نحن والآخرون

ترجمة نصوص الأدب العربي إلى اللغة الهنغارية، فيبدو أنها قد توقفت، حسب توشك، عند لحظة طه حسين وتوفيق الحكيم، كما لو أن الإبداع العربي قد توقف عند تلك اللحظة.
السبت 2018/03/17
الثقافة العربية إلى أين؟

أدهشني، وأنا أقف أمام مقر المعهد الفرنسي بمدينة بودابست الهنغارية، أن يتقدم نحوي رجل بقامة طويلة وبهندام شبه رياضي، متحدثا إلي بعربية فصيحة ومرحبا بي ببودابست. لاسلو توشك، المستشرق ومدير المكتبة الوطنية بهنغاريا. لم أكن أعرفه، أما هو فقد تعرف إلي سابقا عبر قراءته لبعض نصوصي الشعرية. دعاني إلى قهوة داخل المعهد واستغرقنا في الحديث المرح لأنتبه إلى أنني كنت شبه مبحوث عنه داخل ردهات المعهد، حيث تأخرت عن قراءاتي الشعرية بحوالي نصف ساعة، من دون أن أنتبه إلى الأمر.
في مكتبه بالمكتبة الوطنية، وخلال لقائنا في اليوم الموالي، حدثني لاسلو توشك عن اهتمامه بالثقافة العربية، وعما يقوم به على مستوى خدمة هذه الثقافة، سواء في إطار المكتبة أو من خلال أعماله العلمية، في سياق كوني صار في إطاره الكثيرون يتخوفون من كل ما هو إسلامي، حيث أطلق، على سبيل المثال، سلسلة ندوات حول الإسلام، تجمع المستشرقين الهنغاريين. أما الأمر المفارق، والذي عبر عنه توشك، بغير قليل من الحزن، فهو أن يمتنع أكثر من مثقف عربي عن المشاركة في هذه اللقاءات.
أما ترجمة نصوص الأدب العربي إلى اللغة الهنغارية، فيبدو أنها قد توقفت، حسب توشك، عند لحظة طه حسين وتوفيق الحكيم، كما لو أن الإبداع العربي قد توقف عند تلك اللحظة. والغالب أن هذا الوضع لا يهم بلدا كهنغاريا فقط، إذ أن نصوص الأدب العربي، سواء الكلاسيكية منها أو الحديثة، تجد طريقها، في أحسن الأحوال، إلى لغات المستعمر السابق، بينما تجهل بقية بلدان الكون ما يُكتب هنا.
ويبدو أننا ندمن على الحوار بيننا وعلى ترجمة بعضنا البعض دون أن نذهب إلى الآخر. وقد نعجز عن احتساب عدد الندوات واللقاءات التي تُنظم داخل بلدان العالم العربي، حول قضايا الإرهاب أو التطرف، كأننا نحاول أن نقنع أنفسنا بعدالة قضايانا، في حين ننسى المواطن الأجنبي البسيط الذي تلتهمه، خلال كل ساعات اليوم، آلات الإعلام الكبرى، وننسى المستشرق، الذي أمضى حياته في تعلم لغة يحقد عليها كثير من أهلها، وننسى المثقف أو المبدع الأجنبي الذي تستهويه ثقافتنا، والذي نعتبره في غالب الأحيان سائحا متجولا داخل ثقافتنا.
في كتابي الصادر أخيرا  “يتلهون بالغيم”، والذي يضم حوارات كنت قد أجريتها مع أكثر من عشرين شاعرا أجنبيا، كنت حريصا على طرح سؤال ثابت يخص علاقة الشعراء بالثقافة العربية. وخراج بعض الحالات المعدودة من الشعراء الذين قضوا فترة من حياتهم داخل مدن عربية ما أو اطلعوا على بعض ترجمات نصوص هذه الثقافة، لم يكن غريبا أن تجهل الأغلبية معالم هذه الثقافة. وإذا كان هؤلاء يبدون بعض الرغبة في الاطلاع على هذه الثقافة، فإن السؤال كان يجرهم إلى التماهي مع الصورة الخارجية التي ينسجها حولنا العالم، والتي نبدو في إطارها كما لو أننا نعيش داخل ألف ليلة وليلة.

15