نحن والتاريخ والذكريات

الخميس 2014/09/25

قرأت قبل أيّام مقالا جاءني من أحد رفقاء الدّرب، يتحدّث عن سيرة بعض الخلفاء وتصرّفاتهم، خاصّة منها الأخلاقيّة، فمعظمها يندى له الجبين كما يقال، فعاودني بعد قراءة المقال سؤال كثيرا ما طرحته للنقاش مع الثقة المقرّبين من أصدقائي، فاتفقنا حينا واختلفنا أحيانا، لكنّنا لم نحسم الأمر فلم أحصل على جواب يشفي غليل المعرفة، فبقي السؤال عالقا بذهني، فلا مناص لي من إعادة طرحه الآن تحت تأثير المقال المذكور.

إنّه سؤال يمكن طرحُه بصور وأشكال مختلفة مثل: هل نعرف تاريخنا؟ أكلّ ما لقنونا من تاريخنا صحيح؟ هل قال مؤرّخونا كلّ ما يجب أن يقال؟ يمكن أيضا التوسّع في الاستفسار فيصبح السّؤال: أحقّا كلّ ماضينا أمجاد وبطولات وانتصارات وشهامة، ونبل ونهي عن المنكر؟ أليس في ما أتاه الأولون منّا تعدّ واغتصاب وظلم وإرهاق دماء؟ لا مفرّ لي هنا من تمرير مقولة شائعة في هذه البلاد التي تأويني مفادها: ليس كلّ لمّاع ذهبا ولكلّ أمر وجهان. فإذا صدقت المقولة ولم نعرف من ماضينا إلاّ الوجه المضيء، فأين الوجه الآخر؟ هل كتبه المؤرّخون ولم يُدرّسوناه؟ إن كان الأمر كذلك فلماذا؟ ألما يسوده من ظلمة؟ أو لأننا قُصَّر لا يجوز لنا معرفته؟ أم لأنّ الأمر كما قال جورج أورويل: “من يتحكّم في الماضي يتحكّم في المستقبل، ومن يتحكّم في الحاضر يتحكّم في الماضي”.

إن الشعوب تجد صعوبة، في وقت أو آخر من تاريخها، أن تنظر إلى ماضيها وجها لوجه، لأنّ أولي الأمر، قبل غيرهم، يخشون من “الرّعيّة” المقارنة، فإبداء الرّأي، فالحكم، ومنه اتخاذ مواقف قد تنتج عنها تصرفات لا يحبّذها أصحاب القرار. ثم إن الباحثين، يلاقون صعوبة في فتح، أو إعادة فتح محفوظات، وملفات الفترات الأكثر إيلاما بين فترات مغامرات الشعوب الجماعية.

إن الآراء السالفة الذكر، قالها وعمل بها كثير من كبراء المفكرين، وبعضهم يرى أن كل شيء حسن، وكل شيء صالح للنزاع، فوق أرضية التقابل بين التاريخ والذاكرة.

إن الأولوية تكمن في طرح الحقيقة التاريخية. وهذه مهمة المؤرخين، لأنّه، كما قال ابن خلدون: “التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، لكن في باطنه نظر وتحقيق”. فالمرء والشعوب، الفرد والجماعات، لا تستطيع أن تبني شيئا فوق النسيان.

وهذا يفرض قول الحقيقة والتذكير بها، كما يجب تجنّب الخوف من الحقيقة، مهما كانت قساوتها. لكنّنا نرى أنّ أغلب المسؤولين السياسيين، ذوي الفائدة والمصلحة في أن لا تشقّ الحقيقة طريقها، لهم وزن ثقيل داخل المؤسسات، مقارنة مع وزنهم لدى الرأي العام. لذا تصرفوا دائما، وفي معظم عصور حياتنا وحياة بلداننا وشعوبنا، تصرفا يحول دون بروز الحقيقة، ومنعها من بلوغ مرأى ومسمع الشعوب، حتى تسود النظرة المعجبة المؤيدة، فيرى كلّ شيء حسنا لمّاعا. لعل هذا قد جعل أنه كثيرا ما يُقضى على المؤرخين بالرقابة الذاتية- إن استحالت الرّقابة المباشرة- ثمّ نراهم يدانون بالجبن والخسة.

إنّ التاريخ في بلداننا طيف غريب وضيف ثقيل، فجمّلوه ماضيا وحاضرا فأبعدت الجماهير عن معرفة وجهه الحقيقيّ الصحيح. ثمّ إنّه منذ الاستقلال والتاريخ تحت الحراسة. فالسلطات المتتالية، رأت أنّ عليها تمتين العلاقة الاجتماعية، بإخفاء تمزقنا السّابق والحاضر، وبإسكات خطايانا، فيعطي هذا الفرصة لخصومنا وضعها على قدم المساواة مع جرائم المستعمر. إن من يثق في نفسه وتولى منصبا قياديا، وتحمل أو حُمل مسؤولية ذات طابع جماعي، لا يخاف ولا يخشى التاريخ، وإن كانت به حصافة وتعقل، اعتمد على التاريخ لاستخلاص العبر مستفيدا بمزاياه ومحاسنه، مبتعدا عن أخطائه، فيضمن النجاح حاضرا ويمهّد السبيل لمستقبل أفضل، لأنه كما قال بيرل بايك: “إن أردت فهم الحاضر، أدرس الماضي.”

إن نظرنا اليوم إلى حالة مجتمعاتنا العربيّة، بعين التعقل، لوجدنا، أنّ الكثير من بلايانا وتصرّفاتنا، كان يمكن أن تكون أحسن ممّا هي عليه، لو عرفت جماهيرنا ماضيها، البعيد والقريب، معرفة حقيقية واضحة، دون تنميق لأي سلوك، وركزت الاهتمام على إبراز الأخطاء التي أثبتتها الأيام لا الأحكام، لَفَهِم كلّ مواطن ومواطنة، مهما كان مستواهما العلمي والثقافي والاجتماعي، الدرس الذي عليهما فهمه، وسلكا سلوكا غير الذي نراه اليوم، ولتحقّق التحلي بالتبصّر قبل التصرف. لأن بلادا يجهل شعبها الواقع والتاريخ لا تسمى حرة.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

9