجهول، يكتبون وينقدون ويحللون ويزعمون أن ما يكتبونه لا يقل عما يكتبه من يعتبرون أنفسهم أو يعتبرهم المجتمع من “كبار الكتاب”.

بل إن الكثيرين أصبحوا أيضا يجدون متعة خاصة في إهالة التراب على هؤلاء الذين يقال لهم “الكبار” في كل شيء بدعوى أنهم يرغبون في “احتكار” الكتابة والتعبير، خاصة وهم يرون أن الكثير من هؤلاء “الكبار” و”أهل النخبة” قد تدنوا وأصبحوا يؤثرون السلامة، ويبحثون عن الكتابة السهلة المريحة التي تجنبهم “وجع الرأس” وتكفل لهم السلامة.

هذا اليأس العدمي أنتج صورة سوداء أصبحت تصطبغ بها غالبية ما ينشر من تعليقات على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي. وقد راعني أن اقرأ خلال الفترة الأخيرة، الكثير جدا من الأخطاء، في سياق مقالات وتعليقات كثيرة، وهي أخطاء في المعلومات وفي الفهم، والمؤسف أن الكثيرين أصبحوا ينقلون عن بعضهم البعض ويكررون بالتالي تلك الأخطاء، أو يترجمون بشكل رديء عن مواقع أجنبية.

لم يعد أحد يستطيع أن يمتنع عن الإدلاء بدلوه في موضوع ما أو شأن معين، أو يعتذر لكونه لم يدرس موضوعا ما أو يتحقق منه، فقد أصبحنا جميعا نعرف كل شيء عن كل شيء، ويمكننا أن نفتي ونكتب ونطرح الآراء الجريئة في أي شيء وفي كل وقت، فالمشكلة أن لا أحد يملك فضيلة التواضع التي قد تجعله يعتذر إذا ما ثبت أنه ارتكب خطأ ما، أو يمتنع عن الخوض فيما لا يعرف.

وقد دهشت حين قرأت ما كتبه عالم الأحياء البريطاني المرموق ريتشارد دوكنز في كتابه البديع “سحر الواقع”، فبعد أن شرح معنى الذرة ومكوناتها من نواة وإلكترونات ونيوترونات وبروتونات، وشرح بأسلوب سلس وظائف هذه الأشياء الدقيقة، قال إن هناك أشياء أصغر منها داخل نواة الذرة تدعى “الكواركات”.

ثم يستدرك ليضيف “لكني لن أتناولها في هذا الكتاب، ليس لاعتقادي أنك لن تفهمها، بل لأنني شخصيا لا أفهمها، ونحن هنا نخوض في عالم عجيب من الغموض، ومن الضروري أن نعترف في حالة وصولنا إلى أقصى ما يمكننا فهمه، وهذا لا يعني أننا لن نفهم هذه الأشياء أبدا، فمن المحتمل أن نفهمها، فالعلماء يعملون عليها آملين في تحقيق النجاح، لكن يتعين علينا أن نعرف أن ثمة أمورا لا نفهمها، ونبين ذلك لأنفسنا قبل أن نبدأ في العمل عليها”.

انتهى الاقتباس من دوكنز، وليتنا فقط نتعلم من هذا العالم الجليل فضيلة التواضع، فالطريق إلى المعرفة ليس طريقا معبدا مفروشا بالورود، والاكتفاء بجذور الأشياء لا تخلق عالما ولا كاتبا ضليعا ومحللا بارزا مهما أقيمت من حوله ضجة أو دعاية إعلامية وأحيط بالأضواء، فهذه كلها أشياء ليس من الممكن أن تنجح في تأجيل التخلص من “الانتقاء الطبيعي”، نظرية داروين التي يدهشنا دوكنز بتحليلاته لها في معظم كتبه، غير أن هذا موضوع آخر.

ناقد سينمائي مصري

16