نحن وأقنعة بارت

الثراء الثقافي وديمقراطيته والإصغاء الحي لإيقاع الزمن والحياة يتطلبان وعيا حادا بأسئلة الواقع وقدرة على الإبداع والجدل المستمر مع الذات والحياة.
الثلاثاء 2018/05/08
رولان بارت شخصية لم تتوقف عن تبديل أقنعتها طوال مراحل حياتها المختلفة

من الصعب على قارئ سيرة حياة رولان بارت الفكرية والنقدية، ألا يتساءل عن السبب الذي كان يجعل منه شخصية لم تتوقف عن تبديل أقنعتها طوال مراحل حياتها المختلفة.

إن هذه العلامة الفارقة لشخصية دائمة التحول، قد أسهمت في إخصاب الحياة الفكرية والنقدية الغربية، إلى الحد الذي جعل مسارات هذا التحول في عقدي السبعينات والثمانينات يرتبط باسمه.

والسؤال هل كان ذلك يعكس قلق المعرفة عند مفكر وفيلسوف وناقد كبير، أم كان بحثا عن الشيء ونقيضه، أم هو تجسيد لوجوهه المعرفية الكثيرة، في جدلها المستمر والمفتوح.

في هذا السياق نجد أن شخصية بارت البنيوي هي غير شخصية بارت السيمولوجي، كما أن بارت صاحب نظرية النص أو القراءة هو نقيض كل ما سبق. كذلك لم يكن بارت الداعي إلى موت المؤلف ولذة النص هو بارت المحتفي بأدب الطليعة. كل هذا التناقض في حياته جعل منه شخصية ذات طيف متعدد دائم الحضور والتأثير في الثقافة العالمية.

حاجتنا الماسة لثقافة تجدد نفسها وترفض الركون إلى حقائق ناجزة ونهـائية، كمـا يحاول أن يفعل أصحاب هذا الفكر، هي القضيـة التي يجب أن تعمل عليها النخب السياسية والثقافية العربية

لقد كان بارت في كل هذا باحثا عن لذة الاختلاف والمغايرة، يستند في ذلك إلى ثراء معرفي وقدرة على التوليد والإبداع، في شذراته الشعرية كما في أفكاره ومناهجه النقدية.

لكن ما يجدر التوقف عنده أن كل هذا جاء في سياق وعي جديد كان يتشكل داخل مجتمع الحداثة، يتمثل في نقد مركزية العقل وسلطته وما رافقه من مشروع ثقافي كوني. لقد كان بارت جزءا أساسيا من فكر ما بعد الحداثة وتعبيراتها المختلفة في الثقافة الغربية، ولذلك ترافقت شهرته منذ بداية السبعينات، مع ظهور فكر ما بعد الحداثة ومناهجها النقدية المتلاحقة.

إن قلق الوعي الفلسفي والفكري، كما عبر عنه بارت، كان امتدادا لفلسفة الشك وتهديم اليقينيات السابقة لفكر الحداثة. مقابل هذا التجاوز والنقد الشديد الذي تمارسه الثقافة والفلسفة الغربية لذاتها وتاريخها يظهر النزوع الماضوي لأصحاب الفكر السلفي والمحافظ في ثقافتنا، كنوع من الارتداد، وكأننا نعيش في زمن دائري يصعب الخروج منه، بل نتوهم بأننا نجد فيه ملاذا آمنا لمجتمعاتنا ونهضتنا المرتجاة.

إن حاجتنا الماسة لثقافة تجدد نفسها وترفض الركون إلى حقائق ناجزة ونهـائية، كمـا يحاول أن يفعل أصحاب هذا الفكر، هي القضيـة التي يجب أن تعمل عليها النخب السياسية والثقافية العربية للخروج من عنق الزجاجة، التي مازلنا نختلف على طريقة الخروج منها، في عالم سريع التحول والتغيير وتجاوز ذاته.

إن الثراء الثقافي وديمقراطيته والإصغاء الحي لإيقاع الزمن والحياة يتطلبان وعيا حادا بأسئلة الواقع وقدرة على الإبداع والجدل المستمر مع الذات والحياة.

15