نحن وجرجس ووالده

بعض المشاهد الإنسانية القديمة لا يمكن أن تُنسى، تبقى محفورة بلقطاتها وكأنها فيلم سينمائي مصنوع بعناية، والفارق هنا أن الصانع، ليس مخرجاً بارعاً، بل هو الحياة بأزاميلها البديعة التي تنحت الشخصيات وتضعها في الحكايات.
الجمعة 2020/10/23
ما لا نراه يتحرّك إنما هو يجري بكل قوته

مع كشف نيويورك تايمز بالأمس عن أعضاء جديدة في رأس الإنسان، أصبح واجباً علينا أن نعيد التعرّف على أقرب المقرّبين إلينا، أي أنفسنا. وقد فاجأت هولندا العالم بالإعلان عن إنجاز كبير قام به علماؤها تمثل بالعثور على عضوين جديدين في رؤوسنا، في اكتشاف لم يفعل البشر مثله منذ 300 عام.

مشهد جديد إذاً؟

غير أن بعض المشاهد الإنسانية القديمة لا يمكن أن تُنسى، تبقى محفورة بلقطاتها وكأنها فيلم سينمائي مصنوع بعناية، والفارق هنا أن الصانع، ليس مخرجاً بارعاً، بل هو الحياة بأزاميلها البديعة التي تنحت الشخصيات وتضعها في الحكايات.

كان جرجس أستاذاً يدرّس في مدارس البنات الثانوية، وهذه كانت أولى مصائبه، الثانية أنه كان خجولاً جداً حدّ الانطواء، وهذا يجعله في موقف حرج كل لحظة، خاصة بين براثن أولئك الفتيات اللواتي كن يعتمدن المكر والحيلة والاستفزازات وفعل كل ما يمكن ليحمرّ خدّا جرجس المسكين. أما ثالثة مصائبه فكانت متجسدة بوالده البخيل. والرابعة القاصمة أن أسرته فنيت بأكملها ولم يبق منها سوى جرجس والرجل العجوز البخيل يعيشان في بيت واحد في حارة العازارية بدمشق، كتمثالين شاحبين. ولك أن تتخيل كيف يمكن لجرجس أن يتصرّف وسط كل تلك المؤثرات الفنية.

ومرّ الزمن. وبقي الابن معلّماً خجولاً يسكن مع أب عجوز بخيل لا يرحم، ولم يجرؤ جرجس على طرح فكرة أن يزوّجه والده من إحدى الفتيات، فالعرس سيكلّف الكثير، والوالد ليس على استعداد لمناقشة شراء كيس شاي، فكيف بتمويل زواج؟ لكنه لم يكن يقول لجرجس ذلك، بل كان يتلاعب به ويطالبه بالبحث عن فتاة من مستوى الأسرة التي كانت، في الواقع، لا تكاد ترتفع إلا القليل عن قاع المجتمع.

 أما جرجس فقد اعتاد منذ تعيينه بعد التخرّج من معهد المعلمين، أن يضع مرتّبه أول الشهر في يد الوالد الذي يعطيه مصروفه بنفسه لاحقاً، ولم يغيّر الأب عادته تلك. حتى أصبح جرجس عجوزاً بدوره، وتقاعد، وبقي عانساً. وصار الجيران يسمعون كل يوم سيمفونيات مشتركة بين جرجس ووالده لا يفهم مغزاها أحد.

لم يشعر جرجس بمرور الزمن. لكن الأخير يمضي أسرع مما نتخيل، ولو أردنا أن نتخيل حقاً، فلننظر إلى فيديو مسرّع الحركة يرينا حركة النباتات. وما لا نراه يتحرّك، إنما هو يجري بكل قوته.

ويبقى السؤال قائماً عن وظائف تلك الأعضاء المكتشفة حديثاً، مادامت الأعضاء التي نعرفها ونعرف وظائفها لا تقوم بدورها بشكل صحيح، فما جدوى العثور على أعضاء جديدة لن تفعل أكثر مما فعله جرجس في حياته العامرة؟ فلنبحث إذاً عن جرجس في داخل كل منا ونحاول إقناعه بالتمرّد.

24
مقالات ذات صلة